يُعدُّ قصرُ الحرّانة حصناً أموياً شامخاً في البادية الأردنية ، يوثق عراقة العمارة الإسلامية المبكرة ويحمل قيمة تاريخية وأثرية عظيمة .

قصر الحرّانة : حصن الأمويين الصامد في قلب البادية

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تتوسّط الصحراء الأردنية الشاسعة شواهدُ خالدة تروي حكايات المجد الأموي ، وحين يلوح قصر الحرّانة في أفق البادية الشرقية ، يتجلى عبق التاريخ الإسلامي المبكر في أبهى صوره هندسيةً وفنّاً . يرتفع هذا الحصن المنيف شاهداً على عظمة العمارة التي امتزجت برمال الصحراء لتسطر ملاحم البناء والتأسيس ، مستقطبةً أنظار الباحثين والرحالة عبر العصور .

​يُعدُّ قصرُ الحرّانة ( أو الخرّانة ) واحداً من أبرز وأهم القصور الصحراوية الأموية في الأردن ، ويتميز بهيبته المعمارية وتصميمه الدفاعي الفريد الذي يجعله يبدو كحصنٍ منيعٍ وسط الفضاء الصحراوي المفتوح ، يقع هذا الصرح الأثري في منطقة البادية الشرقية بمحاذاة الطريق الدولي الصحراوي المؤدي إلى الأزرق ، ويبعد حوالي 55 إلى 70 كيلومتراً شرق العاصمة عمّان ، مرتفعاً نحو 650 إلى 659 متراً عن سطح البحر ، وهو من المعالم البارزة التي توثق بوضوح نمط العمارة الأموية في العصور الإسلامية المبكرة .

​دلالات التسمية اللفظية وتأثير المستشرقين

​وفيما يتعلق بالتباين في كتابة اسم القصر بين " الحرّانة " و " الخرّانة " ( أو ما يقترب من ذلك من صيغ كالـ " الحراني " و " الخراني " ) ، يوضح الباحثون أن التسمية الأصلية والصحيحة تاريخياً هي " قصر الحرّانة " ، نسبة إلى وادي الحرّانة القريب منه وتناثر آلاف الحجارة الصوانية المعروفة بـ " الحرّة " على سطحه .

​وقد نشأ هذا الخلاف اللفظي وتحريف التسمية تاريخياً مع وفود المستشرقين والرحالة الأجانب إلى المنطقة ، إذ وجد هؤلاء صعوبة بالغة في نطق حرف الحاء العربي ، فكانوا يستبدلونه بحرف الخاء في كتاباتهم وأبحاثهم بلغاتهم الأجنبية . وفيما بعد ، انتقلت هذه الترجمات والمراجع الأجنبية لتستقر في بعض الكتابات العربية الحديثة على أساس حرف الخاء ، ليصبح الشائع عند البعض إطلاق اسم " الخرانة " ، رغم أن الجذور اللغوية والتاريخية الأصيلة تثبت صحة اسم " الحرّانة " .

​النشأة والتاريخ

​تؤكد المراجع البحثية والنقوش الكتابية – ولا سيما النقوش الكوفية والحبر الأسود المكتشف فوق باب إحدى الغرف الرئيسية والطابق العلوي – أن القصر شُيد في هيئته الأصلية الأساسية في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عام 92 هجرية الموافق 710 م ( تحديداً 27 محرم 92 هـ ) . وبينما ترجح هذه الأدلة البناء الأموي ، أرجع بعض المؤرخين جذور البناء إلى ما قبل العصر الأموي ، مشيرين إلى تعديلات وإعادة ترميم لاحقة أكسبت القصر أهمية أكبر جعلته يقترن بأحداث تلك المرحلة .

​العمارة والوظيفة : بين رصانة التحصين واللقاء

​ينفرد قصر الحرّانة بين القصور الصحراوية القديمة في الأردن بأخذ نمط أقرب إلى القلعة المربعة المنيعة ، إذ تتساوى أضلاعه لتبلغ 35 متراً ، ويحتوي في كل زاوية على برج مستدير ( أو شبه دائري ) ، فضلاً عن برج بارز نصف مستدير بين كل زاويتين ، ومنافذ مخصصة للضوء والتهوية ورمي السهام .

​وعلى الرغم من هذا المظهر الدفاعي الرصين ، تشير الدراسات الأثرية المعاصرة إلى أن القصر لم يكن حصنًا قتاليًا بحتًا ، بل ربما استُخدم لأغراض إدارية واستراحة مؤقتة واستجمام هادئ عقب المهام أو الاستقبالات الرسمية لرؤساء القبائل والبدو المحليين لتوطيد العلاقات مع الدولة الأموية . وتجلّى ذلك في احتواء قاعته الكبرى على زخارف وأشكال هندسية من الجص ونماذج تشبه " الإفريز " تنتشر في مجموعة من الحجرات ، مما يعكس تمازجاً فريداً بين متانة التشييد وجمال الفن المعماري المتأثر بالأساليب الساسانية والبيزنطية .

​الهيكل الداخلي وحالة الحفظ

​يتكون القصر من 61 غرفة موزعة على طابقين تلتقي عند ساحة مكشوفة ( فناء مركزي ) تضم خزاناً لتجميع مياه الأمطار ، ومرافق استخدمت للحيوانات والخدم ، ونوافذ مُطلّة تستقبل شروق الشمس وتسهم في التهوية . خلت الجدران الخارجية من الزخارف ، بينما حظيت الداخلية منها بعناية زخرفية فائقة .

​واستناداً إلى مقارنات ميدانية ، يحتفظ القصر بكامل هيئته القديمة باستثناء جزء ضمن أطرافه الشمالية تأثر بعوامل التعرية البشرية والطبيعية أدت إلى سقوط جوانب من السقف والقصارة ، مما كشف عن مواد البناء الأساسية المشتملة على حجر رملي طري ، وطين محلي ، وركائز حديدية صلبة ، مع إبقاء أعمال الصيانة الاعتيادية دون تدخل مفرط يحجب طبيعته الأصلية .

​قصر الحرّانة ضمن منظومة " القصور الصحراوية "

​يُعدّ قصر الحرّانة جزءاً أساسياً من شبكة القلاع والحصون الصحراوية التي شُيدت في البادية الأردنية خلال العصر الأموي ( بين القرنين السابع والثامن الميلادي ، وتحديداً بين عامي 660 و 750 م ) . هذه المنشآت شكلت محطات استراتيجية للقوافل ، ومراكز للزراعة والتجارة ، وقواعد إدارية وعسكرية ساهمت في إثراء ملامح العمارة والفنون الإسلامية الأولى التي نشأت في دمشق واعتمدت على الدقة والتفرد .

​من أعلى قصر الحرّانة ( مشهد من الأربعينيات )

​عندما يقف المرء على شرفات قصر الحرّانة ، حيث كانت البادية الشرقية تمتد أمامه فضاءً مفتوحاً وبكراً ، تتبدّى له هيبة التاريخ وجلال الصمت الصحراوي . يقف هذا الحصن الأموي الشامخ ليعتلي آفاق الصحراء ، ليكتنف المكان بسحر خاص يمزج بين عبق الماضي وعراقة القرون الإسلامية الأولى . من هذه الزاوية العالية ، تبدو حجارة الصوان وتحتضنها جدران القصر المربعة المتينة كأنها حراسة أبدية لحكاية أُموية صامدة ، تروي تفاصيل الإبداع المعماري الإسلامي المبكر في قلب البادية الأردنية الأبية .

​يبقى قصر الحرّانة أكثر من مجرد معلم أثري صامد في وجه الزمن ، فهو صفحة مضيئة من تاريخنا الحضاري الأصيل ورمز لعظمة الإبداع الأموي الذي ترسخ في ربوع الأردن . وإذ تتناغم حجارته الصوانية مع سكون الصحراء لتشهد على عراقة الماضي ، فإنه يظل واحة للأجيال الناشئة تستلهم منه قيم الصمود والاعتزاز بالتراث الإنساني الخالد ، داعياً كل شغوف بالتاريخ لزيارة هذا الإرث العظيم وصونه في الوجدان والذاكرة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. ​قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) دائرة الآثار العامة ، المملكة الأردنية الهاشمية : الدراسات الأثرية حول القصور الصحراوية .
  3. 2 ) هيئة تنشيط السياحة الأردنية : الدليل السياحي الرسمي لمعالم الأردن التاريخية .
  4. 3 ) المركز الأمريكي للأبحاث ( ACOR ) - أرشيف رامي خوري : السجلات التوثيقية والصور الأثرية لقصر الخرانة .
  5. 4 ) موقع " اكتشف الفن الإسلامي " ( MWNF ) : قاعدة البيانات التوثيقية للمعالم الإسلامية ( بحث الدكتور محمد النجار وتنقيح الدكتور غازي بيشة ) .
  6. 5 ) صحيفة الدستور الأردنية : الأرشيف التاريخي والثقافي ، مقال " قصر الحرّانة.. أمجاد الأمويين على أرض الأردن " ، أكتوبر 2016 م .
  7. 6 ) صحيفة الخليج : الأرشيف الصحفي والتاريخي حول المعالم الأثرية ، مقال توثيقي عن قصر الحرانة .
  8. 7 ) مركز التراث العالمي ( UNESCO ) : التقارير الفنية حول المواقع التاريخية في الأردن .
  9. 8 ) المراجع الأكاديمية :
  10. ​Creswell , K . A . C . & Allan , J . W . , A Short Account of Early Muslim Architecture . ​Khouri , R . G . , The Desert Castles . ​Urice , S . K . , Qasr Kharana in the Transjordan .