يسلط المقال الضوء على ثروة بلاد الشام من الحيوانات والطيور عبر العصور ، وجهود علماء التراث الإسلامي في تصنيفها ، مع بيان أحكام الشريعة في رعايتها والتشريعات الحامية لها .

غنى الطبيعة المشرقية : حيوانات وطيور بلاد الشام في التراث والمصادر الإسلامية

​بقلم : قيصر صالح الغرايبه

​الطيور والحيوانات البرية والمستأنسة في التراث الشامي :

​1 ) الأسود والفهود الشامية : أشارت المصادر التاريخية المعتمدة ، مثل ( تاريخ دمشق ) لابن عساكر و ( البداية والنهاية ) لابن كثير ، إلى أن أسود الشام وفهودها كانت منتشرة في أحراج وغابات بانياس ، ونهر العاصي ، وأودية الأردن ، وكانت تُذكر في سياق شجاعة الفرسان أو في الحلبات الملكية والمواكب الرسمية للخلفاء .

2 ) النعام السوري ( العربي ) : عُرف بـ ( النعام الشامي ) ، وتحدثت كتب الرحلات عن وجوده بكثرة في بادية الشام بمناطق مثل التنف ، حمص ، والبلقاء ، حيث كان بيضه وريشه يُهديان للخلفاء .

3 ) الحمام الشامي ( الستيتيّات ) : امتدت سلالة حمام الجامع الأموي في دمشق لمئات السنين ، وعاشت في تجاويف جدرانه وصحنه بحب ومراعاة من أهل الشام والمصلين حتى بلغ عددها آلاف الطيور التي تأنس للبشر ، بينما اشتهرت حلب بحمامة ( الستيتيّة ) التي غدت جزءاً من وجدان الناس وحكاياتهم التراثية .

4 ) المهاة العربية واليحمور ( هكذا كتبت في المصادر التاريخية العربية الاولية ) : وُصفت في كتب الأدب والتراث بأنها ( جآذر الشام ) ، حيث تغنى الشعراء بجمال عيونها ، وذكر الرحالة مصايدها في البادية الأردنية والسورية .

5 ) الطيور الجارحة ( الصقور والبزاة ) : نظراً لأن سماء بلاد الشام تمثل ممرّاً رئيسياً لهجرة الجوارح ، فقد اعتنى بها علماء الشام في كتب ( البيزرة ) ، ووصفوا خصائص ( الصقر الحر الشامي ) وشاهين جبال لبنان ، مستخدمين إياها في رياضة الصيد التقليدية .

6 ) السباع والضواري والوعول والدببة : أشارت المصادر إلى وجود أعداد كبيرة من الذئب العربي والضباع المخططة والوعول الجبلية في جبال الشام ، إلى جانب توثيق وجود الدب البني السوري في غابات لبنان والمرتفعات الجبلية الكثيفة ، حيث اتخذت الدببة من الكهوف والمغارات موطناً لها .

7 ) الحيوانات المستأنسة والاقتصاد الشامي : لعبت الإبل دوراً محورياً في ربط حواضر الشام وباديتها وقوافل الحج ، بينما حظيت الخيل العربية الأصيلة بمكانة رفيعة لدى القادة العسكريين ، وشكلت الأغنام والماعز عماد الثروة الغذائية ومنتجات الألبان .

​الغزلان والحيوانات الجبلية والبرية في البيئة الشامية والأردنية :

​احتلت الغزلان والكائنات البرية المرتبطة بها مكانة بارزة في الحياة البرية والوجدان الأدبي والتراثي لبلاد الشام وعموم البيئة الأردنية عبر العصور ، مستفيدة من التنوع الجغرافي الفريد الذي يجمع بين السهول الفسيحة ، والبوادي الممتدة ، والمرتفعات الجبلية الوعرة :

​1 ) التوزيع الجغرافي والبيئي للغزلان : انتشرت أسراب الغزلان بكثافة في بادية الشام ، والسهول الشرقية ، ومناطق الأردن المفتوحة ( مثل حوض الرمثا وبادية الشام وأطراف الجولان ) ، حيث وجدت في الشجيرات البرية والأعشاب الصحراوية مرعى خصباً وملاذاً آمناً .

2 ) حيوان البدن والظباء الجبلية : تتواجد بوضوح في البيئة الأردنية والشامية أنواع فريدة من الظباء والحيوانات الجبلية مثل " البدن " ( الماعز الجبلي النبيل ) والوعول التي اتخذت من المنحدرات الصخرية الشاهقة والتضاريس الوعرة موطناً لها ، وتحديداً في محميات ومناطق طبيعية ساحرة مثل وادي رم ، و وادي الموجب ، والبادية الأردنية .

3 ) الغزلان في الشعر والأدب الشامي : غدت " الجآذر " و " الظباء " رمزاً للجمال والنقاء في التراث العربي والإسلامي ، وتغنّى شعراء الشام بوصف عيونها وحركاتها الرشيقة في قصائدهم ، حتى صار وصف الغزلان مدخلاً ثابتاً في النسيب والغزل العذري الذي ارتبط ببيئة البادية والحاضرة الشامية .

4 ) مصايد الخلفاء والأمراء : مثلت صيد الغزلان هواية ملكية ورياضة فروسية رفيعة لدى الأمراء والخلفاء في العصرين الأموي والعباسي ، واعتمدت الرحلات الملكية نحو البادية الشامية على استخدام الصقور والكلاب السلوقية الماهرة لاقتناصها ، وهو ما وثقته جداريات القصور الصحراوية الأموية ( مثل قصر الحير الشرقي والغربي وقصر عمّرة ) .

5 ) الاستخدامات الاقتصادية والمعيشية : انتفع أهل البادية والريف الشامي بلحوم الغزلان والحيوانات البرية المباحة شرعاً ، فضلاً عن جلودها الرقيقة التي طالما استُخدمت في صناعات جلدية دقيقة ، قبل أن تتراجع أعدادها بشكل ملحوظ في العصر الحديث بسبب الصيد المكثف والتوسع العمراني ، مما استدعى إطلاق محميات طبيعية لحمايتها وإكثارها .

​الطيور والحيوانات المهاجرة عبر الفصول الأربعة في البيئة الشامية :

​مثلت سماء وأرض بلاد الشام جسراً طبيعياً ملتقى للقارات الثلاث ، مما جعلها ممرّاً استثنائياً لهجرة الكائنات الحية عبر فصول السنة :

​1 ) هجرة الربيع ( موسم العبور والتكاثر ) : تشهد سماء الشام في فصل الربيع تدفقاً هائلاً للطيور المهاجرة القادمة من أفريقيا باتجاه أوروبا وأسيا ، مثل اللقالق ، والسنونو ، والزرازير ، وأنواع مختلفة من الجوارح والطيور المائية التي تتخذ من الأهوار والبحيرات الشامية محطات استراحة مؤقتة .

2 ) هجرة الصيف ( الاستقرار والتفقيس ) : تستقر بعض الطيور والحيوانات في المرتفعات الباردة وغابات الشام الشمالية والجبلية طوال فصل الصيف للتكاثر وتربية صغارها مستفيدة من الاعتدال المناخي وتوفر الغطاء النباتي والمياه .

3 ) هجرة الخريف ( العودة نحو الدفء ) : تكرر مئات الأنواع من الطيور رحلتها عكسياً مع إطلالة فصل الخريف عابرة أجواء الشام جنوباً نحو أفريقيا ، وهي ظاهرة رصدها علماء العرب والرحالة واهتموا بمواقيت أسرابها .

4 ) المستوطنون الشتويون ( شتاء الشام ) : تستقبل البيئة الشامية في فصل الشتاء أعداداً غفيرة من الطيور القادمة من أصقاع أوروبا الباردة والشرقية ، كالأتراغ والبط البري والإيوز والمائية التي تجد في الوديان والمسطحات المائية الشامية ملاذاً آمناً وموارد غذائية وفيرة .

​أبرز العلماء والأدباء الذين برعوا في تأليف وتصنيف علوم الحيوان والطيور في التاريخ الإسلامي :

​توزعت المادة العلمية والتراثية الخاصة بهذه الكائنات عبر تصنيفات واسعة ومؤلفات رائدة وضعها نخبة من أساطير الفكر والأدب والعلم :

​1 ) أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( المتوفى 255 هجريّة ) : رائد هذا الفن بلا منازع وصاحب الموسوعة الأشهر ( كتاب الحيوان ) ؛ حيث اعتمد منهجاً يمزج بين الملاحظة الدقيقة ، والحكايات التجريبية ، والتحليل النفسي والفلسفي لطبائع الكائنات وارتباطها ببيئاتها .

2 ) كمال الدين الدميري ( المتوفى 808 هجريّة ) : صاحب الموسوعة الشهيرة ( حياة الحيوان الكبرى ) ؛ وتميز منهجه بترتيب المواد أبجدياً وربطها بالحديث النبوي والفقه والطب ، مفصلاً في الحكم الشرعي لأكل أو اقتناء كل حيوان أو طير .

3 ) الإمام أبو سعيد عبد الملك الأصمعي ( المتوفى 216 هجريّة ) : شيخ اللغويين الذي اعتمد على الرواية الميدانية المباشرة عن أعراب البادية وثقاتهم ، مصنفاً رسائل دقيقة ونفيسة ( مثل الخيل ، الإبل ، الشاة ، والوحوش ) خالية من الخرافة .

4 ) أبو حاتم السجستاني ( المتوفى 255 هجريّة ) : ركّز في مصنفاته مثل ( الوحوش ) و ( النخل ) على توثيق وتصنيف حيوانات البادية ولفظها اللغوي الدقيق المرتبط ببيئة الصحراء .

5 ) ابن سينا ( المتوفى 428 هجريّة ) : أضفى رؤية علمية تحليلية وتشريحية مقارنة في تفسير الوظائف الحيوية والطبية للحيوانات والعلل المشتركة بينها وبين الإنسان .

6 ) ابن قتيبة الدينوري ( المتوفى 276 هجريّة ) : في كتابه ( عيون الأخبار ) ومصنفاته الأخرى ، أفرد مساحات واسعة لوصف طبائع الحيوانات والأمثال المرتبطة بها في الثقافة العربية .

7 ) المسعودي ( المتوفى 346 هجريّة ) : في موسوعته ( مروج الذهب ومععد الجواهر ) ، استعرض بأسلوب جغرافي تاريخي عجائب الحيوانات والطيور في الأقاليم المختلفة وتأثرها بالبيئة والمناخ .

8 ) القزويني ( المتوفى 682 هجريّة ) : في كتابه ( عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات ) ، جمع ووصف خصائص الكائنات والطيور والأسماك بأسلوب وصفي يدمج بين المعرفة الطبيعية والجمالية .

9 ) علماء البيزرة والبيطرة : الذين أبدعوا في تدوين المنهج العملي الميداني لترويض الصقور والطيور الجارحة ( مثل كتب البيزرة المختلفة ) ومعالجة أمراض الخيول والإبل .

​أسواق الحيوانات وأماكن بيعها في التاريخ الإسلامي وبلاد الشام :

​شهدت المدن والحواضر الإسلامية الكبرى ( مثل دمشق ، وحلب ، وبغداد ، والقدس ) تنظيمات دقيقة للأسواق ، حيث لم تكن أسواق الحيوانات عشوائية ، بل خضعت لتخطيط إداري واقتصادي صارم يشرف عليه " المحتسب " لضمان صحة الحيوانات وعدم الغش في بيعها وترويجها :

​1 ) المسميات التاريخية لسوق الحيوانات :

​سوق الدواب ( أو سوق البهائم ) : وهو الاسم الأشهر والأكثر شيوعاً في المصادر التاريخية والتراثية للإشارة إلى السوق العام التي تُعرض فيه الخيل ، والبغال ، والحمير ، والإبل .

​سوق الغنم ( أو المراح / المَسْلخ ) : المخصص لبيع الأغنام والماعز ، وغالباً ما كان يرتبط بأسواق اللحامين .

​سوق الطيور ( أو سوق العصافير والدواجن ) : وهو السوق المخصص لبيع طيور الزينة ، والحمام ، والدواجن ، والصقور الجارحة .

​2 ) أماكن إقامة أسواق الحيوانات :

​خارج الأسوار وفي أطراف المدن : نظراً لطبيعة الحيوانات وما تخلّفه من روائح وأصوات وحركة كثيفة للأعلاف ، كانت الأسواق الكبرى للدواب والإبل والأغنام تقام غالباً في الضواحي الخارجية للمدن ، أو قرب الأبواب الرئيسية ( البوابات ) لتسهيل دخول القوافل القادمة من البادية والريف دون إزعاج أهالي الحاضرة داخل الأسوار ( مثل أسواق خارج باب الجابية أو باب توما في دمشق ، وباب قنسرين في حلب ) .

​الساحات الفسيحة ( الرحاب والميادين ) : كانت تُقام أسواق موسمية أو أسبوعية للحيوانات الفاخرة ( كالخيل العربية الأصيلة والإبل الجيدة ) في الميادين الكبرى أو الساحات العامة المجاورة للمساجد الجامعة أو دور الإمارة خلال مواسم التجارة الكبرى أو مواسم الحج والعيدين .

​الأسواق الداخلية المتخصصة ( الحوانيت والقيصريات ) : اقتصرت الأسواق الداخلية للمدن على بيع الطيور الصغيرة ، وطيور الزينة ( كالحسون والكناري ) ، والقطط ، والكلاب السلوقية المخصصة للصيد ، حيث كانت تتركز في دكاكين وحوانيت مسقوفة ضمن الأسواق التجارية المركزية أو قرب البيمارستانات والمكتبات الكبرى .

​3 ) دور المحتسب في تنظيم أسواق الحيوانات :

لعب جهاز " الحسبة " دوراً محورياً في مراقبة أسواق الحيوانات في بلاد الشام ؛ فكان المحتسب يجوب سوق الدواب والبهائم لمنع الغش ( كعيوب الحيوان المخفية ، أو نفخ ضروع الأغنام ليبدو لبنها كثيراً ) ، والتأكد من عدم تحميل الدواب فوق طاقتها أثناء عرضها للبيع ، ومنع بيع الحيوانات المريضة أو الهزيلة حفاظاً على الصحة العامة وسلامة المستهلكين .

​خبراء الحياة البرية والمعرفة بأحوال الحيوانات في التراث :

​عرف التراث العربي والإسلامي أفراداً تخصصوا في دراسة طبائع الحيوانات وموسوعية معرفتها ، والذين عُرفوا تاريخياً بأسماء وألقاب تعكس إحاطتهم العميقة بسلوكيات الكائنات :

​1 ) العالم بأحوال الحيوان وطبائعه : وهو الشخص الذي يمتلك فراسة ودراية دقيقة بسلوك الكائنات البرية ، وأماكن عيشها ، ومواسم تكاثرها وهجرتها ، وخصائصها الجسمية والنفسية .

2 ) الخبراء بالصيد والبيزرة ( الصيّاد والبيّاز ) : وهم العارفون بطرق اقتناص الطيور الجارحة والضواري ، وتدريبها ، ومعرفة دروبها ومواسم عبورها في البادية والجبال الشامية .

3 ) المربون وأصحاب الرعاية ( البيطار والراعي الخبير ) : الذين أتقنوا أسرار تربية الحيوانات المستأنسة ، ومعرفة أمراضها ، وطرق رعايتها وغذائها ، وتناقلوا هذه الخبرات عبر الأجيال كجزء أصيل من التراث المادي والمهني في بلاد الشام .

​حرفة البيطرة وعلم الطب البيطري في بلاد الشام :

​استوجبت تربية الحيوانات والطيور ظهور وتطور مهنة متخصصة عُرفت بـ ( البيطرة ) وأهلها بـ ( البيطار ) ، والتي حظيت بمكانة رفيعة لارتباطها بالقوة العسكرية الاقتصاد والتجارة :

​1 ) جذور المهنة ومصنفاتها : ارتبطت بعلوم الفرسان والبيزرة ، حيث وضع العلماء أسساً علمية وميدانية لفحص الحيوان ومعرفة أمراضه الباطنة والظاهرة وعلاجها بالأعشاب والعقاقير .

2 ) دور البيطار في المجتمع والحياة العسكرية : أُسندت إليه مهمة فحص حوافر الخيول ( الحدادة وتدقيق النعل ) ، ومعالجة الجروح الناتجة عن المعارك أو السفر الطويل ، ورعاية دواب القوافل والبريد .

3 ) التشخيص الطبي البيطري الدقيق : برع الأطباء البيطريون في رصد علامات الاعتلال وسلوك الحيوانات والطيور ، فوصفوا أمراض الطيور بدقة ( مثل تشخيص الديدان المعوية عبر ملاحظة تورم ما فوق الكتفين أو انتفاص ريش المرافق ) ، فضلاً عن تشخيص أمراض الخيول والإبل بدقة متناهية .

​هواية اقتناء وتربية طيور الزينة والحيوانات في البيوت :

​عاش أهل الشام شغفين بتربية الطيور المغردة والملونة والناطقة ، وتنافس الخلفاء والأمراء في إقامة بساتين الطيور وارفة الظلال ، مثل بستان الخليفة الفاطمي ( العاضد لدين الله ) في القاهرة الذي حفلت جنباته بأنواع نادرة من الطيور كالطاووس الملون وأبو براقش والدراج والحسون والعنادل . وفي المنازل الحلبية والدمشقية ، برزت تربية الطيور كعنصر بهجة وسكون :

​1 ) طائر الحسون : عصفور غريد معروف يتواجد بكثرة في الطبيعة ( النهري والجردي ) ، يتميز بألوانه الجميلة وحنجرته الذهبية التي تطلق نغمات عذبة ، ويتغذى على بذور النباتات وبذور القنبز ، ويهواه الكثيرون لجمال تغريده وذكائه في التقاط الألحان .

2 ) طيور الكناري : غدت من المقتنيات المحببة في البيوت الحلبية منذ قرون لجمال أصواتها وأشكالها ، وتتعدد سلالاتها بين المغردة ( كالرولر الألماني والأمريكي ) وذات النوع واللون ، وتتطلب تربيتها صبراً وطول أناة وخبرة واسعة .

3 ) علاقة أهل الشام بالطيور والرفق بها : كان من أعمال البر إطلاق سراح الطيور الأسيرة في الأسواق ، وتخصيص أوعية الماء والأعشاش على شواهد المقابر والمنازل والسبل . كما تناقل العلماء والناس روائع عديدة عن أذكار الطيور وأصواتها ، وتغنى الشعراء بالعندليب والبلبل والشحرور والقُبرة .

​أنماط تربية الحيوانات والطيور وأهدافها الاقتصادية والوظيفية :

​تعددت دوافع أهل الشام وأغراضهم في تربية الحيوانات المستأنسة والطيور الداجنة بين الاحتياجات المعيشية والإنتاجية والأمنية والرياضية :

​1 ) الإبل ( الجمال ) : عُرفت بسفن الصحراء ، واستُخدمت لنقل الأمتعة ، والبضائع ، وقوافل الحج والتجارة عبر البادية والحواضر الشامية ، فضلاً عن الانتفاع بلحومها وأوبارها وألبانها .

2 ) الخيل العربية الأصيلة : رُربت لغايات الجهاد والفروسية والتجارة ، وكانت عنواناً للمجد والقوة لدى قادة الجيوش والأمراء .

3 ) البغال والحمير : مثلت عماد النقل الجبلي والريفي حمل الثقائل في الطرق الوعرة التي تعجز عنها الإبل والخيل ، إضافة إلى حرث الأراضي الزراعية .

4 ) الأغنام والماعز : شكلت الركيزة الأساسية للأمن الغذائي ، للاستفادة من لحومها ، وألبانها ، ومشتقاتها ( الجبن والسمن ) ، وأصوافها وأوبارها لصناعة بيوت الشعر والنسيج التقليدي .

5 ) الدجاج ، البط ، والوز ( الدواجن ) : رُربت في القرى والمنازل لإنتاج اللحوم والبيض الطازج وتأمين الاكتفاء الذاتي للعائلات الريفية .

6 ) الحمام : تنوعت أهدافه بين الحمام الزاجل ( لرسائل البريد والاتصال بين الحواضر ) ، والحمام الداجن المنتج للحوم ، والحمام المزين لاقتناء الجمال والبهجة .

7 ) الكلاب : تنوعت أغراض تربيتها بين حراسة الماشية والمنازل والمزارع ، واستخدامها المساند في رحلات الصيد البري .

8 ) القطط : رُربت في المنازل والأسواق والمكتبات العامة والخاصة لمكافحة القوارض ( الفئران والجرذان ) وحماية المواد الغذائية والمخطوطات الثمينة .

9 ) حيوانات وطيور أخرى ( النحل والكلاب السلوقية ) : رُبي النحل لإنتاج العسل الطبيعي والشمع ، بينما خُصصت الكلاب السلوقية والخيول السريعة لسباقات الصيد والفروسية الرياضية التقليدية .

​الأدلة التاريخية والأثرية على الكائنات المنقرضة والباقية :

​شهدت الحياة البرية في الشام عبر العصور تحولات كبرى ، وتؤكد المصادر وجود الكائنات المنقرضة عبر أدلة قطعية :

​1 ) الأدلة الفنية والرسومات الجدارية : تُعد القصور الصحراوية الأموية ( مثل قصر عمّرة ) وثيقة بصرية مذهلة تزخر برسومات دقيقة للنمور والأسود والوعول والغزلان .

2 ) الأدلة النصية والميدانية : وثّق الرحالة انقراض الحمار البري السوري ( الأخدر ) والأسد السوري تدريجياً في أوائل القرن العشرين نتيجة الصيد الجائر وتناقص الغابات ، بينما بقيت أنواع أخرى بأعداد محدودة كالذئب الرمادي ، والضبع المخطط ، والغزلان ، والطيور المهاجرة .

3 ) الأدلة الأثرية والحفريات : كشفت التنقيبات في كهوف ومواقع بلاد الشام عن بقايا عظام وأسنان تعود للحيوانات المنقرضة ، متطابقة مع ما دونه المؤرخون .

​موقف الشريعة الإسلامية من الحيوانات : الرعاية ، الرفق ، والمعاملة الحسنة :

​أولى التشريع الإسلامي عناية فائقة وفلسفة أخلاقية متكاملة تجاه الحيوانات والطيور ، جعلت من حسن معاملتها ميزان إيمان وتقوى :

​1 ) جواز اقتناء الحيوانات وتربيتها : أباح الشرع الإسلامي تربية الحيوانات النافعة والمستأنسة للاستفادة من لحومها وأصوافها وركوبها وتجارتها ، وعدّها نعمة من نعم الله الكبرى على البشر ، شريطة توفير الرعاية التامة لها من طعام وشراب ومسكن ملائم .

2 ) الرفق والرحمة بالحيوان : جعل الإسلام الرفق بالحيوان باباً عظيماً من أبواب الثواب والمغفرة ، ومثال ذلك حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي سقى الكلب فغفر الله له ، وفي المقابل حذر أشد التحذير من تعذيبها أو حبسها دون طعام أو شراب ، كما ورد في قصة المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها .

3 ) آداب المعاملة والحظر على إيذائها : نهى الشرع عن تحميل الحيوانات ما لا تطيق من الأثقال والأحمال ، أو إرهاقها بالعمل الشاق المفرط ، أو وسمها في وجوهها ، وحرم اتخاذها غرضاً للتصويب أو اللعب بها في الرمي والسباق المؤذي ، فضلاً عن النهي عن تفريق الأم عن صغارها .

4 ) التذكية الشرعية ( الذبح الحلال ) : في إطار تنظيم الانتفاع بالحيوان للأكل ، وضع الإسلام أحكاماً دقيقة للذبح تضمن أقل قدر ممكن من الألم والإزعاج للذبيحة ؛ فأمر بالإحسان في الذبح ، وحد الشفرة ( السكين ) لراحة الحيوان ، وإراحة الذبيحة قبل ذبحها ، وعدم ذبح حيوان أمام آخر ، وسرعة قطع الأوداج لضمان خروج الدم بسرعة وتخفيف المعاناة العصبية والجسدية .

​الأبعاد الثقافية والفقهية في التراث الشامي :

​عكس التراث الإسلامي في الشام منظومة أخلاقية وبيئية متكاملة تجاه الحيوان :

​1 ) الأبعاد الدينية والثقافية : ارتباط حيوانات الشام وطيورها بكونها أرض الأنبياء والمحشر والمنشر ، وما رافق ذلك من معتقدات شعبية جميلة تفيض بالرحمة والرفق ( كاعتقادات أهل حلب ودمشق بحمامات المساجد ) .

2 ) الرفق بالحيوان : توثيق إقامة أوقاف خيرية لتطبيب الحيوانات المريضة ، وإطعام الطيور الضالة والمهاجرة على المآذن .

3 ) الصيد الفقهي : تركيز كتب الفقه المعتمدة على تفصيل أحكام الصيد في بادية الشام وغاباتها ، والتفريق بين الحيوانات المباحة للأكل وتلك المحظورة على المحرم .

​التشريعات والأنظمة ( التاريخية والمعاصرة ) لتنظيم الصيد وحماية الحياة البرية :

​لم تكن حماية البيئة وتنظيم الصيد وليدة العصر الحديث ، بل ضربت بجذورها في أعماق التنظيم الإسلامي والإداري وتطورت في القوانين المعاصرة :

​1 ) في التاريخ الإسلامي ( نظام الحمى ومواسم الرعاية ) :

​نظام " الحمى " : وهو تخصيص مساحات من الأراضي بقرار من ولي الأمر يُمنع فيها الرعي أو الصيد كلياً أو جزئياً لتمكين النباتات والكائنات البرية من التكاثر ( مثل حمى الروذة في صدر الإسلام ) .

​حرمة الصيد في الإحرام والحرم : حرمت الشريعة صيد البر على المحرم بالحج أو العمرة ، وحظرت الصيد كلياً داخل حدود الحرمين الشريفين لحماية استقرار الحياة الفطرية .

​مراعاة فترات التكاثر والنشء : منع الفقهاء أخذ صغار الطيور من أعشاشها أو إيذاء الأمهات في مواسم الولادة والتفريخ لضمان عدم إبادة النسل .

​2 ) في القوانين والأنظمة المعاصرة ( الأردن وبلاد الشام ) :

​مواسم الصيد والحظر ( Open & Closed Seasons ) : تصدر الجهات الرسمية والبيئية ( كوزارة البيئة والجمعية الملكية لحماية الطبيعة في الأردن ) تعليمات صارمة تحدد مواسم مسموحة للصيد بضوابط دقيقة ، ومواسم حظر تام تتطابق غالباً مع فترات التكاثر والتفقيس والولادة في الربيع .

​المحميات الطبيعية : أُنشئت محميات عالمية ووطنية يحظر فيها الصيد نهائياً وتُفرض عليها رقابة صارمة ، مثل محمية ضانا ، ومحمية الموجب ، ومحمية الأزرق ، ووادي رم ، والتي تشكل ملاذاً آمناً لإعادة إحياء وتوطين الغزلان ، والوعول ، وحيوان البدن ، والطيور المهاجرة .

​حماية الأنواع المهددة بالانقراض : أدرجت القوانين الوطنية واتفاقيات حماية الطبيعة الدولية أنواعاً عديدة من الحيوانات البرية ضمن قائمة المحميات كلياً ومنع صيدها أو الاتجار بها تحت طائلة عقوبات رادعة تشمل الغرامات المالية الكبيرة والمصادرة والسجن للمخالفين .

قائمة المصادر والمراجع

  1. ​قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) القرآن الكريم .
  3. 2 ) أبو عثمان الجاحظ ، ( الحيوان ) .
  4. 3 ) كمال الدين الدميري ، ( حياة الحيوان الكبرى ) .
  5. 4 ) ابن عساكر ، ( تاريخ دمشق ) .
  6. 5 ) ابن كثير ، ( البداية والنهاية ) .
  7. 6 ) شمس الدين المقدسي ، ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) .
  8. 7 ) ياقوت الحموي ، ( معجم البلدان ) .
  9. 8 ) ابن الأحنف ، ( الكامل في البيطرة ) .
  10. 9 ) أبو سعيد الأصمعي ، ( الوحوش ) و ( الخيل ) .
  11. 10 ) أبو حاتم السجستاني ، ( الوحوش ) .
  12. 11 ) ابن قتيبة الدينوري ، ( عيون الأخبار ) .
  13. 12 ) المسعودي ، ( مروج الذهب ومعادن الجواهر ) .
  14. 13 ) زكريا القزويني ، ( عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات ) .