يُعد العالم العربي فضاءً متنوعاً يضم عدداً من القوميات والجماعات غير العربية التي تمازجت مع نسيجه الثقافي والتاريخي عبر قرون طويلة ، لتشكل معاً لوحة حضارية غنية بالتعايش والانتماء المشترك ، وذلك دون إغفال التباين والإثراء الذي أضافته هذه المكونات إلى الهوية الكبرى للمنطقة .

القوميات غير العربية في العالم العربي

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُعد العالم العربي فضاءً ثقافياً وتاريخياً غنياً ومتنوعاً ، فهو لا يقتصر على المكون العربي فحسب ، بل يضم عدداً كبيراً من الجماعات والقوميات غير العربية التي تعيش في المنطقة منذ قرون طويلة وتمازجت مع نسيجها الثقافي والاجتماعي ، لتسهم في صياغة لوحة حضارية إنسانية فريدة تتشابك فيها جذور الانتماء وتتفاعل عبر التاريخ المشترك .

​تتوزع هذه المكونات في ربوع الوطن العربي ضمن مجموعات رئيسية متعددة ، تبدأ من القوميات الكبرى والأصلية مثل :

​1 ) الأكراد ( الكرد ) وهم من أكبر القوميات غير العربية في المنطقة ، يتحدثون الكردية ، ويتواجدون بكثافة في إقليم كردستان والمناطق المجاورة في العراق وسوريا وتركيا وإيران .

​2 ) الأمازيغ ( البربر ) الذين يُعدون السكان الأصليون لشمال إفريقيا ، يتحدثون الأمازيغية ، ولهم مثل الطوارق ( بدّو الصحراء ) الذين ينتشرون في الصحراء الكبرى ودول مثل مالي والنيجر والجزائر وليبيا وبوركينا فاسو .

​3 ) الأتراك كمجموعات من أصل تركي عاشت في مناطق الحكم العثماني التاريخية ، بالإضافة إلى التركمان ( العراقيون والسوريون ) كأقلية ذات أصل تركي تتواجد بشكل رئيسي في شمال العراق وسوريا .

​4 ) الفرس ( الإيرانيون ) كقومية فارسية موطنها الأصلي إيران وتتواجد كأقلية تاريخية واجتماعية في بعض دول الخليج العربي والعراق .

​وعلى صعيد متصل بالنسيج الروحي والتاريخي للمنطقة ، تبرز الجماعات المسيحية المشرقية العريقة وتضم :

​5 ) الأقباط كمسيحيين أصليين في مصر ويُعدّون أكبر أقلية مسيحية في الشرق الأوسط ولهم تاريخ طويل متجذر في عمق الهوية المصرية .

​6 ) الآشوريون / السريان / الكلدان أحفاد حضارات بلاد ما بين النهرين العريقة والذين يتحدثون لهجات آرامية حديثة ويتواجدون بشكل رئيسي في العراق وسوريا .

​7 ) الموارنة كجماعة مسيحية سريانية عريقة تشكل أحد الأعمدة الأساسية والتاريخية في التكوين اللبناني .

​8 ) الأرمن من أقدم الشعوب التي اعتنقت المسيحية حيث تتواجد أقليات كبيرة ونشطة منهم في بلاد الشام وتحديداً في سوريا ولبنان .

​وتمتد خريطة التنوع لتشمل طيفاً واسعاً من القوميات الإفريقية والعابرة للحدود التي تتقاطع أبعادها مع الفضاء العربي ، وتضم :

​9 ) الصومال وهي قومية كوشية كبرى في القرن الإفريقي لغتهم الرسمية هي الصومالية وتُعد بلادهم جزءاً من منظومة العالم العربي .

​10 ) القمريون وهم يمثلون خليطاً عرقياً وثقافياً فريداً يجمع بين العناصر الأفريقية والعربية والإسلامية في جزر القمر بالمحيط الهندي .

​11 ) الحراطين وهي جماعة من أصول إفريقية تعيش في دول المغرب العربي ( موريتانيا ، المغرب ، والجزائر ) ولها اندماج تاريخي عميق في مجتمعاتها .

​12 ) التبو وهي مجموعة تسكن مناطق واسعة من الصحراء الكبرى متوزعة بين جنوب ليبيا وتشادي والنيجر .

​13 ) البلوش وهي قومية بلوشية تنحدر من إقليم بلوشستان وتتواجد أعداد منها تاريخياً في سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة .

​14 ) الأديغة ( الشركس ) كقومية هاجرت من شمال القوقاز واستقرت في مناطق بلاد الشام ( الأردن وفلسطين وسوريا ) ومصر إبان العهد العثماني .

​15 ) الشيشان وهم قومية قوقازية عريقة هاجرت أعداد كبيرة منها من شمال القوقاز واستقرت في بلاد الشام ( وخصوصاً الأردن ) إبان أواخر القرن التاسع عشر م ، حيث انخرطت بفاعلية في نسيج المجتمع المحلي وأسهمت في مسيرة البناء والتحديث مع الاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية والتاريخية .

​16 ) الألبان وهي قومية أوروبية من منطقة البلقان تواجدت أعداد منها في المنطقة نتيجة الروابط التاريخية مع الدولة العثمانية .

​وفي ختام هذا الطيف الواسع من المكونات وفيما يتعلق بالأقليات والمكونات الأخرى ، نجد :

​17 ) اليهود العرب وهم جماعات عريقة امتد وجودها التاريخي لقرون طويلة في مختلف الدول العربية كأجزاء أصيلة من نسيج مجتمعاتها المحلية ( مثل يهود العراق ، ومصر ، والمغرب ، وتونس ، واليمن ، وسوريا ، وغيرها ) ، حيث شاركوا في الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية قبل أن تشهد المنطقة هجرات واسعة لأغلبهم نحو فلسطين المحتلة وخارجها إبان منتصف القرن العشرين م . ويجدر التنويه هنا إلى أن هناك فرقاً جوهرياً تاريخياً وفكرياً بين الديانة اليهودية ( كمكون ديني وثقافي عاش أبناؤه متخللين في المجتمعات العربية ) وبين الصهيونية ( كحركة سياسية قومية استعمارية نشأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر م واستهدفت تأسيس كيان قومي سياسي ، وهو ما يوضح أن اليهودية ديانة وليست بالضرورة مشروعاً سياسياً عابراً للحدود بالمعنى الصهيوني ) .

​18 ) يهود السامرة ويهودا وهم من الجماعات التاريخية القديمة التي ترتبط بجذور توريثية وجغرافية محددة في فلسطين ، حيث يتميز السامريون بمحافظتهم على تقاليدهم الخاصة وتوارثهم لهويتهم المستقلة في مناطق جبل جرزيم في فلسطين ، بينما ترتبط جماعات يهودا بالموروث التاريخي القديم للمملكة التاريخية في تلك البقاع .

​19 ) العبرانيون وهو مصطلح تاريخي وديني يُستخدم للإشارة إلى الجذور الأولى للديانة والثقافة اليهودية قبل تشكل الهويات القومية الحديثة .

​20 ) الإيزيديون وهي جماعة دينية وعرقية عريقة تتحدث اللغة الكردية وتتمركز بشكل أساسي في شمال العراق وأجزاء من سوريا .

​إن استعراض هذا الغنى المتنوع من القوميات والجماعات غير العربية في العالم العربي يعكس بعمق حقيقة التعددية التاريخية والثقافية التي طالما تميزت بها المنطقة ، مؤكداً أن هذا التباين الإثني والديني لم يكن يوماً سوى رافد أساسي من روافد الهوية الكبرى ، ومصدر قوة وإثراء للنسيج الاجتماعي الذي صاغته قرون طويلة من العيش المشترك والتفاعل الإنساني والحضاري المستمر .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) المراجع التاريخية العامة والخاصة لتاريخ الشرق الأوسط والعالم الإسلامي .
  3. 2 ) الدراسات والأبحاث المتعلقة بالأقليات والقوميات والإثניות في الوطن العربي .
  4. 3 ) الموسوعات والدوريات التاريخية المتخصصة في دراسة الأنساب والجماعات البشرية في بلاد الشام وشمال إفريقيا .
  5. 4 ) الوثائق والأرشيفات التاريخية العثمانية المتعلقة بالهجرات والتركيبة السكانية في المشرق العربي .