يستعرض هذا المقال سيرة البطلة الأردنية علياء الضمور "خنساء الكرك" وموقفها التاريخي الخالد في التضحية والوفاء لصون العهود وحماية الدخيل.
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
1 ) النشأة والبيئة الاجتماعية :
ولدت السيدة الجليلة علياء الضمور في ربوع جنوب الأردن العريق ، وتحديداً في مدينة الكرك التي طالما كانت خزاناً للعروبة والكرامة والنضال التاريخي ،
2 ) ملحمة الوفاء والتضحية ( 1832 م - 1834 م ) :
في تاريخ الأوطان مفاصل كبرى يوضع فيها الشرف والأمومة في كفتي ميزان ، وفي عام 1832 م ، اختارت شيخة الكرك علياء الضمور أن ترجح كفة الكرامة على كل غالي ونفيس ، مقدمةً ولديها قرابين طاهرة على مذبح حماية الدخيل وصون العهود ،
حين اشتدت المحن وضاقت الأرض بالثائر الفلسطيني قاسم الأحمد الجماعيني بعد مطاردة جيوش إبراهيم باشا له ، لم يجد حماً أمنع ولا قلباً أطهر من قلعة الكرك وبيوت زعمائها ، وعلى رأسهم بيت الشيخ إبراهيم الضمور الغساني ، كانت الكرك ولا تزال تؤمن بأن الدخيل عِرضٌ مصون وعهدٌ لا يُخان أبداً ،
حاصر جيش إبراهيم باشا أسوار الكرك المنيعة ، ولجأ القائد العسكري إلى أساليب الخسة والابتزاز بعد أن وقع ولدا الشيخ ( علي وسيد ) في الأسر خارج الأسوار ، فأرسل تهديده الصريح :
" يا إبراهيم ، سلّمنا الكرك والدخيل ، أو نُحرق ولديك حيين ، "
3 ) وقفة العز والشموخ :
حين تقطعت الأسباب ووقف التاريخ متفرداً أمام هذه اللحظة العصيبة ، لم تزلزل هذه التهديدات قلب الأم البطلة علياء الضمور ، استشارها زوجها الشيخ إبراهيم حين سألها باحثاً عن الرأي السديد : " وش الشور يا عليا ؟ " ، فكان ردها الصاعق الذي يهز الجبال بعزة النفس الأردنية الأبيّة :
" النار ولا العار يا إبراهيم ، العيال الله بعوضنا عنهم ، ولا يقولوا إبراهيم سلّم دخيله ، "
ولم يكتفِ البيت الكركي بذلك الرد الشامخ ، بل بعث الشيخ إبراهيم رسالة كبرياء أخرى يحدوهم فيها الشموخ :
" إن لم يكن لديكم حطبٌ نار ، بعثنا لكم ما تشاؤون .. احرقوا واقتلوا فهذا دأبكم ، لكنكم لن تطأوا الكرك ونحن أحياء ، "
وعلى مرأى من الأسوار الصابرة ، أوقد المحتل ناره وشد إليها الشابين البطلين ( علي وسيد ) ، لتصعد أرواحهما الزكية إلى السماء مع دخان الوفاء ، وسط زغاريد أمهما المحتسبة التي رجت جدران قلعة الكرك وهي تودع أبناءها الشهداء الذين يحترقون أمامها ، مفضلة أن تكون أماً للشهيدين على أن ترضى بالعار ونقض العهود ،
4 ) الإرث الوطني والأثر :
لم تكن هذه التضحية العظيمة مجرد واقعة عابرة في الذاكرة ، بل كانت الشرارة الكبرى التي أشعلت جذوة الغضب الأردني ، وتوجت لاحقاً بنضال مرير وملاحم بطولية مشرفة مثل موقعة جلحد التي ثأر فيها الأردنيون لكرامتهم ودماء أبنائهم ،
5 ) الحضور الفني والأدبي :
قصيدة ( خنساء الكرك ) :
( على بحرٍ يحاكي نبض الأرض وصمود الجبال )
عَـلَـيا .. وَمَا بَعدَ العَـلَـياءِ مَقَـامُ ... يَـجـثـو لِـطُـهرِ نِـعـالِـكِ الإعـظَـامُ
يَا حُـرَّةً صَاغَـت مِنَ الصَّـبرِ لَـظَىً ... وَعَـلَى يَـدَيـهَـا تـسـجُـدُ الأيَّـامُ
قَالوا : " البَنُونَ ! " .. فَقَالَت : " العِرضُ أغلى " .. وَالـدَّارُ دُون دَخِـيـلِـهَـا إحـرَامُ
يَا نَـارَ إبـراهِـيمَ بَـرداً فَاصـعَـدِي ... ( عَلِيٌّ ) وَ ( سَيِّدُ ) لِلـعُـهُـودِ ضِخَـامُ
مَا مَاتَ مَن جَعَلَ الوَفَاءَ هَوِيَّةً ... بَل مَاتَ مَن غَدَروا ، وَعَاشَ شَآمُ !
قصيدة " خنساء الكرك " المدرجة في المقال هي من نتاج وقريحة الدكتور محمد المناصير ،
ظلت علياء الضمور طوال حياتها رمزاً خالداً للتضحية والفداء والوفاء المطلق لتراب الوطن الطهور ، إن استذكار سيرتها العطرة يعيد إلى الأجيال سيرة الأجداد الأوائل الذين غرسوا بدمائهم جذور العز الشامخ في تاريخ الأردن الحديث ، فكل عام والمرأة الأردنية مثل علياء الضمور ، قوية بمفهومنا العربي الأردني ،
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) التاريخ الاجتماعي والعشائري لجنوب الأردن ، دراسات موثقة في تراث الكرك ،
2 ) أرشيف الحركات الوطنية الأردنية وأحداث عام 1832 م و 1834 م ، دار البشير للنشر ،
3 ) مقالات وبحوث الأستاذ قيصر صالح الغرايبه في توثيق التراث الوطني والأردني ،
4 ) الروايات الشفوية المتواترة حول معاقل الكرك ومواقيتها التاريخية الخالدة ،
5 ) دراسات موقع " Jordan Heritage " التراثية حول نساء الثورة وشخصيات الأردن التاريخية ،


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) التاريخ الاجتماعي والعشائري لجنوب الأردن ، دراسات موثقة في تراث الكرك ،
- 2 ) أرشيف الحركات الوطنية الأردنية وأحداث عام 1832 م و 1834 م ، دار البشير للنشر ،
- 3 ) مقالات وبحوث الأستاذ قيصر صالح الغرايبه في توثيق التراث الوطني والأردني ،
- 4 ) الروايات الشفوية المتواترة حول معاقل الكرك ومواقيتها التاريخية الخالدة ،
- 5 ) دراسات موقع " Jordan Heritage " التراثية حول نساء الثورة وشخصيات الأردن التاريخية ،

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.