يتناول هذا المقال ، قصة مؤتمر قَمْ ومعركة تل الثعالب عام 1920 م ، مستعرضاً دور العشائر الأردنية والتلاحم التاريخي لنصرة فلسطين ومواجهة الاستعمار .
صقور الشمال وطلائع الفداء قصة مؤتمر قَمْ ومعركة تل الثعالب 1920 م
شكل الأردن المحطة الثانية للثورة العربية الكبرى بعد الحجاز ، فقد سطر أبناؤه أروع المعارك والمواجهات الباسلة ضد العثمانيين ، وشاركت العديد من العشائر الأردنية في حروب الثورة كالحويطات ، والرولة ، وعنزة ، وبني صخر . ومع تقدم جيوش الثورة إلى الشام ، انضم إليها الكثير من أبناء مدن وقرى الأردن من الطفيلة ، ومعان ، ومأدبا ، والسلط ، وعجلون ، وإربد ، والرمثا ، والمفرق ، متصدين لفلول الجيش العثماني بإيمان راسخ بأهداف الثورة وقيام دولة عربية موحدة تحت الراية الهاشمية .
وقد سبق ذلك قيام الزعماء الوطنيين بحركات احتجاج واسعة ضد سياسة التتريك والتعسف التي مارستها جمعية الاتحاد والترقي ، ومن أبرزها حركة العصيان المدني التي دعا إليها الشيخ ناجي باشا العزام رافضاً سياسة " السخرة " ، ومطالباً الأهالي بالامتناع عن دفع الضرائب للحكومة العثمانية وعدم إمدادها بالحبوب والمواشي .
الأسباب والدوافع والشرارة الأولى للمؤتمر
مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الحكومة العربية في دمشق ، تصاعدت المخاوف إثر تواتر الأنباء عن تقسيم سوريا بين بريطانيا وفرنسا . وفي 10 تشرين الثاني 1919 م ، أرسل الشيخ ناجي باشا العزام برقية بتوقيعه وزعماء الأردن إلى الأمير فيصل بن الحسين وإلى الحكومة الفرنسية ، جاء فيها :
" إن تواتر الإشاعات عن تقسيم البلاد قد جعلنا في هياج عظيم ، نحن عشائر قضاء عجلون ومشايخه وجميع أهاليه على اختلاف الملل ، نحن نحتج بكل قوانا على أقل تقسيم يمس البلاد ، نحن مهيأون للدفاع أسوة والأمم الحرة " .
وعقب ذلك ، تزايدت في عام 1920 م حالات بيع الأراضي لليهود وتصاعدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، مما دفع زعامات عجلون للتوجه إلى دمشق في 8 آذار 1920 م لتقديم التهنئة للملك فيصل بمناسبة مبايعته ملكاً على سوريا ، وتنبيهه لخطورة ما يحدث في فلسطين . فقال لهم الملك فيصل آنذاك :
" عجلون وتلك الأماكن كلها أمانة في أعناقكم " .
التحضير وانعقاد مؤتمر قَمْ
عاد الزعماء من دمشق فعقدوا لقاء تحضيرياً في بلدة سما الروسان بمنزل الشيخ سليمان باشا السودي لتدارس الأوضاع الخطيرة ، وأجمعوا على عقد مؤتمر وطني عام برئاسة الشيخ ناجي باشا العزام في قرية قَمْ .
وتقع بلدة قَمْ في المملكة الأردنية الهاشمية ، وتحديداً في محافظة إربد شمال الأردن ، وتتبع إدارياً للواء الوسطية . تبعد البلدة مسافة قصيرة إلى الغرب من مدينة إربد ، وتُعد من القرى التاريخية العريقة التي اشتهرت بدورها الوطني والسياسي البارز في مطلع القرن العشرين ، لاسيما استضافتها لهذا المؤتمر التاريخي في 6 نيسان 1920 م ، ليُصبح بحق أول مؤتمر وطني أردني عام لنصرة فلسطين ومواجهة خطر الهجرة اليهودية وتزايد الاستيطان . واليوم ، يمر على انعقاد هذا الحدث الوطني العظيم أكثر من مئة وخمس سنوات (ما يقارب مئة وست سنوات) من العطاء والفداء واليقظة المبكرة أمام خطر الاستعمار والاستيطان .
افتتح الشيخ ناجي باشا العزام المؤتمر بكلمة قال فيها :
" بسم الله الرحمن الرحيم الواحد الأحد والمنتصر لأمة قاتلت من أجل استقلالها ، فكل التهنئة بإعلان استقلال بلادنا الشامية لصاحب الجلالة الملك فيصل بن الحسين وإلى شعبنا في كل مناطقه السورية . إن الهدف يا مشايخ قضاء عجلون من هذا الاجتماع هو الخروج بقرارات تتضمن الرد السريع على الأعداء . وقد اتفقنا في سما الروسان على أن يكون الرد بمهاجمة المستوطنات اليهودية في سمخ وبيسان وطبريا والهمة في عشائرنا ورجالنا ، والله معنا ، وسيشرح لكم الشيخ كايد المفلح خطة الهجوم التي ستكون في 20 نيسان " .
حضور تاريخي يمثل كافة المناطق
حضر المؤتمر حشد واسع من وجهاء وشيوخ لواء عجلون والنواحي الأردنية ، إلى جانب شخصيات وطنية من فلسطين ، وتمثلت الوفود بالمشاركين الآتي ذكرهم :
نتائج المؤتمر ومعركة تل الثعالب الوصف الجغرافي والمكاني
تمخض عن المؤتمر قرارات حاسمة تمثلت في مناصرة ثورة الشعب الفلسطيني ودعمها بالمال والسلاح ، وإعلان الثورة ضد القوات البريطانية في شرقي الأردن ، وتفويض المجاهد علي خلقي الشرايري لتنسيق العمل المقاوم ، وتشكيل لجان شعبية لجمع الأموال وشراء السلاح لوقف التوسع الصهيوني والهجرة اليهودية . وترجمةً لتلك المقررات ، حشد المجاهدون جموعهم من قرى نواحي الشمال ( الوسطية ، السرو ، الكفارات ، بني عبيد ، والرمثا ) ، فتحركت مجموعة باتجاه سمخ مجتازة نهر الأردن ، ومجموعة أخرى باتجاه بيسان .
الموقع والوصف الجغرافي لمعركة تل الثعالب (سمخ) :
قعت معركة تل الثعالب في المنطقة الواقعة قرب بلدة سمخ التاريخية على الساحل الجنوبي لبحيرة طبريا في فلسطين ، عند التقاء حوض نهر الأردن الشمالي بمنطقة الأغوار السفلية وجنوب بحيرة طبريا . وتتميز جغرافياً بطبيعتها السهلية المنبسطة المتاخمة للتلال المشرفة على بحيرة طبريا ونهر اليرموك ، وهي نقطة استراتيجية وحيوية لتلتقي عندها طرق السطوة العسكرية وخطوط السكك الحديدية (مثل سكة حديد الحجاز وخط حيفا دمشق) .
أدى هذا الهجوم المباغت بقيادة المجاهد الشيخ كايد مفلح عبيدات إلى إثارة الذعر بين المستوطنين وفرارهم ، وانقطاع حركة القطارات بين حيفا ودمشق وتعطل الاتصالات الهاتفية . ورداً على ذلك ، سارعت السلطات البريطانية بإرسال الطائرات لقصف المهاجمين بالقنابل ، مما اضطرهم للتراجع بعد ملحمة بطولية عُرفت بـ ( معركة تل الثعالب أو معركة سمخ ) التي تقارعت فيها قوى المقاومة مع القوات البريطانية بقيادة الجنرال كركرايد والمستوطنين بقيادة يوسف أبو ريشه .
وقد أسفرت هذه المعركة المشرفة عن استشهاد عشرة أبطال رووا بدمائهم ثرى فلسطين الطهور ، وهم :
1 . كايد المفلح عبيدات .
2 . سلطان عبيدات .
3 . قفطان عبيدات .
4 . محمد الحجات .
5 . سعيد القرعان .
6 . زطام العلاونة .
7 . وثلاثة من مجاهدي مدينة درعا الشقيقة .
وتُعد هذه المحطة التاريخية من أوائل أشكال التضامن العسكري والوطني الميداني بين الأردنيين والفلسطينيين ضد المشاريع الاستعمارية والصهيونية ، ورمزاً لرفض الظلم والاستعداد الدائم للتضحية في سبيل الأوطان .
يؤكد هذا التلاحم العروبي الصادق أن سكان الأردن كانوا الامتداد الحي والرافد الأساسي للثورة العربية الكبرى ، ولم تكن الحدود المصطنعة عائقاً أمام إيمانهم المطلق بقضايا أمتهم . وقد كان لهذا الوعي القومي المبكر أكبر الأثر في التفاف الأردنيين لاحقاً حول جلالة الملك المؤسس عبدالله بن الحسين لتأسيس الدولة الأردنية الحديثة ، لتظل دوماً السند الأقوى والملجأ الأبدي لكل الأحرار والثوار العرب من فلسطين وسوريا وسائر بلاد العرب . فما زالت الأرض تروي قصصهم ، وما زالت دماؤهم تسقي جذور العروبة في فلسطين والأردن ، مخلدةً ذكرى أولئك الأبطال الذين حملوا الشعلة وأثبتوا أن الحق لا يضيع ما دام هناك من يؤمن به .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) وثائق وأرشيف الحركة الوطنية الأردنية المبكرة ( 1920 م ) .
- 2 ) كتاب تاريخ الأردن المعاصر : دراسة في التطورات السياسية والاجتماعية .
- 3 ) سجلات العشائر والزعامات الوطنية في شمال الأردن .
- 4 ) الأدبيات التاريخية حول شهداء معركة تل الثعالب وفلسطين .
- 5 ) موقع التاريخ الأردني (History of Jordan) - أرشيف توثيق الأحداث الوطنية التاريخية .
- 6 ) شبكة حشد الأهالي الإخبارية - أرشيف توثيق المؤتمرات الوطنية الأردنية .
- 7 ) وكالة الأنباء الأردنية (بترا / وكالة عمون الإخبارية) - تغطيات وتوثيقات المحطات الوطنية والتاريخية الأردنية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.