يتناول هذا المقال آليات دمج هذه الفئة في مفاصل الدولة الإسلامية ، مستعرضاً نماذج حية تثبت هذه الريادة الحضارية .

التمكين الحضاري لذوي الاحتياجات الخاصة في الإسلام

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​من التهميش إلى السيادة :

​لم تكن نظرة الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة مجرد عاطفة دينية عابرة ، بل مثلت ثورة بنيوية في الفكر الاجتماعي والسياسي . ففي بيئة كانت تقدس القوة البدنية والفروسية ، جاء المنهج الإسلامي ليعيد صياغة مفهوم الأهلية ، جاعلاً من العقل والتقوى والكفاءة المعايير الوحيدة لتبوُّأ الصدارة . يكرم الإسلام ذوي الاحتياجات الخاصة ويساوي بينهم وبين غيرهم في الكرامة الإنسانية ، رافضاً التمييز بسبب الشكل أو الجسد ، ورافضاً أن تكون العاهة الجسدية يوماً عائقاً أمام صناعة التاريخ .

​أولاً : المرجعية التشريعية وهدم التمييز الجسدي :

​تأسست حقوق ذوي الإعاقة في الإسلام على قاعدة الكرامة المتأصلة والتقوى لا السلامة البدنية . وقد رسم الوحي معالم هذا الطريق حين نزلت سورة عبس لتعاتب النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ، مرسخةً أولوية تلبية احتياجات ذوي الإعاقة التعليمية على الانشغال بسادة القوم .

​وجاء القيد القرآني في قوله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج وليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً ) ( سورة النور ، الآيتان 61 - 62 ) ، ليس ليعزلهم عن المجتمع ، بل لرفع الحرج والتيسير عنهم ، وإسقاط التكاليف البدنية الشاقة أو العبادات التي تعجزهم أجسادهم عنها كالتجنيد الإجباري رحمةً بهم ، مع الحفاظ على كامل حقوقهم في المواطنة ، والتعليم ، وتقلد المناصب .

​ثانياً : المبادئ الأساسية في معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية :

​استناداً إلى الهدي النبوي الشريف في التعامل مع أصحاب الأعذار وذوي الاحتياجات الخاصة ، قامت منظومة المعاملة النبوية على أسس راسخة تمثلت في :


​ثالثاً : المنظومة الحقوقية والتشريعية المستقلة في الفكر الإسلامي :

​عزز الفقه الإسلامي والتوجيه النبوي البناء الحقوقي لذوي الاحتياجات الخاصة عبر تأسيس قواعد مستقلة تضمن اندماجهم التام :


​رابعاً : التمكين السياسي والدبلوماسي : نماذج من الرعيل الأول :

​تجاوزت الدولة النبوية مرحلة الرعاية إلى مرحلة التمكين القيادي ، ويمكن رصد ذلك من خلال الأدوار السيادية التالية :


​خامساً : القيادة العسكرية والشورى العليا :

​لم تمنع الإعاقة الحركية الصحابة من التأثير في القرار الحربي والسياسي السيادي للدولة :


​سادساً : السيادة الفكرية والاجتماعية في العصور اللاحقة :

​مع اتساع الدولة الإسلامية ، انتقل ذوو الاحتياجات الخاصة من القيادة السياسية إلى الريادة العلمية التي وجهت بوصلة المجتمع :


​سابعاً : المؤسساتية والرعاية الاجتماعية للدولة الإسلامية :

​بلغت الرعاية ذروتها في العصور الأموية والعباسية من خلال تحويل الرعاية إلى نظام مؤسسي مستدام :


​عبقرية الدمج واستدامه الاثر :

​إن المتأمل في مفاصل التاريخ الإسلامي يدرك يقيناً أن الإعاقة بمفهومها المادي لم تكن يوماً حائلاً دون بلوغ ذرى المجد الإنساني . لقد نجحت الحضارة الإسلامية في اجتراح معجزة اجتماعية عبر تحويل الأزمات الفردية إلى طاقات مؤسسية منتجة ، فصنعت من الكفيف والياً ، ومن الأعرج قائداً ، ومن العليل مرجعاً فقهياً تخضع لعلمه الرقاب .

​إن هذا التمكين لم يكن من قبيل الصدفة ، بل كان نتاج منظومة قيمية متكاملة ، جعلت من بيت المال سنداً اقتصادياً ، ومن الأوقاف حاضنة تعليمية ، ومن المنبر منصةً لترسيخ الكرامة . ومن هنا ، فإن استعادة هذا الإرث الحضاري اليوم ليست مجرد استرجاع لمآثر الماضي ، بل هي ضرورة ملحة لاستلهام نماذج معاصرة في الدمج والتمكين ، تؤمن بأن العقل والروح هما جوهر العطاء الإنساني ، وأن سلامة المجتمع تُقاس بمدى قدرته على استيعاب وتكريم كافة طاقاته البشرية دون استثناء .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع التي تم الاعتماد عليها في إعداد هذا المقال :
  2. ​دراسات ، علوم الشريعة والقانون ، الجامعة الأردنية : التدابير الشرعية في توفير الرعاية لذوي الحاجات الخاصة في الشريعة الإسلامية ، د. سري زيد الكيلاني ( المجلد 32 ، العدد 1 ، 2005 ) . ​مجلة المنال ( مفوضية الشؤون الاجتماعية / دائرة الخدمات الاجتماعية ) : بحث موقف الشريعة الإسلامية من الأشخاص ذوي الإعاقة . ​شبكة إسلام ويب : الموسوعة الفقهية - أولاً : أسس معاملة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية . ​شبكة الألوكة : حقوق أهل الأعذار ( ذوي الاحتياجات الخاصة ) في القرآن الكريم . ​موقع إسلام أون لاين : رعاية الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة . ​منصة كوارا ( Islam and Muslims ) : What does the Quran and the Sunnah say about the disabled people . ​ابن سعد ، محمد ( ت 230 هـ ) ، الطبقات الكبرى ، دار صادر ، بيروت . ​ترجمة عبد الله بن أم مكتوم : ( ج 4 ، ص 205 - 212 ) . ​ترجمة زيد بن ثابت : ( ج 2 ، ص 358 - 360 ) . ​ترجمة معاذ بن جبل : ( ج 3 ، ص 583 - 590 ) . ​الذهبي ، شمس الدين ( ت 748 هـ ) ، سير أعلام النبلاء ، مؤسسة الرسالة ، بيروت . ​ترجمة عمران بن حصين : ( ج 2 ، ص 508 - 512 ) . ​ترجمة الأحنف بن قيس : ( ج 4 ، ص 86 - 97 ) . ​ترجمة أبان بن عثمان بن عفان : ( ج 4 ، ص 351 - 353 ) . ​ترجمة عطاء بن أبي رباح : ( ج 5 ، ص 78 - 88 ) . ​الطبري ، محمد بن جرير ( ت 310 هـ ) ، تاريخ الرسل والملوك ، دار المعارف ، القاهرة . ​أحداث سنة 88 هـ وبناء بيمارستان الوليد : ( ج 6 ، ص 437 ) . ​فتوح الأندلس ودور موسى بن نصير : ( ج 6 ، ص 465 - 470 ) . ​ابن كثير ، عماد الدين ( ت 774 هـ ) ، البداية والنهاية ، دار هجر ، القاهرة . ​وقعة أحد وتضحيات الصحابة : ( ج 4 ، ص 22 - 32 ) . ​ترجمة عبد الله بن عباس ومكانته العلمية : ( ج 8 ، ص 295 - 305 ) .