من منا لا يذكر ” عمي منصور النجار ” ؟ أو تلك الأناشيد التي كانت تصدح بها حناجرنا الصغيرة في طابور الصباح ؟ إنها ذاكرة جيل بأكمله ، ارتبطت بشاعر لم يكن يكتب ليمجده التاريخ فحسب ، بل ليزرع في عقولنا أولى بذور اللغة والانتماء . هو الشاعر العربي الكبير سليمان العيسى ، الذي تجاوزت شهرته حدود الكتب ، حتى خُيل إلينا ونحن أطفال أن اسمه جزء من القصيدة لا ينفك عن قوافيها ، وهو الذي كُرّس ” أميراً لشعراء الأطفال ” ومجمعياً فذاً ترك بصمة لا تُمحى في ديوان العرب وفي ثنايا المناهج المدرسية

سليمان العيسى: أمير شعراء الطفولة ومهندس الكلمات في ذاكرة الأجيال العربية

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

من منا لا يذكر " عمي منصور النجار " ؟ أو تلك الأناشيد التي كانت تصدح بها حناجرنا الصغيرة في طابور الصباح ؟ إنها ذاكرة جيل بأكمله ، ارتبطت بشاعر لم يكن يكتب ليمجده التاريخ فحسب ، بل ليزرع في عقولنا أولى بذور اللغة والانتماء . هو الشاعر العربي الكبير سليمان العيسى ، الذي تجاوزت شهرته حدود الكتب ، حتى خُيل إلينا ونحن أطفال أن اسمه جزء من القصيدة لا ينفك عن قوافيها ، وهو الذي كُرّس " أميراً لشعراء الأطفال " ومجمعياً فذاً ترك بصمة لا تُمحى في ديوان العرب وفي ثنايا المناهج المدرسية .

1 ) مهد النشأة وبدايات التكوين : بين لواء الاسكندرون وعمق الذاكرة :

أ ) الجذور الأولى : ولد هذا الرمز الثقافي في قرية النعيرية التابعة لأنطاكية ( لواء الاسكندرون ) في عام 1921 م ، في بيئة ريفية ألهمته حب الأرض والحرية .

ب ) رحلة العلم : تشكل وعيه الأول على يد والده الشيخ أحمد العيسى في " كُتّاب " القرية ، ثم تابع تحصيله في أنطاكية وحماة ودمشق ، مما صبغ لغته بجمالية رصينة .

ت ) الأفق العربي : غادر إلى بغداد ليتخرج من دار المعلمين العالية عام 1947 م ، حيث امتزجت موهبته بالعمق الأكاديمي والتربوي والقومي .

2 ) سليمان العيسى في المناهج : ركيزة التعليم في الأردن وسوريا :

تُعد قصائد العيسى حجر الزاوية في مناهج اللغة العربية للمراحل الابتدائية في الأردن وسوريا وفلسطين لسنوات طويلة ، ومن أبرز تلك القصائد التي رددتها الأجيال :

أ ) قصيدة " المطر " : ( مطر .. مطر .. مطر .. بالنعمة انهمر ) .

ب ) قصيدة " فلسطين داري " : ( فلسطين داري .. ودرب انتصاري ) .

ت ) قصيدة " الرسام الصغير " : ( أرسم ماما .. أرسم بابا ) .

ث ) قصيدة " حروفنا الجميلة " : ( ألف باء تاء ثاء ) .

3 ) الطابور الصباحي والإذاعة المدرسية :

أ ) هيبة الوقوف : كان الطابور الصباحي يمثل لحظة الانضباط الأولى .

ب ) منبر الإذاعة المدرسية : كانت قصائده المادة الدسمة لفقرات الإذاعة .

ت ) التراث البصري : ارتبطت هذه القصائد برسومات ممتاز البحرة .

4 ) المسيرة المهنية والمجمعية : بين قاعات التدريس والمجمع اللغوي :

أ ) المربي والأديب : استهل مسيرته مدرساً في مدارس حلب ، ثم انتقل لدمشق ليعمل موجهاً أول للغة العربية بوزارة التربية ، مساهماً في بناء المناهج المشتركة .

ب ) مجمع اللغة العربية : انتُخب عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1990 م ، وكان عضواً مؤسساً في اتحاد الكتاب العرب ، ونال وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة .

ت ) سنوات اليمن : قضى الشاعر سنواته الأخيرة في اليمن ( صنعاء ) ، مقيماً ومبدعاً ومكرماً ، قبل أن يرحل عن عالمنا في دمشق عام 2013 م .

5 ) ملامح الفكر الشعري : النضال والأرض والجمال :

أ ) النبض القومي : آمن العيسى بالوحدة العربية إيماناً مطلقاً ، وكتب في الملاحم الوطنية مثل " من ملحمة الجزائر " وقصيدة " دمشق .. حكاية الأزل " .

ب ) فلسفة البساطة : تميزت لغته بالعفوية والصدق ، فكان يكتب للأطفال وكأنه واحد منهم ، وللكبار بروح المناضل المثقف الذي لا تنطفئ جذوته .

ت ) الإرث الباقي : ترك خلفه ديواناً ضخماً شمل شعره السياسي والاجتماعي والتربوي ، ليظل مرجعاً أساسياً في أدب الطفل العربي .

إن استحضار سيرة سليمان العيسى اليوم هو احتفاء بقامة أدبية علمتنا كيف نحب " النجار " و " الفلاح " و " الوطن " ، ليبقى صوته حياً في كل حرف ينطقه طفل عربي من المحيط إلى الخليج .

قائمة المصادر والمراجع :

أ ) الغرايبة ، قيصر صالح . ( مقالات في الذاكرة الثقافية العربية ) .

ب ) مجمع اللغة العربية بدمشق . ( السيرة الذاتية للأستاذ سليمان العيسى ) .

ت ) صحيفة الرأي الأردنية . ( مقال : وغاب سليمان العيسى أمير شعراء الأطفال ) .

ث ) أرشيف وزارة التربية والتعليم . ( المناهج الدراسية السورية والأردنية القديمة ) .

ج ) دار الآداب للنشر والتوزيع . ( مراجعة الأعمال الكاملة لسليمان العيسى ) .

قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.