تُعد بلدة المغير ، أو كما تُعرف محلياً بـ ” المغير راحوب ” ، إحدى أبرز الحواضر الريفية في محافظة إربد شمال المملكة الأردنية الهاشمية . هي حكاية عشق ممتدة بين الإنسان والأرض ، تتربع على تلال خضراء تشرف على وادي الشلالة العظيم ، وتستمد هويتها من عراقة التاريخ وجمال الطبيعة ، لتكون حلقة وصل استراتيجية بين سهل حوران والعمق الأردني ، ومنارة تعكس أصالة الريف الشمالي
المغير راحوب: لؤلؤة الشمال الخضراء وذاكرة الجغرافيا في بلاد الشام
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تُعد بلدة المغير ، أو كما تُعرف محلياً بـ " المغير راحوب " ، إحدى أبرز الحواضر الريفية في محافظة إربد شمال المملكة الأردنية الهاشمية . هي حكاية عشق ممتدة بين الإنسان والأرض ، تتربع على تلال خضراء تشرف على وادي الشلالة العظيم ، وتستمد هويتها من عراقة التاريخ وجمال الطبيعة ، لتكون حلقة وصل استراتيجية بين سهل حوران والعمق الأردني ، ومنارة تعكس أصالة الريف الشمالي .
1 ) الموقع والجغرافيا : " اللؤلؤة الخضراء " :
تمتاز المغير بموقعها الفريد شمال مدينة إربد ، حيث تمتد كبساط أخضر بطول 6 كيلومترات وعرض 3 كيلومترات ، وتحدها جغرافياً معالم بارزة :
أ ) من الشمال : بلدة الشجرة .
ب ) من الجنوب : بلدة سال .
ت ) من الشرق : وادي الشلالة التاريخي ومدينة الرمثا .
ث ) من الغرب : بلدة مرو وعلعال .
يلقبها المحبون بـ " اللؤلؤة الخضراء " بفضل تلالها ووديانها الخصيبة ، وتضم معالم طبيعية وسياحية ساحرة أهمها " عين راحوب " التاريخية ، التي تُعد مقصداً رئيساً للسياحة الطبيعية وقضاء العطلات عند النبع وبجوار " المشتل " . كما تضم المنطقة معالم مائية وتراثية مثل " الحاووز " الذي كان مصدراً لمياه الأمطار قديماً ، ومنطقة " الزاوية " المطلة على وادي الشجرة ، و " عين الجاجة " الواقعة على الطريق المؤدي لبلدة الشجرة بالقرب من " طاحونة وادي المغير راحوب " التي تم إنشاؤها سنة 1945 م .
2 ) التسمية والدلالات : ثلاثية الحضارة والمنعة :
تتعدد الروايات حول تسمية بلدة المغير ، إلا أن الوجدان الشعبي والتاريخي يجمعها في ثلاثة مسارات تعكس طبيعة ودور هذه البلدة عبر العصور :
أ ) مغاير الحضارة : وهي الرواية الأرجح ، حيث اشتق الاسم من كثرة المغاير ( المغر ) والكهوف المنتشرة في تضاريسها ، والتي اتخذها الإنسان القديم مسكناً وملاذاً آمناً .
ب ) محطة الفرسان : وتذهب هذه الرواية إلى أن المغير كانت مركزاً استراتيجياً لـ " تغيير " الخيول المنهكة بقوافل من الخيول الأصيلة القوية لمواصلة المسير في دروب الشمال الوعرة .
ت ) قلعة الإغارة : ويربطها البعض بموقعها الجغرافي الحصين الذي جعل منها نقطة انطلاق لـ " الإغارة " والدفاع ، مما منحها اسماً يعكس القوة والمنعة العسكرية .
3 ) المغير : وحدة الاسم وتعدد الجغرافيا ( الأردن ، فلسطين ، سوريا ، لبنان ) :
يمثل اسم " المغير " ظاهرة جغرافية ممتدة في بلاد الشام ، تعكس وحدة المنشأ اللغوي والحضاري لهذا الإقليم ، ومن أبرز هذه الحواضر :
أ ) أولاً : في الأردن بالإضافة لمغير راحوب نجد :
1 ) مغير السرحان ( المفرق ) : بموقعها البدوي العريق .
2 ) مغير الكرك : بطبيعتها الجبلية الشامخة .
ب ) ثانياً : في فلسطين :
1 ) مغير جنين : ومغاورها التاريخية .
2 ) مغير رام الله : الصامدة بطابعها الزراعي .
3 ) مغير بيسان : المهجرة التي تحمل وجع الذاكرة .
ت ) ثالثاً : في سوريا :
1 ) مغير السويداء : الملقبة بقرية الأطباء .
2 ) مغير حماة : بإطلالتها الساحرة في ريف محردة .
ث ) رابعاً : في لبنان :
1 ) المغيرية ( الشوف ) : بجبل لبنان ، والتي تلتقي مع شقيقاتها في الأصل اللغوي والجمال الطبيعي الأخاذ .
معرض المغير راحوب
4 ) النسيج الاجتماعي والمؤسسي :
يبلغ عدد سكان " المغير راحوب " حوالي 25,000 نسمة ، يمثلون نسيجاً عشائرياً واجتماعياً مترابطاً يتميز بالترحاب والكرم ، حيث تحتضن البلدة ضيوفاً من مختلف الجنسيات العربية ( سوريا ، فلسطين ، السعودية ، مصر ، العراق ) .
وتضم البلدة عائلات وعشائر كريمة ساهمت في بناء مجتمعها المتماسك :
أ ) عشائر البلعمه : والتي تضم ( الغرايبة ، القبلان ، الصياحين ، العودات ، الكنعان ، الرشيدات - تسكن في مدينة اربد - ) .
ب ) العشائر الأصيلة الأخرى : وتتمثل بـ ( القصاص ، الجهماني ، العقول ، الشخاترة ، المومني ، وغيرها ) وغيرها من العشائر والعائلات .
وقد تعززت النهضة العلمية والمجتمعية بوجود مؤسسات وخدمات متكاملة ، منها المركز الصحي الشامل ، والمدارس الحكومية والخاصة ، ومراكز حفظ القرآن الكريم ، والجمعيات الخيرية ، ومكتب البريد ، ونادي المغير الرياضي بملعبه البلدي الكبير ، بالإضافة إلى " فرقة المغير راحوب للتراث الشعبي " التي تحافظ على الهوية الفنية للمكان .
تظل المغير ، سواء كانت في ريف إربد ، أو بادية المفرق ، أو في ربوع فلسطين وسوريا ولبنان ، رمزاً للمنعة والاستقرار والارتباط العميق بالأرض . إنها " المغير راحوب " التي غسل وادي الشلال وجهها ، فصارت منارة للعلم والجمال في شمالنا الغالي .
قائمة المصادر والمراجع :
أ ) الغرايبة ، قيصر صالح . ( دراسات في تاريخ وحضارة شمال الأردن ) .
ب ) الصياحين ، خالد . ( مقال بلدتي المغير راحوب ) ، صحيفة نيسان ، 2021 م .
ت ) الأرشيف الرقمي لبلدية المغير والموسوعة الحرة ( ويكيبيديا ) .
ث ) تقارير " الكورة نيوز " و " نيسان نيوز " حول المعالم الجغرافية والخدمية للمغير .
ج ) موسوعة القرى الفلسطينية وأرشيف المكتبة الوطنية الأردنية .
ح ) التقارير الميدانية المنشورة عبر ( وكالة عمون الإخبارية ) و ( سرايا نيوز ) .
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.