يستعرض هذا المقال ، جذور التقويمات البشرية وتطور أنظمة قياس الزمن عند الأمم القديمة والإسلامية والرومانية ، وأسباب تسمية الأشهر ودلالاتها التاريخية والحضارية .
سر التسميات وسجلات الزمن : رحلة الأمم عبر التقاويم ومحطات التأسيس الكبرى
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تعتبر التقويمات الزمنية مرايا حية تعكس ثقافات الشعوب وتاريخها وبيئتها المحيطة . فعندما وضع الإنسان القديم نظماً لتقسيم الزمن لم يكن ذلك تعسفاً بل استجابة لظروف مناخية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية محيطة به . وفي هذا السياق ، يبرز التقويم الهجري القمري والتقويم الميلادي الشمسي كأبرز نظامين زمنيين يحمل كل منهما قصصاً ودلالات عميقة خلف أسمائه ومحطاته التاريخية الكبرى ، حيث تعود جذورها إلى أعماق التاريخ الإنساني وتفاعل الحضارات مع الكون والطبيعة .
أولاً : دوافع ابتكار التقاويم عند الحضارات القديمة
سعت الأمم والحضارات القديمة باكرًا إلى ابتكار أدوات لقياس الزمن وفهم حركة الأجرام السماوية ورصد الفصول ، وتنوعت دوافعها وتجاربها بين الاقتصادية والزراعية والدينية :
1 ) تنظيم الزراعة ومواسم الحصاد : احتاج الإنسان القديم إلى معرفة مواعيد الحرث والبذر بدقة لضمان الأمن الغذائي ، حيث ترتبط النباتات ارتباطاً وثيقاً بدورات الشمس وفصولها السنوية وليست حسب دورات القمر .
2 ) مراقبة الظواهر الطبيعية : شكلت الفيضانات النهرية والتغيرات المناخية تحدياً كبيراً دفع الحضارات إلى إيجاد مؤشرات فلكية وزمنية ثابتة مثل مراقبة فيضان نهر النيل .
3 ) إدارة الحياة الاجتماعية والدينية : استُخدمت التقاويم لتحديد مواعيد الأعياد الكبرى والمناسبات الدينية ، وتنظيم العمل المدني وإدارة شؤون الدولة .
ثانياً : نماذج بارزة لتقاويم الأمم والحضارات السابقة
تعددت الأنظمة التقويمية بتعدد الحضارات الكبرى التي سادت العالم القديم قبل ظهور التقويمين الهجري والميلادي المعاصرين ، وكانت التقويمات في العصور القديمة عادةً شمسية قمرية اعتماداً على إدخال الأشهر المقحمة لمحاذاة السنوات الشمسية والقمرية :
1 ) التقويم المصري القديم ( الشمسي ) :
يُعد من أقدم التقويمات الشمسية في التاريخ ، حيث يعود ظهوره إلى سنة 4241 قبل الميلاد أو حوالي عام 2050 قبل الميلاد . اعتمد المصريون القدماء على السنة الشمسية وربطوا بداية سنته برصد ظهور نجم الشعرى اليمانية في الأفق الشرقي بالتزامن مع فيضان نهر النيل السنوي الذي يمثل عصب الحياة الاقتصادية . وقسموا السنة إلى اثني عشر شهراً ، وجعلوا عدد أيام كل شهر ثلاثين يوماً ، ثم أضافوا خمسة أيام إضافية في نهاية العام سُميت بأيام النسيء ليصبح مجموع أيام السنة 365 يوماً .
2 ) تقويم بلاد ما بين النهرين ( السومري والبابلي - القمري الشمسي ) :
اعتمد السومريون والبابليون في العراق القديم منذ عام 2000 قبل الميلاد على الدورة القمرية لضبط الشهور بسنة افتراضية مكونة من اثني عشر شهراً وكل شهر ثلاثون يوماً . ولتجاوز الفارق الزمني بين السنة القمرية والسنة الشمسية ، كانوا يضيفون شهراً كبيساً مقحماً بشكل دوري لتعديل السنة وتوافقها مع الفصول . ولهم الفضل التاريخي العظيم في تقسيم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة والدقيقة إلى ستين ثانية .
3 ) التقويم الروماني القديم :
كان مستخدماً في روما القديمة قبل تطبيق التقويم اليولياني ، وتكون في بداياته الأولى من عشرة أشهر فقط ( أربعة أشهر تتكون من 31 يوماً وستة أشهر تتكون من أيام أخرى ) وكان يبدأ في شهر مارس / آذار ليبلغ عدد أيام السنة نحو 304 أيام . وأُدخلت عليه تعديلات لاحقة ليقترب من 355 يوماً بإضافة أشهر جديدة مثل شهر كبيس إضافي ( mensis intercalaris ) من 27 أو 28 يوماً ، قبل أن يُستبدل تماماً بالتقويم اليولياني الشمسي في عهد القائد الروماني يوليوس قيصر .
4 ) تقويم حضارة المايا في أمريكا الوسطى :
تميز بتعقيد دقيق ودراسة عميقة للأجرام السماوية ودورات كوكب الزهرة ، حيث ربط بين التقويم الشمسي المكون من 365 يوماً والتقويم الديني المقدس المكون من 260 يوماً . واشتهر بدوراته الزمنية الكبرى التي تعيد نفسها كل اثنين وعشرين وخمسين عاماً بانتظام مذهل .
ثالثاً : التقويم الهجري الإسلامي وتاريخ تأسيسه
قبل اعتماد التقويم الهجري الرسمي ، اعتمد العرب في عصورهم القديمة وما قبل الإسلام على الأحداث الكبرى لتأريخ وقائعهم مثل عام الفيل . ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية في صدر الإسلام ، برزت الحاجة الملحة لوضع مبدأ زمني ثابت :
1 ) الخيارات والمقترحات المطروحة : عندما استشار الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة لوضع تقويم للمسلمين ، برزت عدة مقترحات لأحداث كبرى فاصلة في السيرة النبوية ، مثل الاعتماد على عام ولادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، أو عام بعثته النبوية الشريفة ، أو حادثة الإسراء والمعراج ، أو عام وفاته صلى الله عليه وسلم .
2 ) اختيار حادثة الهجرة النبوية : استقر رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالاتفاق مع الصحابة على اتخاذ حادثة الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مبدأ للتأريخ الإسلامي في عام 17 للهجرة ، نظراً لأن الهجرة شكلت الحدث الفاصل بين مرحلة الاستضعاف والدعوة السرية ومرحلة إقامة الدولة وتأسيس المجتمع الإسلامي المستقل .
3 ) اعتماد الشهور القمرية : أقر المسلمون الاعتماد على السنة القمرية المكونة من اثني عشر شهراً والمتعلقة بدورة القمر وأهِلَّته ، تنفيذاً للتشريع القرآني الذي يربط المواسم بتوقيتات العبادات كالصيام والحج ، وتبدأ الشهور بمحرم وتختتم بذي الحجة .
رابعاً : سبب تسمية الأشهر العربية القمرية
يعود تاريخ تسمية الأشهر العربية إلى فترة ما قبل الإسلام ، وتحديداً في عام 412 ميلادي في عهد كلاب بن مرة جد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . وقد ارتبطت هذه الأسماء ارتباطاً وثيقاً بالبيئة الصحراوية ، وأحوال الطقس ، والمواسم المعيشية ، والحروب . وحيث وردت آراء وتفسيرات متعددة لتلك التسميات ، إليك تفصيلها :
1 ) مُحَرَّم : سُمي بذلك لكونه شهراً محرماً عند العرب قبل الإسلام ، إذ كان العرب يحرمون القتال فيه . وقيل سُمي بذلك تأكيداً لتحريمه لأن العرب كانوا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً .
2 ) صَفَر : سُمي صفراً لأن بيوت العرب كانت تصفر ( تخلو ) من أهلها لخروجهم للحرب والغزو . وقيل لأن العرب كانوا يغزون فيه القبائل فيتركونهم صفر الأيدي بلا أموال ولا متاع .
3 ) ربيع الأول وربيع الآخر : وافقا وقت التسمية فصل الربيع حيث تتفتح النباتات وتخضر الأرض وتكتسي الحلة الجميلة .
4 ) جمادى الأولى وجمادى الآخرة : سُميتا بذلك لوقوعهما في الشتاء وقت جمد الماء وبرودة الطقس . وقيل سُمي كذلك لجمود اللبن أو الماء لقصور الخصب .
5 ) رجب : مشتق من الترجيب بمعنى التعظيم والتوقير ، وكان العرب يعظمونه بترك القتال فيه . وقيل رجب بمعنى رَجَبَ الرماح عن القتال أي نزعها .
6 ) شعبان : لأن القبائل كانت تتشعب وتتفرق فيه للغارات والحرب بحثاً عن المياه . وقيل تشعبت فيه القبائل لتتوزع في أنحاء متفرقة .
7 ) رمضان : مشتق من الرمضاء ، لشدة حر الشمس في وقت تسميته . وقيل سُمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة .
8 ) شوال : لتشويل لبن الإبل ( أي نقصانه وجفافه ) عند إدباره . وقيل شوال لأن الإبل كانت تشول بأذنابها طلباً للضراب فيه .
9 ) ذو القعدة : كان العرب يقعدون فيه عن القتال والترحال وتوقي المخاطر . وقيل لقعودهم عن الأسفار والحروب .
10 ) ذو الحجة : لحج العرب وتأديتهم مناسك الحج فيه وموسم تجمع القبائل العربية في مكة المكرمة . وقيل لأن العرب كانت تقيم سوق عكاظ وحجها المعهود في أزمنتهم القديمة .
خامساً : سبب تسمية الأشهر الشمسية الميلادية وجذورها
أما الأشهر الشمسية الميلادية الحالية ، فتعود جذورها إلى الرومان القدماء والتقويم الروماني القديم الذي تأثر لاحقاً بالتعديلات اليوليوية والجريجورية ، وسُميت بالميلادية نسبةً إلى بدء التأريخ بميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام . وترتبط معظم هذه الأسماء بالآلهة الرومانية الأسطورية ، أو بالأحداث السياسية ، أو تمجيداً للقادة العظام والأباطرة والإمبراطور الروماني ، أو بالترتيب العددي للأشهر في التقويم القديم الذي كان يبدأ في شهر آذار ( مارس ) ، مع وجود بعض التفسيرات التاريخية واللغوية المختلفة لكل شهر :
1 ) كانون الثاني ( يناير ) : نسبة إلى الإله الروماني " يانوس " ( Janus ) إله البدايات والنهايات والأبواب وبوابات النور وبوابات السماوية المفتوحة للعام الجديد ، والذي كان يُمثَّل برأس له وجهان ينظر بهما إلى الاتجاهين .
2 ) شباط ( فبراير ) : نسبة إلى كلمة " فيبروا " ( Februa ) التي تعني أعياد التطهير والنقاء التي كان يقيمها الرومان في هذا الوقت من السنة . وقيل مشتق من كلمة لاتينية تعني التطهير والاستغفار .
3 ) آذار ( مارس ) : نسبة إلى " مارس " ( Mars ) إله الحرب والزراعة عند الرومان وبداية موسم الحملات العسكرية للعام الروماني القديم .
4 ) نيسان ( أبريل ) : مشتق من كلمة لاتينية ( Aperire ) تعني " التفتح " أو " الفتح " لازدهار الأزهار وفصل الربيع . وقيل مشتق من كلمة تعني الافتحاح أو البداية الخضراء .
5 ) أيار ( مايو ) : نسبة إلى الإلهة الرومانية " مايا " ( Maia ) إلهة النمو والخصوبة ورعاية النباتات وترمز للنمو والخصوبة . وقيل نسبة إلى كوكب المشتري في بعض التفاسير الفلكية القديمة .
6 ) حزيران ( يونيو ) : نسبة إلى الإلهة الرومانية " جونو " ( Juno ) زوجة الإله جوبيتر وملكة الآلهة وحامية النساء ورمز القوة والشباب . وقيل نسبة إلى الشباب في اللغات الرومانية القديمة .
7 ) تموز ( يوليو ) : سُمي تخليداً للقائد الروماني الشهير يوليوس قيصر ( Julius Caesar ) بعد وفاته لأنه وُلد فيه . وقيل كان يسمى قديماً ( كوينتيليس ) بمعنى الخامس في الترتيب الروماني القديم .
8 ) آب ( أغسطس ) : سُمي تكريماً للإمبراطور الروماني الأول أغسطس قيصر ( Augustus ) تخليداً لانتصاراته وإنجازاته القيصرية . وقيل كان يُعرف سابقاً باسم ( سيكستيليس ) أي السادس .
9 ) أيلول ( سبتمبر ) : مأخوذ من الرقم اللاتيني ( Septem ) بمعنى " السبعة " أو السابع لتدل على ترتيبها في التقويم الروماني القديم .
10 ) تشرين الأول ( أكتوبر ) : مأخوذ من الرقم اللاتيني ( Octo ) بمعنى " الثمانية " أو الثامن للدلالة على ترتيبه القديم في السنة الرومانية قبل إضافة شهري يناير وفبراير .
11 ) تشرين الثاني ( نوفمبر ) : مأخوذ من الرقم اللاتيني ( Novem ) بمعنى " التسعة " أو التاسع في التقويم الروماني .
12 ) كانون الأول ( ديسمبر ) : مأخوذ من الرقم اللاتيني ( Decem ) بمعنى " العشَرة " أو العاشر ، حيث كانت تشكل نهاية الشهور العشرة الأولى للتقويم الروماني القديم .
سادساً : قصة التقويم الغريغوري وتطوره التاريخي
يُعد التقويم الغريغوري ( الميلادي الحديث ) التعديل الأكثر دقة وانتشاراً للتقويم الشمسي في العالم المعاصر . تعود جذوره الأساسية إلى التقويم اليولياني الذي وضعه يوليوس قيصر في عام 46 قبل الميلاد بناءً على حسابات الفلكي الإسكندري سوسيغينيس ، والذي جعل السنة الشمسية 365 يوماً وربع اليوم بإضافة يوم كبيس كل أربع سنوات .
إلا أن هذا التقويم القديم كان يعاني من خطأ طفيف في حساب طول السنة الشمسية بدقة ، حيث كانت السنة الفلكية الحقيقية تبلغ نحو 365 يوماً وربع اليوم ناقصاً نحو أحد عشر دقيقة . ومع مرور قرون طويلة ، تراكبت هذه الفوارق الزمنية لتصل بحلول القرن السادس عشر الميلادي إلى فرق زمني قدره عشرة أيام كاملة بين الاعتدال الربيعي الحقيقي وموعده المفترض في التقويم ، مما أثر بشكل مباشر على حساب موعد عيد الفصح والمناسبات الكنسية .
ولمعالجة هذا الخلل الفلكي والتاريخي ، أصدر البابا غريغوري الثالث عشر مرسوماً بابوياً في عام 1582 ميلادي يقضي بتعديل التقويم وفق دراسات الفلكيين وعلى رأسهم لويجي ليلو . ونص الإصلاح على خطوتين أساسيتين :
1 ) حذف عشرة أيام دفعة واحدة من التقويم لتصحيح المسار الفلكي ، حيث تبع يوم الرابع من تشرين الأول ( أكتوبر ) عام 1582 ميلادي مباشرة يوم الخامس عشر من نفس الشهر .
2 ) تعديل قاعدة السنوات الكبيسة لضمان عدم تكرار الخطأ مستقبلاً ، بحيث تُستثنى السنوات المئوية من الكبيسة إلا إذا كانت تقبل القسمة على أربعمائة دون باقي ، مما جعل السنة الميلادية المعدلة شديدة الدقة في مطابقة السنة الشمسية الفلكية .
اعتمدت الدول الكاثوليكية هذا التقويم الجديد فور صدوره ، بينما انضمت إليه الدول البروتستانتية والأرثوذكسية والعالم الإسلامي تدريجياً عبر القرون التالية حتى أصبح التقويم المدني والدولي الأكثر اعتماداً وتنظيماً لشؤون البشرية جمعاء .
هكذا نرى أن أسماء الأشهر والتقويمات بقيت حية على لسان البشر عبر آلاف السنين ، حاملةً في بطونها تاريخاً طويلاً من تفاعل الإنسان مع الزمن والطبيعة والتقاليد ومحطات التأسيس الحضاري .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) تاريخ الأمم والملوك ، الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير .
- 2 ) الآثار الباقية عن القرون الخالية ، البيروني ، أبو الريحان .
- 3 ) الطبقات الكبرى ، ابن سعد ، محمد بن منيع .
- 4 ) التقويم وقياس الزمن عند العرب ، دراسات في التراث التاريخي ، منشورات مجمع اللغة العربية .
- 5 ) تاريخ التقويم الروماني وتطور الشهور الشمسية ، دراسات في الأنثروبولوجيا الزمنية .
- 6 ) الموسوعة العربية العالمية ، باب التقويمات التاريخية والأنظمة الزمنية .
- 7 ) موسوعة ويكيبيديا الحرة ، باب تاريخ التقاويم .
- 8 ) تقارير ودراسات تاريخية حول الأنظمة التقويمية في العالم القديم ( مثل نون بوست ووكيبيديا وبريتانيكا وEBSCO ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.