يُسلط المقال الضوء على عبقرية الإخوة الثلاثة ( بني الأثير ) وأثرهم الخالد في شتى علوم المعرفة الإسلامية التاريخية والحديثية والأدبية .

عمالقة من بيت عريق: عندما تتجلى العبقرية الثلاثية في تاريخنا المجيد

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​حين يتردد اسم ( ابن الأثير ) في مجالس الفكر والتاريخ ، يتبادر إلى ذهن القارئ العادي أنه علم واحد ترك بصمته الواضحة في التراث الإسلامي . غير أن الحقيقة التاريخية المذهلة تحمل في طياتها قصة بيت علم فريد من نوعه ؛ بيت أنجب ثلاثة إخوة ، لم يكن كل منهم فحسب عالماً بارزاً في بابه ، بل صاروا أهراماً شامخة يشار إليها بالبنان في عصور الإزدهار الحضاري .

​هؤلاء الإخوة الثلاثة نشأوا وترعرعوا في رحاب ( جزيرة ابن عمرو ) — تلك الحاضرة التاريخية المتموضعة بشموخ عند سفح جبل الجودي على ضفاف دجلة شمال سورية اليوم — واشترعوا لأنفسهم طريق الخلود حتى انصهرت ألقابهم في كنف اسم عائلي واحد ، فالتَبَس الأمر على الناس ظناً منهم أنهم شخصية واحدة . دعونا نأخذكم في رحلة قصيرة لنفض الغبار عن ملامح هذا الثلاثي الفريد الذي غير وجه المعرفة .

​1 ) مجد الدين ابن الأثير : الإمام الفقيه ومحدث العصر ( 544 - 606 هـ م ) :

​هو أكبر الإخوة ، ( مجد الدين أبو السعادات المبارك ) ، الفقيه والمحدث اللغوي الذي ملك ناصية الحديث والنحو معاً . ولد بـجزيرة ابن عمرو سنة 544 م ، وانتقل ليمضي جل حياته وعلمه في الموصل حتى توفي فيها سنة 606 م ( الموافق 1209 م ) .

​لقد ترك مجد الدين للأمة إرثاً حديثياً ولغوياً لا يُقدر بثمن ، ومن أعظم مصنفاته :

​1 ) جامع الأصول في أحاديث الرسول : المنسوب إليه الفضل في جمع مادة الصحاح الستة في مصنف واحد جامع .

​2 ) الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي .

​3 ) المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار .

​2 ) عز الدين ابن الأثير : مؤرخ الزمان وشاهد عصر الأبطال ( 555 - 639 هـ م ) :

​أما الأوسط ، فهو ( عز الدين أبو الحسن علي ) ، المؤرخ الفذ والنسابة الذي إذا أُطلق لقب ( ابن الأثير ) مجرداً في الدراسات التاريخية ، فإن الانصراف غالباً ما يكون إليه ( أو لأخيه مجد الدين ) . ولد في الرابع من جمادى الآخرة سنة 555 م ( 1160 م ) .

​عاش عز الدين حياة زاخرة بالتنقل والتحصيل ؛ فحفظ القرآن مبكراً في الجزيرة ، وارتحل إلى بغداد ودمشق طلباً للعلم . والأهم من ذلك ، أنه عاصر أوج صراع الدولة الأيوبية وشهد عن قرب معارك القائد البطل ( صلاح الدين الأيوبي ) . هذا التماس المباشر منح مؤلفاته موثوقية تاريخية نادرة ، لاسيما وأن وفاته كانت بالموصل سنة 639 م ( 1232 م ) .

​من أبرز آثاره الخالدة :

​1 ) الكامل في التاريخ : موسوعة كبرى في 12 مجلداً ، تُعد المرجع الأول والأساس لكل باحث في تاريخ الخليقة حتى عصر المؤلف .

​2 ) أسد الغابة في معرفة الصحابة : سفر جليل يضم تراجم لـ 7554 صحابياً جليلاً .

​3 ) التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية .

​4 ) اللباب في معرفة الأنساب .

​3 ) ضياء الدين ابن الأثير : الأديب الناقد وكاتب البلاغة ( توفي 637 هـ م ) :

​وثالثهم هو الأصغر ، ( ضياء الدين أبو الفتح نصر الله ) ، الكاتب والأديب وناقد البلاغة الكبير . التحق بخدمة الناصر صلاح الدين الأيوبي في دمشق ، ليضع خبرته وقلمه في خدمة الدولة ، وتوفي سنة 637 م ( 1239 م ) .

​ورغم أن مسيرته تفرعت في مسالك الأدب ، إلا أن كتابه العبقري ظل علامة فارقة في البلاغة العربية :

​1 ) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعــر : الذي يُعد دستوراً نقدياً وبلاغياً لا غنى عنه لكل أديب وكاتب أراد سبر أغوار لغة الضاد .

​خاتمة مضيئة :

إن قصة إخوة بني الأثير ليست مجرد سرد لتراجم رجال غابرين ، بل هي إثبات عملي على أن البيئة الصالحة والهمة العالية قادرتان على صناعة أمة فريدة تشرق بعلومها على الإنسانية جمعاء . رحم الله مجد الدين وعز الدين وضياء الدين ، فقد تركوا أسماءً تحيا في ضمير التاريخ إلى الأبد .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع : ​1 ) الكامل في التاريخ - عز الدين ابن الأثير . ​2 ) أسد الغابة في معرفة الصحابة - عز الدين ابن الأثير . ​3 ) جامع الأصول في أحاديث الرسول - مجد الدين ابن الأثير . ​4 ) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - ضياء الدين ابن الأثير . ​5 ) الأعلام - خير الدين الزركلي . ​6 ) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - ابن خلكان .