صادف يوم أمس الاثنين، ذكرى رحيل رمز الثقافة الأردنية وشاعرها مصطفى وهبي التل (عرار)، الذي توفي بتاريخ 24 أيار 1949م. واليوم، وإحياء لذكراه الباقية، تأخذنا الذاكرة إلى تلك العتبات التي شهدت عبقريته وشاعريته، لنقف في هذا المقال عند “بيت عرار” الكائن في مدينة إربد، هذا المعلم الثقافي والتاريخي الذي ما زال ينبض بروح الشاعر وتفاصيل حياته. نسأل الله له الرحمة والمغفرة، وستبقى قوافيه وإرثه مكانا ومكانه خالدا للأجيال
سحر البازلت وهيبة القصيدة ... بيت (عرار) معلم تليد يروي سيرة شاعر الأردن في محراب إربد
صادف يوم أمس الاثنين، ذكرى رحيل رمز الثقافة الأردنية وشاعرها مصطفى وهبي التل (عرار)، الذي توفي بتاريخ 24 أيار 1949م. واليوم، وإحياء لذكراه الباقية، تأخذنا الذاكرة إلى تلك العتبات التي شهدت عبقريته وشاعريته، لنقف في هذا المقال عند "بيت عرار" الكائن في مدينة إربد، هذا المعلم الثقافي والتاريخي الذي ما زال ينبض بروح الشاعر وتفاصيل حياته. نسأل الله له الرحمة والمغفرة، وستبقى قوافيه وإرثه مكانا ومكانه خالدا للأجيال.
تتلاقى في بعض الأمكنة ملامح العبقرية الشعرية مع عراقة الطراز المعماري، لتتحول الجدران الصامتة إلى شواهد حية تروي سيرة أمة وتاريخ مدينة. وفي مدينة إربد (عروس الشمال)، يتربع (بيت عرار الثقافي) كأحد أبرز المعالم التاريخية والثقافية التي تروي حكاية الأردن الفكرية من خلال سيرة شاعره الأكبر مصطفى وهبي التل، الذي لقب بـ (عرار)، هذا اللقب الذي ارتبط بالتمرد والفروسية ونصرة المظلومين. هذا البيت، الذي تفوح من حجارة البازلتية رائحة التاريخ وعبق القصائد، تجاوز في رمزيته حدود المسكن الخاص، ليصبح صرحا تنويريا، وصالونا أدبيا يوميا تلتقي فيه مختلف فئات المجتمع، ومحطة إشعاع وطني صانت الموروث الإبداعي للأجيال المتعاقبة، وغدت بيتا للأردنيين جميعا يستقبل الزوار ليعرفهم بمسيرة وحياة شاعرهم الرمز.
تكمن روعة هذا المكان في قدرته الفريدة على اختزال الهوية الوطنية الأردنية وتحويلها من سطور مكتوبة في الدواوين إلى تفاصيل حية نلمسها في انحناءات العقود البازلتية وفي ظلال أشجار التوت العتيقة. إن الحديث عن بيت عرار ليس مجرد قراءة في تاريخ البناء الهندسي، بل هو إبحار في وجدان الشاعر الذي جاب الفيافي والوديان وترك نبض قلبه معلقا على أطراف هذا التل الشامخ، ليبقى البيت فضاء يربط الماضي العريق بالحاضر المتجدد، وشاهدا على أن الكلمة الصادقة الملتزمة بقضايا المجتمع تظل باقية ومؤثرة ما تعاقبت الأجيال.
أولاً : سبب تسمية الشاعر بـ " عرار " ودلالتها اللغوية:
يحمل لقب الشاعر ( مصطفى وهبي التل ) دلالات تاريخية ولغوية عميقة أسهمت في تشكيل هويته الأدبية والوطنية :
سبب التسمية التاريخي : تعود التسمية إلى والده الوجيه ( صالح مصطفى التل ) ، ففي أواخر العهد العثماني ، وتحديدا عام 1910 م ، قاد الوالد حراكا وطنيا واحتجاجا شعبيا ضد سياسات الحاكم العثماني في إربد ( عارف بك ) . ونتيجة لهذا الموقف الوطني ، سجن الوالد ونفي إلى القدس ، وتشبيها لنفسه بالشاعر والمحارب العربي القديم " عرار بن عمرو " الذي عرف بمناهضته للشامتين والمستبدين ، أطلق الوالد هذا اللقب على ابنه البكر ( مصطفى ) ليكون امتدادا لنهج الجرأة والجهر بالحق .
المعنى اللغوي لكلمة ( عرار ) : في المعاجم العربية ، يشتق الاسم من الفعل ( عر ) ، وله عدة معان تصب في ذات الروح التمردية ، فالعرار هو " صوت الظليم " ( ذكر النعام ) عند هياجه وتمرده . كما يطلق العرار على " النبت الطيب الرائحة " ( بهار البر الشديد الذكاء ونور الأقحوان الأصفر ) الذي ينمو في سهول حوران وبلاد الشام . وفي المأثور العربي يقال : " باء معروف بعرار " ، وهو مثل يضرب للمثلين يلتقيان في القوة والشجاعة ، فالاسم في جوهره يعكس الشدة ، والمنعة ، والأصالة ، والجهارة في قول الحق ، وهي صفات طابقت شخصية الشاعر الذي غدا صوت الكادحين والمظلومين .
ثانياً : الموقع الجغرافي العبقري للبيت والمعالم التاريخية المحيطة به :
يتبوأ بيت عرار الثقافي موقعا استراتيجيا يشكل بحد ذاته جزءا من حكاية التطور الحضري لمدينة إربد ، حيث يتوسط المربع التراثي الأقدم في المدينة :
الموقع الجغرافي بالنسبة للمدينة : يقع البيت في قلب مدينة إربد القديمة ، وتحديدا على الواجهة الغربية من ( تل إربد الأثري ) عند سفحه الجنوبي ، مطلا على حركة المدينة الحيوية ومواجها ( للشارع الهاشمي ) الشهير ، مما يجعله حلقة وصل بصرية وتاريخية بين ماضي المدينة الحاضن وسوقها النابض .
متحف دار السرايا الأثري : يقع البيت على مسافة قريبة جدا ( إلى الغرب قليلا ) من مبنى دار السرايا العريق ، الذي يعود للحقبة العثمانية وتحول إلى متحف أثري يروي حضارات المنطقة ، مما يجعل المرور بين الصرحين رحلة عبر الزمن .
مدرسة إربد الثانوية الحاضنة وعراقة البلدية : يتقاطع محيط البيت مع مبنى بلدية إربد الكبرى التاريخي ومدرسة إربد الثانوية للبنين ( أم المدارس في شمال الأردن ) ، وهي المنارة التعليمية التي خرجت رجالات الرعيل الأول وعاصرت تحولات الدولة الأردنية .
مسجد إربد الكبير ( الغربي ) وسوق التل : يقع البيت على امتداد محيط مسجد إربد الكبير ، أقدم مساجد المدينة ، وبمحاذاة الأسواق التقليدية القديمة التي نمت حول تل إربد الأثري ، ليشكل هذا التمازج الجغرافي ( المسجد ، السرايا ، المدرسة ، البيت الثقافي ، والسوق ) النواة الوجدانية لعراقة وسط البلد .
ثالثاً : النشأة والتأسيس والتطور التاريخي عبر التسلسل الزمني :
شهد الصرح المعماري لبيت عرار سلسلة من المراحل التاريخية والتحولات الوظيفية التي واكبت النهضة العمرانية والتعليمية لمدينة إربد :
أواخر القرن التاسع عشر ( عام 1886 م ) : بنيت النواة الأولى للبيت على طريق الحج الشامي الأثري ، ليكون من أقدم المباني التراثية في المدينة التي تؤرخ إلى الفترة العثمانية ، حيث شيدت حجراته الأولى بأسلوب يحاكي العمارة التراثية العريقة .
مطلع القرن العشرين ( عام 1905 م ) : مع اتساع العائلة والتطور الاجتماعي ، تم توسيع البيت بإضافة بعض الملاحق والمطابخ ، ليكتمل البيت بصورته الهندسية الحالية منفتحا نحو ساحته الداخلية المكشوفة .
منتصف القرن العشرين ( عام 1944 م - 1950 م ) : شهد البيت تحولا تعليميا بارزا حين أسس فيه الأستاذ محمود علي أبو غنيمة ( مدرسة العروبة الابتدائية ) في عام 1944 م ، وظل المبنى يؤدي هذه الرسالة التربوية حتى عام 1950 م ، بعد أن كان حاضنة أساسية سكنها الشاعر ( عرار ) وولدت فيها مواقفه القصائدية .
نهاية القرن العشرين ( عام 1994 م ) : انطلاقا من رغبة شقيقات الشاعر في أن يبقى البيت صرحا ثقافيا عاما تخليدا لذكرى شاعر الأردن ، تم توقيع اتفاقية رسمية مع وزارة الثقافة الأردنية بتاريخ 13 تشرين الثاني 1994 م ، لتتولى الوزارة مهام إدارة البيت كدارة ثقافية عامة ومتحف وطني يأمه الزوار والسياح والطلاب .
رابعاً : الخصائص الهندسية والقيمة المعمارية للبيت :
يمتاز بيت عرار بتصميم معماري فريد يعكس الطراز الشامي والتراثي التقليدي الذي يدمج الأصالة بالوظيفة البيئية :
التصميم والتقسيم الداخلي : يتألف البيت من خمس غرف وإيوانين ، ويمتاز بانفتاحه نحو الداخل عبر ساحة كبيرة مكشوفة ( الحوش ) مزدانة بالنباتات وشجرة توت معمرة يتجاوز عمرها مئة عام تتوسط فناءه الظليل .
الحجارة البازلتية و " القرطيان " : رصفت ساحة البيت وأرضياته بالحجر الأسود البازلي التراثي المتداخل مع حجر " القرطيان " الأثري الموشى باللون الوردي ، مما يمنح البناء هوية بصرية مذهلة تدمج أصالة البيوت الدمشقية القديمة بخصوصية جغرافيا حوران .
خامساً : الرمزية الوطنية وحرم الضريح :
لا تكتمل القيمة الوجدانية لبيت عرار دون الإشارة إلى الحرم القدسي الصغير المتمثل في ضريح الشاعر ، والذي جسد وصيته الشهيرة :
الوصية التاريخية : كان الشاعر ( عرار ) قد أوصى بأن يدفن في فناء بيته بين أشجار التوت التي أحبها ، حيث قال في أحد أبياته الشهيرة :
حرم الضريح ( عام 1989 م ) : استجابة لتلك وصية الوطنية والتاريخية ، نقل جثمان الشاعر مصطفى وهبي التل من مقبرة إربد القديمة ليعاد دفنه في زاوية دافئة داخل فناء البيت ، وتحول الضريح إلى مزار ثقافي يؤمه الأدباء والزوار لقراءة الفاتحة على روح رائد الحداثة الشعرية في الأردن .
سادساً : الأهمية الثقافية والدور التنويري الفاعل في وسط إربد :
تجاوز بيت عرار الثقافي كونه متحفا جغرافيا مغلقا ، ليمثل مركزا ثقافيا نشطا تديره مديرية ثقافة محافظة إربد ، ويؤدي أدوارا ريادية متعددة :
متحف المقتنيات الشخصية : يضم البيت في حجراته مقتنيات بسيطة وشخصية للشاعر ، ومجموعات من صوره النادرة ، بالإضافة إلى المخطوطات والوثائق والرسائل الأصلية التي تؤرخ لحياته الإبداعية والسياسية والمهنية .
ملتقى يومي وحاضنة للهيئات الأدبية : يستقبل البيت الزوار يوميا من الساعة 08:00 صباحا وحتى 03:00 عصرا ( باستثناء يومي الجمعة والسبت ) ، ويعد الحاضنة الأبرز للأماسي الشعرية ، والندوات الحوارية الموسعة ، ومنها الحواريات الإعلامية والفكرية المتطورة بالتعاون مع المنتديات الثقافية كمنتدى ذاكرة الشعلة ، فضلا عن استضافة المعارض الفنية التشكيلية المختلفة .
ترسيخ ثقافة الوعي والقراءة : يلعب وجود هذا الصرح في منطقة وسط البلد دورا رياديا في ربط جيل الشباب بهويتهم الحضارية ، حيث تساهم المبادرات والأنشطة المقامة فيه في نشر قيم التنوير ، ومواجهة الأفكار المغلقة ، وإعادة الاعتبار للكتاب والكلمة الواعية كأدوات أساسية في بناء الإنسان .
سابعاً : بيت عرار في الفعاليات الكبرى والأبعاد الوطنية :
حظي بيت عرار الثقافي بمكانة استثنائية في قلب المشهد الثقافي الأردني ، وتضاعفت أهميته في المناسبات القومية :
احتفاليات إربد عاصمة الثقافة العربية : شكل البيت المركز الرئيسي والوجهة الأولى للوفود العربية والمؤتمرات الفكرية خلال الاحتفاء بإربد عاصمة للثقافة العربية ، حيث قدم المكان نموذجاً حياً لعمق البنية الثقافية الأردنية وقدرتها على صهر الهوية الشعبية بالتراث الأدبي الرفيع .
التلاحم مع الهوية التراثية : يتقاطع وجود بيت عرار مع الحراك الشبابي والمجتمعي الذي يسعى لصون المعالم التراثية والتاريخية المحيطة به ( مثل سرايا إربد القديمة ومدرسة إربد الثانوية ) ، ليشكل هذا المثلث التراثي حصنا منيعا لحراسة الذاكرة الوطنية من الاندثار .
إن سيرة ( بيت عرار الثقافي ) في إربد هي نموذج فريد لكيفية خلود الفكرة واستمرار أثر المبدع بعد رحيله جسدا ، فالبيت الذي شهد ولادة " عشيات وادي اليابس " وصاغ فيه الشاعر هموم ومطلبيات شعبه ، يواصل اليوم وصيته الفكرية من خلال أبنائه من المثقفين والقراء الذين يملأون فناءه حوارا ونقدا وشعرا . سيبقى بيت عرار ، بحجاره البازلتية الداكنة وضريحه الطاهر ، حارسا أمينا على وعي الأمة ، ورئة تنويرية تشيع المعرفة والنور في فضاء الأردن ، وتؤكد أن الكلمة الصادقة الملتزمة بقضايا الإنسان تظل عصية على النسيان ، وباقية بقاء تلال إربد وسهول حوران المعطاءة .
معرض بيت عرار الثقافي
وفي ختام هذه المقالة ، يلوح بيت عرار في أفق المدينة كمظلة أمان فكري تتسع لكل الباحثين عن الحقيقة والجمال . إن بقاء هذا الصرح شامخا يؤدي رسالته بكل اقتدار ليس مجرد صيانة لقطعة من تاريخ العمارة ، بل هو إعلان مستمر عن انحيازنا الدائم لقيم التنوير والحرية التي عاش من أجلها الشاعر . سيبقى هذا البيت ، بنفائسه التراثية وحضوره المتجدد ، ركيزة أساسية من ركائز الوعي في وطننا الغالي ، ومنارة لا تنطفئ تجذب إليها عشاق الكلمة من كل حدب وصوب ، لتظل إربد دافئة بذاكرتها ، غنية برجالها ، ونابضة بروح شاعرها الذي لم يغادر التل إلا ليسكن في قلب كل أردني .
المصادر والمراجع :
- 1 ) وزارة السياحة والآثار الأردنية ، الموقع الرسمي لمتاحف الأردن ( متحف بيت عرار الثقافي ) .
- 2 ) موسوعة ويكيبيديا العالمية ، مادة توثيقية منشورة تحت عنوان " بيت عرار الثقافي في إربد " .
- 3 ) وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ، تغطية إخبارية بعنوان " إربد : حوارية حول الإعلام وتطوره في بيت عرار الثقافي " .
- 4 ) صحيفة الرأي الأردنية ، مقال توثيقي بعنوان " بيت عرار .. صرح ثقافي يجمع عراقة المكان وهيبة الشاعر " .
- 5 ) موقع جهينة نيوز الإخباري ، تقرير منشور بعنوان " صرح أدبي في قلب إربد .... بيت عرار الثقافي " .
- 6 ) دليل واو البلد الثقافي ( Waw Al Balad ) ، الدليل التعريفي لمتحف بيت عرار في إربد .
- 7 ) صحيفة الأنباط الأردنية ، مادة تاريخية حول " مدرسة العروبة الابتدائية واتفاقية وزارة الثقافة لإدارة بيت عرار " .
- 8 ) مجلة الرافد الثقافية ، دراسة حول ريادة الشاعر مصطفى وهبي التل وسيرة مكانه التراثي .
- 9 ) شبكة حرمل الإخبارية ، مادة توثيقية حول المقتنيات والمخطوطات التراثية لشاعر الأردن عرار .
- 10 ) بوابة ابن بطوطة للمطالعة والسياحة ، التوصيف الجغرافي والمعماري لمعالم وسط مدينة إربد الأثرية .
التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.