بين دفتي التاريخ تكمن تفاصيل مجهولة تختزل في جوهرها حكاية أمة مأهولة ، وتستحضر أطياف زمن مضى ببهائه ونقائه ، ليفوح شذاه في حاضرنا بصفائه وسنائه . إن العودة إلى الأوراق العتيقة ليست مجرد نكء لخاصرة الحنين ، بل هي استنطاق لروح الماضي الدفين ، وقراءة واعية في فلسفة البناء الأول الذي نهضت عليه مداميك الوعي والتمكين . ومن رحم تلك الذكريات المنسية ، تطل علينا وثيقة وثيرة برمزيتها ، بليغة في دلالتها ، تحمل في طياتها عبق العهد وميثاق المعرفة ، لترسم لنا معالم جيل شق طريقه نحو الجوزاء بأقل الإمكانات وأعظم الإرادات

وثيقة تربوية من ذاكرة الزمن الجميل

إيصال من الزمن الجميل والبدايات الأولى: قراءة في وثيقة تربوية من عام ١٩٧٨ م

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

نص الوثيقة:

المملكة الأردنية الهاشمية
وزارة التربية والتعليم
وصول المقبوضات / التبرعات المدرسية
نموذج ت ١
رقم : ١٩٠٣٢٢٥
التاريخ: ١ / ٩ / ١٩٧٨ م
وصلني من : الطالب قيصر صالح مصطفى سليم
مبلغ : خمسمائة فلس أردني لا غير
وذلك على حساب : التبرعات المدرسية
القيمة بالدينار : فلس ( ٥٠٠ ) ، دينار ( // )
التوقيع: مساعد المدير
إيصال من عام ١٩٧٨ م
إيصال تربوي من عام ١٩٧٨ م — من ذاكرة التعليم والزمن الجميل

الأختام الرسمية: ختم مديرية التربية والتعليم لوزارة التربية والتعليم الأردنية.

بين دفتي التاريخ تكمن تفاصيل مجهولة تختزل في جوهرها حكاية أمة مأهولة ، وتستحضر أطياف زمن مضى ببهائه ونقائه ، ليفوح شذاه في حاضرنا بصفائه وسنائه . إن العودة إلى الأوراق العتيقة ليست مجرد نكء لخاصرة الحنين ، بل هي استنطاق لروح الماضي الدفين ، وقراءة واعية في فلسفة البناء الأول الذي نهضت عليه مداميك الوعي والتمكين . ومن رحم تلك الذكريات المنسية ، تطل علينا وثيقة وثيرة برمزيتها ، بليغة في دلالتها ، تحمل في طياتها عبق العهد وميثاق المعرفة ، لترسم لنا معالم جيل شق طريقه نحو الجوزاء بأقل الإمكانات وأعظم الإرادات .

وفي زاوية من زوايا الذاكرة التي لا تشيخ ، وبين الأوراق القديمة التي نجت من مقص الوقت المتربص ، تبرز أحياناً وثيقة صغيرة الحجم ، بسيطة المظهر ، لكنها تهز الوجدان بوقارها ، وتحمل بين أسطرها عبء تاريخ كامل ، وملامح جيل تحدى الصعاب ، وقصة وطن كان يشيد صروح مستقبله بتباشير الطباشير وبوارق الوعي . هذا الإيصال المالي الصادر عن وزارة التربية والتعليم الأردنية ، والمؤرخ في غرة أيلول لعام ١٩٧٨ م ، ليس مجرد قصاصة ورق جفت أحبارها لتثبت سداد " خمسمائة فلس " ( نصف دينار ) تحت بند التبرعات المدرسية ، بل هو " صك عبور " وفاتحة نور لجيل السبعينيات نحو معاقل العلم الأشم ومعاهد المعرفة الأسمى .

عبق أيلول وأجواء العودة إلى المدارس

يعيدنا التاريخ المدون في جبين الوثيقة ( ١ / ٩ / ١٩٧٨ م ) إلى ذلك الصباح الخريفي المترع بالندى من أواخر السبعينيات ، حين كان لافتتاح العام الدراسي طقوس تمتلئ بالهيبة ، وأجواء تتدثر بالوقار . في ذلك العصر الميمون ، كنت طالباً غريراً يخطو خطواته الأولى في الصف الثالث الأساسي ، حيث كانت ملامح البدايات تتشكل ببطء الشغف وعنفوان الطموح .

وكانت الأختام الزرقاء المستطيلة منها والمستديرة التي توجت رأس الوثيقة تتجلى كشواهد حية تنطق بهيبة الدولة ، وتعلن رسوخ المؤسسة التعليمية في أوج انضباطها ومؤسسيتها . فالختم الذي يحمل عبارة " وزارة التربية والتعليم " لم يكن حبراً على ورق أو إجراء روتيني عابر ، بل كان عهداً وثيقاً ، وميثاقاً غليظاً لبناء الإنسان وصيانة الأوطان .

خمسمائة فلس .. ومفارقة الأرقام بين شمس الأمس وظلال اليوم

المبلغ المدون في خانة الفلسات ( ٥٠٠ فلس ) يقف شاهداً عدلاً ، وبرهاناً فصلاً على فلسفة الدولة التربوية آنذاك ، حيث كان الصرح العلمي مشرع الأبواب للجميع ، مباح الحياض برمزية تامة . وهنا تبرز المقارنة الصارخة ، وتتجلى المفارقة التاريخية الكبرى التي تدعو اللبيب إلى التأمل بمرارة في تقلب الأحوال وتبدل الأزمان ، إذ يكشف الفارق الشاسع في قيمة النقد والقوة الشرائية بين عهدين عمق الفجوة التربوية والاقتصادية .

فبينما كان " نصف دينار " كفيلاً بفتح مغاليق العلوم ، وصناعة طاقات جيل السبعينيات السامق ، تضاعفت الأرقام اليوم في قطاع التعليم بشكل فلكي مرعب ، وتحديداً في المدارس الخاصة والأهلية التي تحول التعليم في كواليسها إلى عبء مالي باهظ ، وضريبة تشيب لها الولدان ، حيث تقيد المقاعد بآلاف الدنانير سنوياً للطالب الواحد . لقد تضاعفت هذه الرسوم آلاف المرات في جناس رقمي عجيب ، ليعكس هذا التحول الجذري كيف تبدلت المفاهيم السامية ، وتغيرت الظروف الاجتماعية ، وحُورت السياسات التي نقلت مقعد العلم من شراكة مجتمعية رمزية تقوم على " تبرعات " يسيرة ، إلى استثمار استهلاكي مرهق يثقل كاهل الأسر ، ويجهد كواهل الآباء .

قامات تربوية في سجلات الخلود والوفاء

إن توقيع " مساعد المدير " بجرّة قلم حبر جاف في أسفل الوثيقة يلخص بإيجاز بليغ تراتبية الإدارة المدرسية الصارمة ، وينطق بعبقرية التنظيم التي كان يقود دفّتها هامات وقامات لا تُنسى في تاريخنا التعليمي ، وعلى ما أذكر وأتوقع في ذلك العصر الذهبي ، كان يقف على رأس هذه المدرسة ، مدرسة التطبيقات التابعة لمعهد المعلمين في حوارة ، المربي الفاضل والمدير الحازم ، المرحوم الأستاذ أحمد حداد " أبو الرائد " ، يسانده ويعاونه بجدّ وإخلاص في الإشراف على أدق التفاصيل مساعده آنذاك ، المرحوم الأستاذ مصطفى الشرع ، الذي ترك توقيعه وأثره وراء هذا الوصل ليكون شاهداً على مرحلة استثنائية من العطاء الموصول .

لقد كان المدير ومساعده يمثلان قمة الهرم التربوي ، وسنام المجد الأخلاقي في المجتمع المحلي ، وكانت كتابة الأسماء رباعية بالخط اليدوي الرصين المنساب كالجداول ( الطالب قيصر صالح مصطفى سليم ) تعكس حرصاً بالغاً في التوثيق والضبط داخل سجلات الدولة الرسمية .

وتطير بنا هذه الأسطر المخطوطة باليد مباشرة إلى الوجوه النبيلة النيرة التي صاغت عقولنا ، وصقلت أرواحنا في ذلك العام ، وعلى رأسهم معلمي الفاضل وموجِّهي الأكمل في الصف الثالث ، المرحوم الأستاذ عليان نهار الغرايبة ، ذلك الطود الشامخ الذي كان يغرس في نفوسنا الغضة قيم العلم ويحمي فينا بذور الانتماء مع كل حرف يلفظه ، وكل وسم يخطه ، ليبقى ثراه عاطراً ، وأثره سائراً في الوجدان ، كأشجار الزيتون المباركة التي تضرب جذورها في عمق الأرض ولا تموت .

وهكذا تتجلى لنا هذه الوثيقة الشاخصة كمرآة صقيلة تجسد أصالة المنهج وعراقة المسيرة ، لتظل تلك النصف دينار شاهداً حياً على عمق الرسالة وعلو قيمتها . إنها تذكرنا بيقين راسخ لا يتطرق إليه الشك ، بأن العصر الذهبي للتعليم لم يرتكز يوماً على فخامة الميزانيات أو باذخ الأدوات ، بقدر ما انبثق من مشكاة وجدان معلم نذر نفسه وفكره للبناء ، وطالب تسربل بالشغف والرجاء ، ودولة صاغت من مداد الحرف خط دفاعها الأول . لتظل هذه القصاصة العتيقة نبراساً وهاجاً ينير درب الأيام ، وتحية إجلال مفعمة بالوفاء لزمن غرسنا في أثيله البذور الأولى ، لنحصد اليوم فكراً ناضجاً ، وبحثاً رصيناً ، وتاريخاً حافلاً بالمجد والثناء .