يستعرض المقال دور المعلم التاريخي و التربوي ، مسلطاً الضوء على التحديات الراهنة التي تواجه هيبته ، و مؤكداً ضرورة تكريمه و تمكينه باعتباره صانع الحضارات .
بَقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
إن الاحتفاء بيوم المعلم ليس لمجرد توثيق تاريخ في التقويم السنوي ، أو تبادل عبارات الثناء العابرة ، بل هو وقفة إجلال لرسالة الأنبياء والمرسلين ، ولعمود فقري ترتكز عليه حضارات الأمم وبناء عقول الإنسان . فالمعلم الحقيقي هو حارس البصيرة ، والمؤتمن على هوية الأمة وتوجيه بوصلتها نحو النور ، وهو الشريك الأساسي في مسيرة البناء والتطوير التي تجسد تطلعات الوطن وعراقة إنجازاته .
النموذج النبوي : التعليم بالقدوة والرحمة :
لقد سبق المنهج النبوي الشريف أحدث النظريات التربوية المعاصرة بقرون طويلة ، وتحديداً ما يعرف اليوم في علم النفس الحديث بمفهوم ( النمذجة ) ( Modeling ) ، حيث كانت أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته هي المنهج الحي . لقد جسد المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم أن التربية أعمق بكثير من مجرد التلقين الجاف ، وأن التعليم رسالة رحمة تُعنى بصنع القلوب وتهذيب النفوس قبل أن تملأ الدفاتر بالمعلومات . وقد لخّص أمير الشعراء أحمد شوقي هذه المنزلة العالية بقوله :
قُم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا
إرث مشرّف في التاريخ الإسلامي والعربي :
لم يكن المعلم في صفحات تاريخنا الحضاري عنصراً هامشياً ، بل كان الروح النابضة والمحور الأساسي للمؤسسات العلمية الكبرى . ففي مدارس قرطبة بالأندلس ، وفي الأزهر الشريف حاملاً السند العلمي الموثوق عبر القرون ، وفي بغداد ودمشق وسمرقند حيث اجتمع على يديه الشرع والعقل ، أثبت المعلم دوره الريادي . ومن تلك الحاضنات تخرج بفضل معلميها فلاسفة عظام كابن رشد ، ومؤرخون كابن خلدون ، إلى جانب حضور بارز لمعلمات فاضلات أثرين مسيرة العلم أمثال الشفاء بنت عبدالله وأم الدرداء رضي الله عنهن .
المعلم في الذاكرة : ( المعلم الشامل ) ومصلح المجتمع :
حين نستحضر صورة المعلم في عقودنا القريبة ، نتذكر ذلك ( المعلم الشامل ) ، لم يكن مجرد ملقن لمادة دراسية محددة ، بل كان مصلحاً اجتماعياً ودينياً ، ومرشداً وموجهاً ، وداعياً للخير ومربياً فاضلاً يلتف حوله المجتمع بأسره . كان وقاره يسبقه ، وكلمته مسموعة ، وحضوره يعكس ضمير الحي والقدوة التي تهتدي بها الأجيال ، حيث كانت رسالته تتماهى مع نبض الأسرة والحي والمجتمع في آن واحد .
واقع المعلم اليوم : بين التحديات ونداء الضمير :
مع أسف شديد وحرقة في القلب ، فإننا نرى واقعاً مقلقاً يعيشه المعلم في الأردن بشكل خاص والوطن العربي بشكل عام ، إذ بات يتعرض في بعض الأحيان لتجاوزات وإساءات ، لفظية أو جسدية ، من قِبل بعض الطلبة أو أولياء الأمور الذين غاب عنهم وعي القدر الحقيقي لهذه الرسالة . إن تراجع هيبة المعلم في السنوات الأخيرة واهتزاز صورته الاعتبارية لا يضر بالمدرس وحده ، بل يهدد منظومة القيم برمتها في المجتمع ، وينذر بانعكاسات خطيرة على مخرجات العملية التربوية إذا لم يتم تدارك الأمر بحزم والحكمة .
حين تأتي إلى المدرسة طفلاً لا تعرف حرفاً واحداً ، فتتربى في أحضانه ورعايته وهو بمثابة أب لك أو أكثر يهتم بك ويرعى شؤونك وربما يعرف أشياء عنك لا يعرفها والداك ، ثم تتغير الأحوال ليصبح عرضة للتهكم أو السحرية! إن المعلم يستطيع أن يقتصر على كتابة الدرس ثم يجلس غير مكترث ولن يخسر شيئاً ، بينما تخسر أنت كثيراً ، لكنه يختار بحرصه أن يشرح وينصح ويفعل كل ما هو في صالحك ، ولا ينتظر منك إلا بعض التقدير والاعتراف بالجميل . فأين هو الاحترام والتقدير والتبجيل وأين احترام أهل العلم وأصحابه ؟ هل هو ناتج عن عدم اهتمام الآباء والأمهات أم عن تمرد التلاميذ ؟
المعلم في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي :
في عصر تتوافر فيه المعلومات بضغطة زر وتتدفق فيه المعارف عبر الشاشات ، قد يتوهم البعض أن دور المعلم قد تراجع ، غير أن الواقع يؤكد عكس ذلك تماماً . فبينما تتولى التقنية تقديم المعلومة الخام ، يبرز دور المعلم ليقدم ( النموذج الإنساني والروحي ) في كيفية التعامل معها . إنه الحارس الأمين على لغة الأمة وقيمها الأخلاقية ، وهو الذي يعلم الناشئة كيف يميزون بين الغث والسمين ، وكيف يوظفون أدوات العصر الحديث والذكاء الاصطناعي كأدوات بناء وابتكار ، لا كمصادر للتشتت والذوبان .
النهضة تبدأ من الغرفة الصفية :
إن النهضة الحقيقية للأمم لا تقام على الحجارة وحدها ، بل تبدأ من تلك اللحظة التي يوقظ فيها المعلم جذوة الفضول وشغف المعرفة في عقل طالبه . فالمعلم الذي يعلم أبناءنا كيف يفكرون ، وينتقدون بوعي ، ويبتكرون ، يحدث أثراً ممتداً وعميقاً يختلف كلياً عن مجرد تكديس الأوراق بالمعلومات الملقنة ، فالأول يبني حضارة متكاملة ، بينما الثاني يستهلك الوقت والمكان .
نحو استعادة الهيبة وتمكين حقيقي للمعلم :
إن إعادة الاعتبار للمعلم وهيبته السابقة ليست رفاهية تربوية ، بل هي ضرورة وطنية قصوى . ولتحقيق ذلك ، لابد من خطوات عملية وجادة نوجزها فيما يلي :
1 ) تشريعات صارمة وحامية : سن قوانين رادعة تجرم أي تطاول أو إهانة بحق المعلم ، وتعتبر الاعتداء عليه اعتداءً على هيبة الدولة ومستقبل أجيالها .
2 ) شراكة حقيقية مع الأسرة : إعادة بناء جسور الثقة والاحترام بين البيت والمدرسة ، وتأكيد دور الأسرة في غرس احترام المعلم في نفوس الأبناء .
3 ) التمكين المادي والمعنوي : تحسين الأوضاع المعيشية والوظيفية للمعلم ليحيا عزيز النفس متفرغاً لرسالته السامية دون ضغوط الحياة .
4 ) الاعتبار المجتمعي : إبراز دور المعلم الإعلامي والمجتمعي ، وإعادة سيرته العطرة كـ ( مصلح ومربٍ شامخ ) .
بطاقة تحية وفاء واعتزاز من الميدان التربوي :
ومن قلب الغرفة الصفية ، وفي خضم هذه الرسالة التي نحمل أمانتها بكل صدق وإخلاص ، أتوجه أنا الأستاذ ( قيصر صالح الغرايبه ) ، كمعلم وممارس للعمل التربوي والإشرافي ، بتحية قلبية عميقة وخالصة إلى كل زميلة وزميل في ميادين العطاء بلا حدود ، إلى جنود المجد وصانعي الأمل في صفوف الدراسة بمختلف تخصصاتهم ومواقعهم .
أقول لكم : طوبى لتعابير وجوهكم التي تضيء عقول الناشئة ، وطوبى لخطواتكم المتعبة التي تبني أمجاد الوطن . أنتم العنوان الأبقى لكل رقي ورفعة ، وبكم تظل بوصلة المستقبل مستقيمة نحو النور . دمتم ودام عطاؤكم شمعةً لا تنطفئ ، وكل عام وأنتم بألف خير .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم .
- 2 ) الإمام أبو حامد الغزالي ، ( إحياء علوم الدين ) ، كتاب العلم ، دار المعرفة ، بيروت .
- 3 ) ابن خلدون ، ( مقدمة ابن خلدون ) ، فصل في أن التعليم في الناس من الئلج ، دار القلم ، بيروت .
- 4 ) أحمد شوقي ، ( الشوقيات ) ، ديوان الشعر العربي ، دار الهلال ، القاهرة .
- 5 ) المنظمة العربية للثقافة والعلوم ، تقارير دورية حول واقع المعلم العربي وسبل تمكينه .
- 6 ) جون ديوي ، ( الديمقراطية والتربية : مقدمة في فلسفة التربية ) ، ترجمة متحفظة للأبعاد الإنسانية في التعلم العملي .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.