يتناول هذا المقال ، رؤية المؤرخ أرنولد توينبي الفلسفية حول الحضارة الغربية ومصيرها في ضوء نظرية التحدي والاستجابة والسجل التاريخي للعنف والانتشار الحضاري .

رؤية أرنولد توينبي للحضارة الغربية : فلسفة التاريخ بين التحدي والمصير

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُعدّ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي ( 1889 - 1975 م ) أحد أبرز فلاسفة التاريخ في القرن العشرين ، وشغلت الحضارة الغربية الحديثة مساحة واسعة من تحليلاته في موسوعته الضخمة " دراسة في التاريخ " ( A Study of History ). فعلى عكس المعاصرين الذين نظروا إلى مصير الغرب بحتمية مظلمة ، تبنى توينبي رؤية أكثر مرونة تقوم على مبدأ الحرية الإنسانية والقدرة على الاستجابة للتحديات .

​أولاً : جوهر التاريخ ونظرية " التحدي والاستجابة "

​لا ينظر توينبي إلى التاريخ باعتباره مجرد سرد عشوائي لوقائع وأحداث سياسية أو عسكرية منفصلة ، بل يراه مسرحاً فسيحاً تتصارع وتتفاعل فيه " الحضارات " كوحدات كبرى للتحليل .

​ويُعد كتاب " مختصر دراسة للتاريخ " عملاً موسوعياً يقدم نظرة شاملة حول نشوء الحضارات وارتقائها وانهيارها ، من خلال منهج تحليلي يركز على المجتمعات الحضارية بدلاً من الدول القومية ، ليستند إلى مفهوم " التحدي والاستجابة " بوصفه الآلية الأساسية لتطور الحضارات . ويمثّل هذا الطرح منعطفًا في فلسفة التاريخ ومؤلفًا أساسياً في دراسات التاريخ المقارن وفلسفة الحضارة .

​أبرز محاور العمل الموسوعي :

​1 ) نشوء الحضارات ( " التحدي والاستجابة " ) :

يرى توينبي أن الحضارات لا تنشأ في بيئات مريحة بل في ظل صدمات أو تحديات كبيرة ( جغرافية ، اجتماعية ، نفسية ) ، ويكون رد الفعل تجاه هذه التحديات على نمطين :


​2 ) مقياس النمو الحضاري ( التحقيق الذاتي ) :

يربط توينبي تطوّر الحضارات بمفهوم الدفع الحيوي ( Elan Vital ) لدى الأفراد والمجتمعات ، ويعتبر أن الحضارة تنمو بقدر ما تتجه نحو تحقيق ذاتها عبر أفراد مبدعين ومُلهمين ، واستجابة الجماهير لهم عبر آلية " المحاكاة " ( Mimesis ) ، وهي محاكاة تختلف طبيعتها بين المجتمعات البدائية ( نحو الماضي ) والمتحضّرة ( نحو المستقبل ) .

​3 ) تقسيم الحضارات :

يُحصي توينبي 21 حضارة ظهرت في التاريخ ، اندثرت غالبيتها ، ولم يتبقَّ منها سوى :


​4 ) الانهيار والتحجّر :

يرى أن انهيار الحضارات لا يكون بسبب تدخل خارجي ، بل نتيجة عجز داخلي عن الاستجابة للتحديات الجديدة ، ما يؤدي إلى " تحجرها " وتفسخ وحدتها الداخلية ، وفقدان الأقلية الحاكمة لقدرتها الإبداعية وولاء الأغلبية .

​ثانياً : أزمات الحضارة الغربية ومخاطر الانهيار

​حذر توينبي من أن القوة المادية الهائلة للغرب تخفي تحتها أزمات هيكلية تهدد مصيره ، أبرزها :


​ثالثاً : السجل التاريخي ومسار العنف في الحضارة الغربية

​في سياق التحليل النقدي لمسار الحضارات وسلوك القوى المهيمنة ، يُشار إلى التقييمات التاريخية التي تطرح رؤى نقدية حادة تجاه مسار الحضارة الغربية وصراعاتها الدموية المتعاقبة مقارنة بنماذج الانتشار الحضاري الأخرى :

1 ) الاستعمار والإبادات القارية : شهدت عصور التوسع الغربي إبادات واسعة ، فعند دخول الأوروبيين إلى قارتي أمريكا الشمالية أبادوا عشرات ملايين الهنود الحمر ، وفي أمريكا الجنوبية أبادوا مئات الملايين من سكانها الأصليين ( مثل حضارات المايا والأزتيك ) ، كما أباد الاستعمار البريطاني سكان أستراليا الأصليين . وفي المقابل ، يُساق نموذج الانتشار الإسلامي في شرق آسيا ( مثل إندونيسيا وماليزيا وجنوب الفلبين ) كدليل على دخول الإسلام عبر الأخلاق والتجار دون إرسال جندي واحد ، لتصبح إندونيسيا أكبر بلد إسلامي يضم نحو ثلاثمائة مليون مسلم .

2 ) حروب العصر الحديث والتدخلات العسكرية : خلّفت النزاعات والتدخلات الكبرى ضحايا بالملايين من المدنيين الأبرياء ، مثل ضحايا التدخلات الأمريكية في العراق وأفغانستان ، وما رافقها من تحولات سياسية ، فضلاً عن إبادة فرنسا لنحو مليوني جزائري ، وسقوط ملايين الضحايا المدنيين في كوريا وفييتنام خلال القرن الماضي .

3 ) التباين الأخلاقي في الحروب التاريخية : يبرز في الأدبيات التاريخية مقارنات دلالية صارخة ، فمن جهة ، أسفر دخول الصليبيين إلى القدس عام 1099 م عن إبادة شاملة لسكانها ، بينما تميز فتحها لاحقاً بقيادة صلاح الدين الأيوبي عام 1187 م بالحفاظ على أرواح المدنيين . ومن جهة أخرى ، حصدت الصراعات البينية الأوروبية المدمرة — كالحروب العالمية ومثلها حرب الثلاثين عاماً ( 1618 م - 1648 م ) التي مزقت أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت وأدت لإبادة ربع سكان القارة — أعداداً هائلة من الأرواح في صراعات داخلية بحتة .

​رابعاً : منظور توينبي الشامل وإنصاف الحضارات الشرقية

​تميز مشروع توينبي بتجاوزه للمركزية الأوروبية التي تحتكر التاريخ ، إذ رفض اعتبار التاريخ البشري مجرد مقدمة للحضارة الغربية ، وذكّر العالم بأن شعوب الشرق لها تاريخها العريق والمستقل . كما ربط توينبي فلسفته كلياً ببعد ديني وروحي وأخلاقي ، معتبراً أن الديانات الكبرى هي رسائل متسقة تهدف إلى تحقيق وحدة البشرية ، وأن " القيم النبوية " وحدها هي التي تستطيع إنقاذ الإنسان المعاصر من غواية المادية وتجريد التكنولوجيا له من إنسانيته .

​خامساً : مصير الحضارة الغربية ( بين الإمكان والحتمية )

​خلافاً للرؤى التشاؤمية المطلقة ( مثل أوزوالد شبنغلر ) ، لم يعتبر توينبي زوال الحضارة الغربية أمراً حتمياً . فمصيرها يظل مفتوحاً وغير محسوم ، إذ يتوقف كلياً على قدرة قادتها ونخبها على تصحيح المسار ، وتجاوز النزعة الاستعمارية ، وتقديم استجابات خلاقة ومتجددة للتحديات المعاصرة من خلال حوار حقيقي مع ثقافات العالم وأديانه ، وعدم الركون إلى الماضي أو التجمّد عند مرحلة معينة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع
  2. ​1 ) Encyclopædia Britannica . Arnold J. Toynbee: British Historian .
  3. 2 ) **Toynbee , Arnold J. ** A Study of History ( 12 Volumes ) . Oxford University Press .
  4. 3 ) توينبي ، أرنولد . مختصر دراسة التاريخ . ترجمة : فؤاد محمد شبل . القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب .
  5. 4 ) شلبي ، السيد أمين . مؤرخ الحضارات أرنولد توينبي الذي أنصف الحضارات الشرقية . مجلة شؤون عربية .
  6. 5 ) الخالدي ، صلاح عبد الفتاح . أرنولد توينبي : دراسة في فلسفته للتاريخ .
  7. 6 ) بدوي ، عبد الرحمن . فلسفة التاريخ . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر .
  8. 7 ) مطر ، أميرة . فلسفة التاريخ . القاهرة : دار الشروق .