يستعرض هذا المقال ، مسيرة الأردن التاريخية والحضارية عبر العصور المختلفة ، مع التركيز على أسماء الملوك والحكام والولاة الذين حكموا البلاد منذ العصور القديمة وحتى العهد الهاشمي المزدهر .

ذاكرة العرش والوطن : ملوك وحكام وولاة شرق الأردن عبر التاريخ

بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يحتل الأردن موقعاً جغرافياً استراتيجياً فريداً جعل منه جسراً راسخاً ومقراً مضيئاً لحضارات إنسانية متعاقبة ، وواحة التقاء لطرق التجارة العالمية والحضارات العريقة . إن استعراض مسيرة الحكم والملوك والولاة الذين سطروا تاريخ هذه البلاد عبر العصور يكشف عن إرث سياسي وحضاري متواصل ؛ فلم يكن الأردن مجرد ممر عابر ، بل كان مستقراً لدول وممالك صنعت حضارات شامخة تركت بصماتها الواضحة على صفحات التاريخ الإنساني .

​أولاً : الممالك الأردنية القديمة

​تميزت هذه الممالك بإنجازات شاملة في شتى المجالات السياسية الاقتصادية والعمرانية ، وقد كانت ركيزة أساسية في بناء الدولة الأردنية بعيداً في عمق التاريخ :

​1 ) المملكة الأردنية الأدومية ( 2000 ق . م - 500 ق . م ) :

​تمتاز هذه المملكة بإنجازات حضارية بارزة شملت تأسيس نظام حكم ملكي مستقر ، وتطوير أنظمة الري الموضعي ، واستخراج وتعدين النحاس ، وإقامة القلاع والحصون لحماية طرق التجارة .

  1. المجال السياسي والعسكري : تأسيس نظام حكم ملكي مستقر وتشييد سلسلة من الحصون والقلاع العسكرية الاستراتيجية على طول المرتفعات الشرقية ووادي عربة لحماية الحدود وتأمين الطرق .
  2. المجال الاقتصادي ( زراعة ، صناعة ، تجارة ) : برعوا في استخراج وتعدين النحاس وصناعته في مناطق فينان وخربة البصيرة ، والسيطرة على مقاطع تجارية حيوية لطريق البخور والتوابل القادم من شبه الجزيرة العربية ، وتطوير أنظمة الري الموضعي والزراعة المعتمدة على الأمطار .
  3. المجال الفني والعمراني : تطوير فنون الفخار الأدومي المميز وبناء المدن الحجرية المنظمة والمراكز الإدارية الحصينة .
  4. الملوك الأبرز : أ ) حدد بن بدد ب ) قوس جبر ت ) قوس ملك ث ) عيار - عمو ج ) بالع بن بعور ح ) يوباب بن زارح خ ) حوشام د ) صملة ذ ) شاول أدوم ر ) بتل حنان بن عكبور

​2 ) المملكة الأردنية المؤابية ( القرن 13 ق . م - القرن 4 ق . م ) :

​تمتاز هذه المملكة بإنجازات حضارية بارزة شملت بناء كيان سياسي قوي مستقل ، وتوثيق المنجزات عبر مسلة الملك ميشع ، وازدهار الزراعة في السهول الهضبية ، وتأسيس العواصم الحصينة .

  1. المجال السياسي والعسكري : بناء كيان سياسي قوي ومستقل واجه القوى الإقليمية المجاورة باقتدار ، ووثق ملوكها هذه الإنجازات في النقوش التاريخية الخالدة ( مثل مسلة الملك ميشع التي تُعد وثيقة سياسية ولغوية نادرة ) .
  2. المجال الاقتصادي ( زراعة ، صناعة ، تجارة ) : ازدهار النشاط الزراعي في السهول الهضبية الخصبة ( منتجات الكروم والقمح وشق القنوات الزراعية ) ، والنشاط التجاري والصناعي المتمثل في صناعة الفخار المتقدم والمنسوجات .
  3. المجال الفني والعمراني : إقامة العواصم والمدن المحصنة مثل ذيبان وقير حارسة ( الكرك ) ، وتطوير أساليب النحت والعمارة الحجرية المبكرة والنقش المكتوب .
  4. الملوك الأبرز : أ ) بالاق بن صفور ب ) عجلون ت ) كموش ياتي ث ) ميشع ج ) سلمانو ح ) موسوري خ ) كموش ناداب

​3 ) المملكة الأردنية العمونية ( القرن 13 ق . م - القرن 4 ق . م ) :

​تمتاز هذه المملكة بإنجازات حضارية بارزة شملت اتخاذ ربة عمون عاصمة منيعة ، وتطوير الأنظمة الهندسية لجمع المياه كالأنفاق والسدود ، وإبداع فن النحت العموني الفريد والأختام .

  1. المجال السياسي والعسكري : اتخاذ ربة عمون عاصمة منيعة ذات تنظيم إداري وسياسي متطور ، وبناء الأبراج الدفاعية والأسوار الحجرية الضخمة .
  2. المجال الاقتصادي ( زراعة ، صناعة ، تجارة ) : السيطرة الفاعلة على طرق التجارة الدولية والمحلية المحاذية للبادية ، وتطوير الأنظمة الهندسية لجمع المياه ( السدود والبرك والأنفاق الصخرية العملاقة ) لدعم الزراعة المحلية .
  3. المجال الفني والعمراني : إبداع فن النحت العموني الفريد ( مثل تماثيل الحجارة والتماثيل البرونزية ذات الطابع المتميز ) وفنون الزخرفة على الأختام والأواني .
  4. الملوك الأبرز : أ ) ناحاش ب ) حانون ت ) بعشا ث ) سانييبو ج ) بودو ايل ح ) عمي ندب ( الأول ) خ ) زاكور د ) يرد عزر ذ ) عمي ندب ( الثاني ) ر ) بودو ايل ( الثاني )

​ثانياً : العصور الكلاسيكية ( الأنباط والغساسنة )

​شهد الأردن أزهى عصور الازدهار والتأثير الإقليمي في شتى المجالات الاقتصادية والفنية والسياسية :

​1 ) المملكة الأردنية النبطية ( 312 ق . م - 106 م ) :

​تمتاز هذه المملكة بإنجازات حضارية بارزة شملت نحت مدينة البترا الوردية ، وابتكار نظام هندسي وزراعي لجمع المياه في الصحراء ، والسيطرة على طرق التجارة العالمية وسك العملات .

  1. المجال السياسي والعسكري : تكوين إمبراطورية تجارية وعسكرية كبرى امتدت من جنوب الشام وصحراء النقب وشبه جزيرة سيناء وحتى شمال الحجاز ، وفرض هيبة سياسية دولية مع القوى الكبرى المجاورة .
  2. المجال الاقتصادي ( زراعة ، صناعة ، تجارة ) : سك العملات النبطية المستقلة ، السيطرة التامة على طرق التجارة العالمية القديمة ( طريق البخور والتوابل ) ، وابتكار نظام هندسي وزراعي عبقري لجمع المياه وتخزينها في صهاريج وقنوات صخرية فريدة وسط الصحراء القاحلة لاستصلاح الأراضي الزراعية .
  3. المجال الفني والعمراني : إنجاز معجزة نحت مدينة البترا الوردية في الصخور الصلبة وتشييد الواجهات المعمارية الكلاسيكية المذهلة ، وإبداع الخط النبطي الأصيل الذي يُعد الأساس الذي تطور عنه الخط العربي المبين .
  4. الملوك والملكات الأبرز : أ ) الحارث الأول ب ) الحارث الثاني ت ) عبادة الأول ث ) رب إيل الأول ج ) الحارث الثالث ح ) عبادة الثاني خ ) مالك الأول د ) عبادة الثالث ذ ) الحارث الرابع ر ) الملكة شقيلا ( أو شقيلات الأولى والثانية ) ز ) الملكة جميلة س ) مالك الثاني ش ) رب إيل الثاني

​2 ) المملكة الأردنية الغسانية ( 220 م - 638 م ) :

​تمتاز هذه المملكة بإنجازات حضارية بارزة شملت تشكيل قوة عربية مانعة لحماية الحدود ، ورعاية الأدب والشعر العربي في مجالسهم العامرة ، وبناء القصور والقلاع المزخرفة .

  1. المجال السياسي والعسكري : تشكيل قوة عربية مانعة وحصناً سياسياً وعسكرياً حامياً للحدود الشمالية والشرقية لبلاد الشام وشمال الأردن ، وتنظيم الإدارة العسكرية والقبائل بمهارة فائقة .
  2. المجال الاقتصادي ( زراعة ، صناعة ، تجارة ) : ازدهار النشاط الزراعي والتجاري في حوران والجولان وشمال الأردن وبصرى ، وتطوير الصناعات الحرفية والنسيجية وإدارة القوافل التجارية .
  3. المجال الفني والثقافي : رعاية الأدب والشعر العربي الخالد ( حيث فتحوا مجالسهم العامرة لكبار شعراء العرب مثل النابغة الذبياني وحسان بن ثابت وغيرهم ) ، وبناء القصور والقلاع الحضرية المزخرفة والمنشآت المعمارية المتقنة .
  4. الملوك الأبرز : أ ) الحارث بن جبلة ب ) أبو كرب المنذر بن الحارث ت ) النعمان بن المنذر ث ) الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر ج ) الحارث الأعرج بن الحارث الأصغر ح ) أبو حجر النعمان خ ) عمرو بن جبلة ( أو عمرو الثالث بن الحارث ) د ) حجر بن النعمان ذ ) جبلة بن الأيهم

​ثالثاً : العصور الإسلامية ( ولاة وزعامات تاريخية )

​منذ الفتح الإسلامي وحتى نهاية العهد العثماني ، تعاقب على شرق الأردن ولاة مميزون وزعامات حاولت الاستقلال أو التمتع بإدارة ذاتية ، مما عكس طبيعة المنطقة الاستراتيجية :

​1 ) عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية :

  1. أبرز الولاة : شرحبيل بن حسنة ، يزيد بن أبي سفيان ، معاوية بن أبي سفيان .
  2. طبيعة الحكم : تحول الأردن إلى معسكر متقدم وقاعدة صلبة للدولة الإسلامية ، مع تمتع القبائل المحلية باستقلالية نسبية في إدارة شؤونها الداخلية .

​2 ) الدولة العباسية والعصور الطولونية والإخشيدية :

  1. أبرز الولاة : صالح بن علي العباسي ، أحمد بن طولون ، محمد بن طغج الإخشيد .
  2. طبيعة الحكم : تبعية للعواصم المركزية مع بروز حركات قبلية استقلالية في مناطق البادية والجنوب رفضاً للضرائب .

​3 ) العصر الفاطمي والقرامطة :

  1. أبرز الزعامات : الأمير حسن بن الجراح ، وبنو جراح وبنو فضل .
  2. طبيعة الحكم : تميزت بنزعة استقلالية قبلية خالصة ومقاومة للمحاولات المركزية للولاة .

​4 ) العصر الأيوبي والمملوكي :

  1. أبرز الحكام : المعظّم عيسى بن العادل ، الملك الناصر داود ( صاحب الكرك الأيوبي الذي أعلن استقلال إمارته عن دمشق والقاهرة ) ، الظاهر بيبرس .
  2. طبيعة الحكم : نهضة عسكرية كبرى ، وبروز الكرك كمركز لإمارة مستقلة لفترة تاريخية هامة .

​5 ) العصر العثماني ونهاية الحكم العربي ( من السيطرة المركزية إلى الحكومات المحلية ) :

  1. في بدايات العصر العثماني ( القوة والسيطرة المركزية ) : خضعت منطقة شرق الأردن بصورة مباشرة لولاية سوريا ( دمشق ) ، وتميزت الدولة بفرض سيطرتها الإدارية والعسكرية وحماية طرق الحج الشامي عبر ولاة وقادة عسكريين مرسلين من دمشق وإسطنبول .
  2. أعقاب الحرب العالمية الأولى والحكومة العربية الفيصلية : بعد خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1918 م ، تشكلت الحكومة العربية الفيصلية في دمشق بقيادة الملك فيصل بن الحسين ، والتي خضع لها الأردن لمدة سنتين . وانتهت هذه الحكومة عندما تقدمت قوة عسكرية فرنسية في شهر تموز عام 1920 م وخاضت معركة ميسلون غير المتكافئة ، والتي أسفرت عن خسارة الجيش للحكومة العربية واستشهاد قائد الجيش وزير الحربية في الحكومة العربية الفيصلية الشهيد البطل يوسف العظمة ، مما أدى إلى إسقاط الحكومة العربية الفيصلية وخضوع سوريا للانتداب الفرنسي .
  3. فترة الحكومات المحلية في شرقي الأردن ( 1920 - 1921 م ) : شُكّلت في شرقي الأردن بين عامي 1920 و1921 م ، قبيل قدوم الأمير عبد الله بن الحسين وتأسيس إمارة شرق الأردن ، تسع حكومات محلية ذات استقلال ذاتي إداري بجهود أهلية ودعم من ضباط عرب لملء الفراغ السياسي بعد سقوط الحكومة العربية في دمشق ، ومن أبرزها :
  4. حكومة قضاء عجلون ( إدارة إربد ) : مركزها إربد ، برئاسة علي خلقي الشرايري .
  5. حكومة قضاء الكرك : مركزها الكرك ، برئاسة رفيفان المجالي .
  6. حكومة الكورة المحلية : في منطقة الكورة ، برئاسة نجيب عبد القادر الشريدة .
  7. حكومة السلط المحلية : برئاسة مظهر رسلان .
  8. حكومة الطفيلة : برئاسة صالح عمران .
  9. حكومة جرش المحلية : برئاسة فرع كايد العتوم .
  10. حكومة الرمثا المحلية : برئاسة ناصر السحيم .
  11. حكومة الوسطية : في منطقة عجلون ، برئاسة ناجي مزيد العزام .
  12. إدارة العقبة وما حولها : تشكيلات جنوبية أخرى مرتبطة بالثورة .

​رابعاً : العصر الحديث - المملكة الأردنية الهاشمية

​انطلق العصر الهاشمي المزدهر لتأسيس الدولة الأردنية الحديثة ، محققاً إنجازات تاريخية في كافة المجالات :

​1 ) الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين ( 1921 م - 1951 م ) :

​يمتاز هذا العهد بتأسيس إمارة شرق الأردن وبناء الهياكل الدستورية وإعلان الاستقلال .

  1. المجالات : التأسيس السياسي ، بناء الأطر الدستورية ، الدفاع عن فلسطين .

​2 ) الملك طلال بن عبد الله ( 1951 م - 1952 م ) :

​يمتاز هذا العهد بإصدار الدستور الأردني المتقدم وإقرار إلزامية التعليم .

  1. المجالات : الدستور والتشريعات الديمقراطية ، ثورة التعليم .

​3 ) الملك الباني الحسين بن طلال ( 1952 م - 1999 م ) :

​يمتاز بنهضة شاملة وتعريب قيادة الجيش وبناء بنية تحتية متكاملة .

  1. المجالات : السيادة الوطنية ، النهضة العمرانية والصناعية ، المنظومة الصحية والتعليمية .

​4 ) الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ( المعزز ) ( 1999 م - الحاضر ) :

​يمتاز بمواصلة التحديث الشامل والتحول الرقمي والدفاع عن المقدسات .

  1. المجالات : الإصلاح السياسي ، الاقتصاد التكنولوجي ، الوصاية الهاشمية على المقدسات .

​إن هذا التسلسل التاريخي هو تجسيد لروح الاستمرارية التي تميزت بها هذه الأرض . إن الأردن بملوكه وولاته وعشائره قد أثبت دائماً جدارته كمركز إشعاع حضاري ، وظل العهد الهاشمي التتويج الأسمى لهذا التاريخ ، يوازن بين أصالة التراث ومتطلبات الحداثة ليبقى الأردن واحة أمن واستقرار .


قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) هند أبو الشعر ، العبور إلى المستقبل في كتابة تاريخ الأردن : نظرة في المصادر والتوثيق ، مجلة أفكار ، وزارة الثقافة ، عمّان ، 2026 م .
  3. 2 ) محمد عدنان البخيت ، تاريخ الأردن العصور القديمة ، منشورات الجامعة الأردنية ، عمّان ، 1990 م .
  4. 3 ) بيك باشا ، تاريخ شرق الأردن وقبائلها ، ترجمة تاريخية معتمدة ، عمّان ، 1935 م .
  5. 4 ) سليمان موسى ، تاريخ الأردن في القرن العشرين ، دار أمانة العاصمة ، عمان ، 1988 م .
  6. 5 ) محمد وهيب ، الآثار والتراث الحضاري في الأردن : الممالك الأردنية القديمة ( الأدومية والمؤابية والعمونية ) ، دار الجليل للنشر ، عمان ، 2005 م .
  7. 6 ) صلاح الدين لحام ، حضارات بلاد الشام في العصور القديمة : دراسة تاريخية وأثرية لتاريخ شرق الأردن ، دار البيروني للنشر ، عمان ، 2012 م .
  8. 7 ) زياد المومني ، الأردن في العصور القديمة : دراسات في تاريخ الممالك الوطنية ( موآب ، عمون ، أدوم ) ، الأكاديميون للنشر والتوزيع ، عمان ، 2018 م .
  9. 8 ) سلطان ماضي الكبيسي ، تاريخ الأردن وجنوب الشام في العصور القديمة والوسطى ، دار الفكر للطباعة والنشر ، عمان ، 2010 م .