تُجسّد بلدة حوارة إرثاً عريقاً في سهل حوران ، وتُعد منارة علمية وحاضنة قضائية وتاريخية عبر مختلف العصور الإسلامية والعثمانية .

حوارة / إربد : منارة العلم وحارسة القضاء في سهل حوران

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تستوقف المطلعَ على تاريخ جنوب بلاد الشام ظاهرةٌ لافتة ، ففي الوقت الذي عصفت فيه الصراعات والتحولات السياسية بقرى بأكملها ، ظلت بلدة حوارة محتفظة بأصالتها الحضارية والعلمية ، ويؤكد الرحالة والمؤرخون أن حوارة كانت من القرى التي لم ينقطع فيها الأذان ولا العلم حتى في أصعب الظروف السياسية ، بفضل تماسك أسرها العلمية ووقوعها في قلب سهل حوران .

​ومع تكرار اسم « حوارة » في التراجم والمحفوظات التاريخية ، تبرز تساؤلات جوهرية حول التحقيق المكاني للعلماء المنسوبين إليها ، وتمايزها عن البلدات الأخرى التي تحمل ذات الاسم ، فضلاً عن رصد إرثها التوثيقي وأبرز أعلامها وفقهاء إقليم حوران الممتد تاريخياً من دمشق وحتى نهر الزرقاء .

​الجذور العميقة .. الأدلة على أن حوارة معمورة منذ أقدم الأزمان :

​لقد تشكلت البنية التاريخية والحضارية لبلدة حوارة عبر مسار متصل من الاستقرار البشري والزراعي والاجتماعي ، وتتكامل أدلة عراقتها وفق تسلسل منطقي يبدأ من الطبيعة وينتهي بالوثائق والسجلات الرسمية :

​1 ) سبب التسمية ودلالاتها اللغوية والتاريخية : تُشتق كلمة حوارة من أصل سرياني أو سامي قديم تعني البياض أو الأبيض ، وتبرز أبرز أسباب التسمية في النقاط الآتية :

​طبيعة التربة : سُميت بذلك نسبةً إلى انتشار التربة الكلسية البيضاء الناعمة في أراضيها ، والتي تُعرف في اللهجة العامية باسم " الحُوَّر " ، وهو بياضها الناصع المتناغم مع حمرة ترابها الأصيل وصخورها الفاتحة .

​جودة القمح : تُعرف البلدة قديماً بـ " كوارة القمح " لغزارة وجودة قمحها وأرضها الزراعية الخصبة التي تنتج الدقيق الأبيض الناعم .

​اللغات السامية : في الآرامية تعني " أبيض كالثلج " ، وفي العبرية تعني " أبيض " ، وفي اللغة العربية يأتي من الحور وهو البياض .

​2 ) خصوبة التربة ووفرة الموارد المائية : تميزت البلدة بطبيعتها الزراعية الخصبة للغاية ووفرة مصادر المياه فيها ، سواء من هطول الأمطار الموسمية الغزيرة أو اعتماد نظام تجميع مياه الأمطار والحصاد المائي في الآبار وبركتها الصخرية القديمة التي بقيت قائمة حتى العقد السادس من القرن العشرين ، مما جعلها بيئة استقرار زراعي غنية تجذب السكان والمجتمعات العمرانية منذ القدم .

​3 ) الموقع الاستراتيجي والقرب من الحواضر الكبرى : قرب البلدة المباشر من المراكز العمرانية والتاريخية الرئيسية ، وفي مقدمتها مدينة إربد ( حيث تقع على مسافة نحو 4 كم شرقها ، على دائرة عرض 32.534930 شمالاً وخط طول 35.906407 شرقاً ) ، جعل منها نقطة ارتكاز حاضرة ومتصلة بالحركة التجارية والسياسية والسكانية للإقليم .

​4 ) البقايا الأثرية والتنقيبات المستمرة : أسفرت التنقيبات الأثرية المستمرة في مواقع مختلفة من البلدة عن اكتشاف لقى ومدافن أثرية تعود للعصور الكلاسيكية ( الرومانية والبيزنطية ) ، فضلاً عن موقع " ظهر المُغر " ( سطح الكهوف ) في شرق البلدة بوصفه مقبرة ومستوطنة قديمة .

​5 ) المعالم العمرانية والنقوش التاريخية : يؤكد ما تبقى من المنازل القديمة والنقوش المتفرقة أن هذه الأرض كانت مسكونة وعامرة بالحياة عبر مختلف الحقب المتعاقبة .

​6 ) شهادات الرحالة والمستكشفين الأوروبيين : وثق الرحالة والمستكشفون الذين زاروا المنطقة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مشاهداتهم عن سهولها الواسعة ، وبيوتها الحجرية التقليدية ، وبعض آثارها الظاهرة ، ومن أبرزهم : يوهان لويس بيركهارت ( سويسري ، زارها عام 1812 م ) ، وجيمس سيلك بكنغهام ( إنجليزي ، زارها عام 1816 م ) ، وغوتليب شوماخر ( ألماني/أمريكي ، زارها عام 1885 م ) ، والدكتور سيلاه مرل ( أمريكي ، زارها عام 1876 م ) ، ولورنس أوليفانت ( إنجليزي ، زارها عام 1879 م ) ، وإدوارد روبنصون ( أمريكي ، زارها عام 1852 م ) ، وستيوارت أرسكين ( إنجليزي ، زارها عام 1924 م ) .

​7 ) الوثائق الرسمية ودفاتر الطابو العثمانية : تتوج المصادر المادية بالسجلات الإحصائية الرسمية التي أثبتت أن حوارة لم تكن خربة مهجورة بل قرية مستقرة ومنظمة ، ومنها :

​دفتر طابو رقم ( 401 ) لعام 950 هـ / 1543 م : وثق تبعيتها لناحية " بني جهمة " ، وأثبت وجود إحدى عشرة خانة ( أسر مأهولة ) وإمام مسجد ، مع تفصيل ضرائب الحنطة والشعير والمواشي .

​دفتر طابو رقم ( 99 ) لعام 1005 هـ / 1596 م : سجلها في قضاء حوران ضمن زعامة " قاسم مردم حسن باشا " التابعة لناحية بني جهمة في لواء حوران ( وحملت الرقم 44 في جداول السجلات ) ، وبلغ عدد سكانها 21 أسرة و11 أعزب ( بإجمالي تقديري يبلغ نحو 116 نسمة وفق القاعدة الإحصائية لمتوسط 5 أفراد للأسرة مضافاً إليهم العازبون ) ، ودفعت ضرائب قُدرت بـ 3000 آقجة معظمها من إنتاج القمح .

​8 ) الاستمرارية الدينية والعلمية الموثقة : إن بقاء ذكر المساجد ، والأذان ، والأئمة ، وقضاة الفرائض فيها طوال العصور الإسلامية ، كما ثبت في كتب التراجم والمحاكم الشرعية ، يعد الدليل الأقطع على استقرار الحياة الاجتماعية والعمرانية فيها ، إذ لا تنشأ المحاكم ولا تستقر الأسر العلمية إلا في بلدات عامرة ذات عمق حضاري راسخ .

​التحقيق المكاني والجغرافي .. أين تقع " حوارة " المقصودة ؟

​تعني كلمة حوارة في المعاجم المكانية العربية التربة البيضاء الناعمة ، وهو ما أدى إلى تشابه الأسماء بين عدة بلدات في بلاد الشام ، مثل :

​1 ) حوارة ( إربد - الأردن ) : الضلع البارز في سهل حوران الأردني .

2 ) حوارة ( نابلس - فلسطين ) : بلدة تاريخية معروفة في الضفة الغربية .

3 ) حوارة ( مأدبا - الأردن ) : قرية ريفية صغيرة تتبع للبلقاء .

​لمن تنسب الأسماء العلمية التاريخية ؟

​تؤكد القرائن الإدارية والتاريخية في العصور الإسلامية ( المملوكية والعثمانية ) أن العلماء والأسر القضائية المذكورة في المصادر تنتمي حصراً إلى حوارة / إربد ، نظراً لتبعيتها الإدارية المباشرة لدمشق عبر ناحية " بني جهمة " ، وخلو سجلات القرى الأخرى من حواضر التدريس الكبرى التي أتاحت لأبنائها الارتحال نحو دمشق والقاهرة .

​الحاضنة الكبرى .. حوارة في قلب إقليم " سهل حوران " التاريخي :

​ترتبط عراقة حوارة ارتباطاً وثيقاً بفضائها الجغرافي الواسع ، فلم تكن منعزلة بل كانت تمثيلاً حياً لإقليم حوران ( الممتد من غوطة دمشق وجبل الشيخ شمالاً ، مروراً بسهول درعا والرمثا وإربد ، وصولاً إلى سيل الزرقاء جنوباً ) . وقد شهدت حوران تاريخياً تحولات ديموغرافية وعشائرية عميقة ضمن أيالة الشام ( ولاية دمشق الكبرى ) ، وتميزت بخصوبتها وبكونها سلة غلال بلاد الشام على طريق القوافل الرئيسي .

​وقد انعكست هذه المركزية الجغرافية على طبيعة أهلها من خلال :

1 ) الوقوع على طريق القوافل الرئيسي : قديماً وحديثاً ، إذ ارتبطت البلدة بطريق التجارة والحج الشامي القديم الرابط بين دمشق والجزيرة العربية ، ومع تطور البنية التحتية في العصر الحديث وإنشاء طريق إربد - المفرق / بغداد ، قُسّمت بلدة حوارة إلى جزأين رئيسيين ، شطر شمالي وشطر جنوبي يربطهما هذا الشريان الحيوي .

2 ) التبعية الإدارية لدمشق : مما سهل على أبنائها الالتحاق بالمؤسسات التعليمية الرسمية الكبرى مثل المدرسة الظاهرية والعادلية في دمشق .

3 ) التخصص في علم الفرائض : إذ اشتهر أهلها بالاشتغال بتقسيم التركات والمواريث ، وهو علم دقيق يجمع بين الفقه والرياضيات .

​ثمرة التاريخ .. موسوعة أعلام وعلماء حوارة في العصور الإسلامية :

​امتداداً لهذا الاستقرار العمراني والعمق الجغرافي ، برزت بلدة حوارة تاريخياً كحاضنة علمية في منطقة سهل حوران الأردني ، وخرّجت عدداً من الفقهاء والعلماء الذين نُسبوا إليها بلقب " الحواري " ، واستقروا في حواضر العلم الكبرى كدمشق القاهرة . وقد وثقت كتب التراجم ، وسجلات المحاكم الشرعية ، ودفاتر الطابو هذه الأسماء البارزة التي انحدرت من حوارة ونواحيها الحورانية عبر العصور وفق تسلسل زمني دقيق :

​كتب التراجم والطبقات الإسلامية ( العصور المتوسطة ) :

​الإمام شرف الدين الحواري ( أحمد بن عثمان الحواري الشافعي ) : وُصف في كتب الطبقات بـ " الفقيه الفاضل والأصولي البارع " ، ارتحل إلى دمشق وتولى التدريس في كبرى مدارسها الفقهية ، وظل متمسكاً بلقبه نسبةً إلى بلدته الأصلية .

​الشيخ تقي الدين أبو بكر عبد الرحمن بن فيروز الحواري : ورد ذكره في مدونات المؤرخ الشامي ابن حجي في أحداث سنة 808 هـ / 1405 م ، ويُعد من أعلام حوارة البارزين الذين حافظوا على استمرارية المؤسسات والقضاء الشرعي خلال فترة اجتياح تيمورلنك لبلاد الشام .

​الشيخ الفقيه قاسم بن محيسن الحواري الإربدي ( توفي 764 هـ / 1362 م ) : فقيه شافعي محدّث من علماء سهل حوران ، تحفظ عنه المصادر شغفه بحفظ " المنهاج " ، وتوليه النيابة والتدريس في المدرسة الأتابكية بدمشق ، والقضاء في أذرعات ( درعا ) وكرك نوح .

​الطبيب الفقيه أحمد بن سليمان الحواري الإربدي ( توفي 776 هـ / 1374 م ) : تذكر تراجم دمشق تميزه في الفقه والأصول والأدب إلى جانب معرفته المتقدمة بعلوم الطب ومهرِه في صناعة الشروط وكتابة العقود الفقهية والتداوي .

​القاضي شمس الدين حسن بن أحمد بن أبي بكر الحواري ( توفي 763 هـ / 1361 م ) : عالم بالفقه واللغة والشروط الشرعية ، وُلّي قضاء الحج الشامي ، وكان عارفا بأصول الأحكام وقسمة الفرائض .

​العصر العثماني وسجلات الطابو والمحاكم الشرعية ( القرنان 10 - 11 الهجري / 16 - 17 م ) :

​أسرة " قاضي حوارة " وأبناؤه : أشارت مصادر تاريخية وسجلات المحاكم الشرعية ودفاتر التحرير العثمانية إلى استقلال البلدة بمقر قضائي شرعي مستقل ، وانتقال أبناء هذه الأسرة العلمية ( أبناء قاضي حوارة ) لطلب العلم والتخصص في علوم المواريث ( الفرائض ) في الجامع الأموي بدمشق والجامع الأزهر بالقاهرة ، ووجود لقب " قاضي حوارة " في تلك الحقبة يدل تاريخياً على وجود محكمة شرعية مستقلة وثقل سكاني وعلمي للبلدة .

​الشيخ يحيى بن عبد الله بن محيي الدين الحواري الإربدي ( 847 - 922 هـ / 1466 - 1516 م ) : من أعلام الانتقال بين العصرين المملوكي والعثماني ، ولد في المنطقة وتلقى العلوم الفقهية على يد مشايخ دمشق ، وسُجل في تراجم الشام بلقب " الشيخ العالم الصالح " .

​أئمة وعلماء حوارة المحليون في دفاتر الطابو : أثبتت دفاتر الإحصاء العثمانية المبكرة لناحية بني جهمة تخصيص مراتب دينية لـ « إمام القرية » وموثقي العقود ، ممن أقاموا الكتاتيب ونشروا المعرفة الفقهية والشرعية بين أبناء الناحية .

​إن بلدة حوارة / إربد مثلت عبر التاريخ نموذجاً فريداً للقرى التي زاوجت بين خصوبة الأرض وعراقة العقول ، وتأكيد حضور علمائها في بطون التراجم وسجلات دمشق والقاهرة يعكس عمق الإسهام العلمي والحضاري لأبناء سهل حوران في حفظ تراث الأمة وقضائها وشريعتها .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ، شمس الدين السخاوي ، دار الجيل ، بيروت .
  3. 2 ) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ، ابن حجر العسقلاني ، دائرة المعارف العثمانية ، حيدر آباد .
  4. 3 ) شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، ابن العماد الحنبلي ، دار ابن كثير ، دمشق وبيروت .
  5. 4 ) الدارس في تاريخ المدارس ، عبد القادر النعيمي ، وزارة الثقافة ، دمشق .
  6. 5 ) سجلات المحاكم الشرعية في دمشق وإربد ( السجلات العمرية وسجلات التحرير العثمانية المبكرة ) .
  7. 6 ) دفاتر الطابو والتحرير العثمانية لناحية بني جهمة وسنجق حوران ( الأرشيف العثماني - إسطنبول ، دفتر 401 ودفتر 99 ودفتر 1005 ) .
  8. 7 ) رحلات في سوريا والأراضي المقدسة ، يوهان لودفيغ بوركهارت .
  9. 8 ) تاريخ شرقي الأردن وقبائلها ، فردريك ج. كيركبرايد .
  10. 9 ) دراسات في تاريخ قضاء بني جهمة وناحية إربد في العصر العثماني ، د . هند أبو الشعر .
  11. ​إن بلدة حوارة / إربد مثلت عبر التاريخ نموذجاً فريداً للقرى التي زاوجت بين خصوبة الأرض وعراقة العقول ، وتأكيد حضور علمائها في بطون التراجم وسجلات دمشق والقاهرة يعكس عمق الإسهام العلمي والحضاري لأبناء سهل حوران في حفظ تراث الأمة وقضائها وشريعتها .