يستعرض المقال القيمة الأدبية والتاريخية لبيت العرجي الخالد ( أضاعوني وأيَّ فتيً أضاعوا ) ، متتبعًا رحلة هذه الصرخة عبر العصور بكونها رمزيّة تاريخيّة وجدانيّة تجسد مظلوميّة الرموز والنخب وخذلانهم وقت الشدائد .

أضاعوني وأيَّ فتيً أضاعوا .. صرخة الخذلان ومرثية الرموز في التاريخ العربي

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُعدّ عبارة ( أضاعوني وأيَّ فتيً أضاعوا .. ليوم كريهةٍ وسدادِ ثغرٍ ) واحدة من أبلغ وأشهر الشواهد والأبيات الشعرية التي جرت مجرى المثل ، وترددت على ألسنة الناس عبر التاريخ العربي والإسلامي والحديث ؛ تعبيرًا عن شعور عميق بالظلم ، ونكران الجميل ، والتخلي عن القادة والرموز في أشد ساعات المحنة والأوقات العصيبة .

​والكَريهةُ : هي النازلةُ والشدّة في الحرب ونوازل الدهر . أمّا السِّداد ( بالكسر ) : فيعني كل ما سُدّ به ونُملأ به أي ثغرة فيها ضعف وخلل .

​في العصر الأموي : نشأة البيت وجذور الصراع السياسي :

​الشاعر العرجي ( صاحب البيت الأصلي ) :

هو الشاعر الأموي ( عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان ) ( حفيد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ) ، الملقب بالعرجي لسكنه ( عَرْج الطائف ) . كان من شعراء قريش الفرسان ، وينحو نحو عمر بن أبي ربيعة في شعره الغزلي ، ومنه قوله :

​( أماطت كساءَ الخزِّ عن حرِّ وجهها .. وأدنت على الخدين بُرداً مهلهلا )

( من اللاء لم يحجُجْن يبغين حسبةً .. ولكن ليقتلن البريء المغفّلا )

​جذور الصراع والاعتقال :

تطلعت نفس العرجي لمكانته ونسبه العريق إلى منصب سياسي في خلافة هشام بن عبد الملك م عام ، متطلعًا لولاية مكة المكرمة . وكان محمد بن هشام المخزومي ( خال الخليفة ) يتلمس المنصب نفسه ، فأسند الخليفة ولاية مكة لخاله . ومن هنا نشب الصدام ؛ إذ تحصن المخزومي بسلطة الخليفة ، بينما ارتكز العرجي على لسانه وشعره ، فشرع في هجاء المخزومي والتغزل الغزلي الصريح بأمه ( جيداء ) وزوجته ( جبرة المخزومية ) عنوة ونكاية به ، ومن ذلك قوله :

​( إلى جيداء قد بعثوا رسولاً .. ليخبرها فلا صحب الرسولُ )

( كأن العام ليس بعام حجٍّ .. تغيّرت المواسم والشكولُ )

​التعذيب والمأساة في السجن :

لما علم الوالي المخزومي بذلك ، ألقى القبض على العرجي وضربه ضرباً مبرحاً ، وصبّ الزيت على رأسه وأوقفه للناس في حرّ الشمس حتى غُشي عليه ، ثم أودعه السجن تسع سنين يُجرّر في الجوامع كل يوم ويُضرب بالسياط . وفي البداية لم يكن مبالياً متوقعاً قرب الفرج لنسبه ، لكنه حين أيقن أن السلطة والخليفة قد أضاعوه وسط مكر السياسة ، أنشد قصيدته الخالدة ومات في سجنه نحو عام 120 م :

​( أضاعوني وأي فتًى أضاعوا .. ليوم كريهةٍ وسِدادِ ثـَغْـر )

( وصبرٍ عند معترَك المنـايا .. وقد شُرِعتْ أسنَّتُها بنَحري )

( أجرِّر في الجوامع كـل يومٍ .. فيا لله مَظْلَمَتي وصـبـري )

( كأنّي لم أكن فيهم وسيطًا .. ولم تكُ نسبتي في آل عمرو )

​خاتمة الثأر :

ذكرت المصادر التاريخية ( ومنها كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة ) أنه لما أفضت الخلافة لاحقًا إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك م ، قبض على الوالي محمد بن هشام وضربه بالسياط حتى مات في السجن ، انتقاماً لقريبه العرجي .

​في العصر العباسي : أصداء البيت في القصص والمجالس واللغة :

​شهد العصر العباسي تداولاً واسعاً للبيت في مجالس الخلفاء والفقهاء واللغويين وعامة الناس ( كما وثق أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني ) :

​الإمام أبو حنيفة النعمان وجاره الإسكافي ( الكوفة ) :

كان للإمام أبي حنيفة جار يعمل إسكافياً ، يكثر من شرب الخمر ليلاً ويغني بهذا البيت في غرفته . وفي ليلة غاب صوته لاختطافه من قِبل ( العسس ) ( الشرطة ) وسجنه ، ففقده الإمام وسأل عنه ، وركب إلى الوالي عيسى بن موسى م وشفع له فأُطلق سراحه . ولما خرج الفتى دعا به أبو حنيفة ملاطفًا : ( يا فتى.. هل أضعناك؟ ) ، فقال : ( لا والله أيها القاضي ، ولكن أحسنت وتكرمت ) ، وتأثر بتلك المعاملة فتاب والتزم .

​مجلس المأمون والنضر بن شميل ( تصحيح السداد اللغوي ) :

استشهد النضر بن شميل بهذا البيت أمام الخليفة المأمون م في مناظرة لغوية حول تصحيح كلمة ( سِداد ) بالكسر ( البالغة وكل ما سُدّ به الشق ) في مقابل ( سَداد ) بالفتح ( القصد والصواب ) ، مستدلاً بقول العرجي : ( ليوم كريهةٍ وسِدادِ ثغر ) ، فأعجب المأمون بفصاحته وأمر له بجائزة سنية .

​الأصمعي وكَنّاس البصرة :

مرّ الأصمعي برجل يكنس كنيفاً وهو يترنم بالبيت ، فمازحه الأصمعي قائلاً : ( أما سداد الكنيف فأنت مليء به ، وأما الثغر فلا علم لي بك ) . فأعرب الكنّاس عن كبريائه وردّ بأبيات بليغة يبيّن فيها أن شرّ الهوان هو ( الحاجة إلى الناس ) ، فانصرف الأصمعي وهو يعترف بمرارة واقع الرجل وبلاغته .

​هارون الرشيد وإسحاق الموصلي :

غنى إسحاق الموصلي للرشيد م بهذا البيت ، فلما سأله الخليفة عن قصته وأخبره بموت العرجي مظلوماً في السجن غضب الرشيد غضباً شديداً ، ولم يهدأ غيظه إلا بعد أن علم بمقتل الوالي الظالم لاحقاً قصاصاً للعرجي .

​في الأندلس والعصور اللاحقة : التضمين الشعري :

​لفرط بلاغة البيت وشحنته الوجدانية ، تسابق الأدباء والشعراء عبر العصور على تضمينه في قصائدهم عند مآسي الدول والنكبات :

​ابن اللبّانة الداني ( شاعر المعتمد بن عبّاد م ) : ضمّنه باكياً على سقوط دولة بني عباد في الأندلس : ( وأترك جيرة جاروا وأشدو .. أضاعوني وأي فتى أضاعوا ) .

​الحريري في المقامة الزبيدية : ( على أني سأنشد عند بيعي .. أضاعوني وأي فتى أضاعوا ) .

​كما ضمّنه عبد اللطيف الصيرفي م ، وورد كاملاً في عينية كل من ابن نُباتة المصري م ، ويوسف بن هارون الرمادي م .

​في التاريخ الحديث والمعاصر : الشام وفلسطين والعراق والأردن :

​الشهيد عبد القادر الحسيني ( معركة القسطل - 1948 م ) :

تُعد هذه الحادثة من ألمع المواقف التاريخية المعاصرة . فعندما ذهب القائد عبد القادر الحسيني إلى دمشق عام 1948 م ليطلب السلاح والذخيرة من اللجنة العسكرية لجامعة الدول العربية لإنقاذ القدس والقسطل فقوبل بالرفض والخذلان ، خرج غاضبًا متمثلاً بالبيت الشهير ، وعاد فورًا إلى خطوط النار في فلسطين ليستشهد في معركة القسطل م ، فكانت كلماته وثيقة تدين التقاعس وتخلد شجاعته .

​مأساة العهد الملكي ونكبة النخب في العراق ( 1958 م وما بعدها ) :

استدعى المؤرخون والمفكرون هذا البيت لوصف النهاية المأساوية للملك الشاب فيصل الثاني بن غازي م في صبيحة 14 تموز 1958 م ، وما تلاها من اضطرابات سياسية ؛ إذ شعر الوطن بضياع رموزه . كما تردد البيت طويلاً على ألسنة رواد الفكر والأدباء العراقيين والعرب الذين واجهوا النفي والإقصاء والسجن ، رغم كونهم الحصن الثقافي لحراسة الوعي ( سداد الثغر ) .

​الذاكرة السياسية الأردنية وخطاب الملك الحسين ( رحمه الله ) :

تردد صدى هذا البيت في الوجدان السياسي الأردني تعبيراً عن ثقل المسؤولية الوطنية وعظم التضحيات . وكما يوثق المؤرخون ( وفي مقدمتهم د. بكر خازر المجالي م ) ، فقد استدعى المغفور له الملك الحسين بن طلال ( طيب الله ثراه ) هذه الصرخة في خطاب تاريخي مؤثر خلال القمة العربية الاستثنائية في بغداد عام 1990 م ، متخذاً منها تعبيرًا حياً عن واقع الأمة وقسوة التخلي والخذلان في مواجهة التحديات المصيرية ، لتبقى الشاهد الأوضح على بطولات الجيش العربي وتضحيات الأردن مرابطاً على الثغور .

​صرخة الوعي ووجع الأوطان

​تحولت صرخة العرجي عبر العصور من مظلومية فردية إلى ( رمز إنساني وفكري خالد ) ؛ يختصر تناقضات العلاقة بين السلطة والنخبة ، وتجسد الفجوة بين تضحيات الشرفاء وجحود الأيام . لقد أضحت العبارة مرثية لكل رجل مقدام يُعرَض عنه قومه في أيام الرخاء ، حتى إذا حلّت الكارثة ( الكريهة ) وداهم الخطر الثغور ، يبحثون عنه فلا يجدونه ، لتبقى الكلمات الصادقة وحدها الشاهد الخالد على وجع الأوطان .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) كتاب الشعر والشعراء ، لابن قتيبة الدينوري م .
  3. 2 ) كتاب الأغاني ، لأبي الفرج الأصفهاني م .
  4. 3 ) مقامات الحريري ( المقامة الزبيدية ) ، للقاسم بن علي الحريري م .
  5. 4 ) دراسات وأبحاث في الذاكرة الوطنية والتاريخية العربية والأردنية ( ومنها مقالات المؤرخ د. بكر خازر المجالي م ) .
  6. 5 ) تقارير ومقالات الصحافة العربية والتاريخية المعاصرة ( صحيفة الأيام ، وموقع كل الأردن م ) .