يستعرض هذا المقال ملحمة حرب أكتوبر المجيدة و ذكرياتها في عام ( 2026 م ) ، مستحضراً بطولات العبور الخالدة و تحطيم خط بارليف المنيع . ليبقى هذا النصر رمزاً لعزة الأمة و كرامتها .

حكاية 6 أكتوبر التي لا تنتهي : ملحمة العبور ورابع الحروب العربية

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​الساعة الآن تقترب من الثانية ظهراً .. الوقت يكاد يتوقف ، الهواء ساكن ، وفجأة ينفجر الزمن ! لو غمضت عينك وتخيلت معايا المشهد ، إحنا مش قدام مجرد حرب تاريخية عابرة ، إحنا قدام رابع الحروب العربية الإسرائيلية الكبرى وملحمة العزيمة الإنسانية الخالصة التي أعادت كتابة التاريخ العسكري الحديث . كيف لجنود صائمين في حر شهر أكتوبر المتقد ، وفي قلب صحراء ناطقة بالصمت ، أن يقرروا فجأة اقتحام أبواب الجحيم وتحطيم أعتى خط دفاعي ومانع هندسي في العصر الحديث ؟ إنها حكاية السادس من أكتوبر الخالدة ، وحكاية العاشر من رمضان الذي صنع المعجزة الكبرى .

​جحيم المياه والرمال وإسقاط أسطورة خط بارليف :

لم يكن خط بارليف مجرد ساتر ترابي عادي ، بل كان أسطورة عسكرية مرعبة صُممت بالحديد والنار ليُعتقد بأنه مانع لا يُقهر ، وخط بارليف هو سلسلة تحصينات دفاعية هندسية ضخمة اقامتها إسرائيل على طول الضفة الشرقية لقناة السويس بعد حرب 1967 م ، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حاييم بارليف . لكن إرادة الجندي العربي والمصري سطّرت صفحة الإعجاز ، فحطمت خراطيم المياه البسيطة وأفكار العقول العبقرية خارج صندوق المستحيل تلك الحصون المنيعة في دقائق معدودة عبر عملية اقتحام كبرى دمرت التحصينات الهندسية . إن اجتياح هذا الخط المنيع وتدميره لم يكن مجرد كسر لمانع عسكري ، بل دلّ دلالة قاطعة على سقوط أسطورة التفوق المطلق والجيش الذي لا يُقهر ، لتفتح الطبيعة ذراعيها للأبطال ممرًا مقدساً للنور والحرية استردت به الأمة كرامتها وعزتها .

​رائحة البارود واليقين وقادة النصر العظام :

في أتون المعركة ووسط ساحات الشرف ، تعبق الأجواء برائحة البارود الزكية ممزوجة بنداءات الإيمان والتضحية لشباب غامروا بأرواحهم وهم يعلمون أن العودة قد تكون مستحيلة ، لكن شعارهم الأبدي ظل يتردد في كل زاوية : يا نصر يا شهيد . لقد قاد هذه الملحمة التاريخية رجال عظماء خلدوا أسمائهم في الذاكرة العربية ، وفي مقدمتهم القائد الأعظم ورئيس جمهورية مصر العربية آنذاك محمد أنور السادات صاحب قرار العبور التاريخي بشجاعة وحكمة ، والفريق أول أحمد إسماعيل علي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة الذي أدار التخطيط الاستراتيجي العسكري المشترك ، والفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة وصاحب خطة العبور الهندسية والتكتيكية العبقرية خطة بدر ، والفريق محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومهندس توقيتات الهجوم الاستراتيجية . وتعالت أصوات التكبيرات لتخرق عنان السماء مترافقة مع دوي الطائرات وصواعق الحق التي دكت مواقع الخصم في سيناء الحبيبة والجولان الأبي بقيادة القادة الأبطال وفي مقدمتهم الرئيس السوري حافظ الأسد ، لتسقط معها غطرسة القوة الوهمية وتبدد أوهام التفوق المطلق .

​سواعد الأردن الباسلة على الجبهة السورية : اللواء المدرع الأربعون البطل :

لم تكن القوات المسلحة الأردنية بمعزل عن نداء الواجب القومي في رابع الحروب الكبرى ، فقد ضربت أروع الأمثلة في البطولات والتضحيات الخالدة على الجبهة السورية . وفي طليعة هذه القوات برز دور اللواء المدرع الأربعون (لواء الملك حسين بن طلال المدرع) البطل بقيادة قائد اللواء اللواء الركن خالد هجهوج المجالي ، والذي سارع إلى مسرح العمليات ليشكل درعاً حصيناً وركيزة متقدمة في الدفاع عن تراب الجولان الشقيق ، مسجلاً بدماء أبنائه وبطولات دباباته ملاحم عسكرية مشهودة وقفت سداً منيعاً في وجه الطموحات والاعتداءات الإسرائيلية ، ومؤكداً وحدة الدم والمصير بين جيوش الأمة العربية .

​قوة الإرادة المصرية والعربية وتلاحم السواعد :

لقد انصهرت عقيدة الجندي وإرادته الصلبة لتثبت للعالم أجمع أن الشعوب الحية قادرة على قهر المستحيل وتحويل رمال الصحراء القاحلة إلى مساحات من العزة والشموخ . ولم تكن المعركة عابرة ، بل تجسدت فيها أسمى معاني التضامن العربي المشترك بالدعم العسكري والاقتصادي والتلاحم الميداني ، وفي مقدمتها سواعد القوات المسلحة الأردنية الباسلة وجيش سوريا الأبي وكل شريف ناصر الحق والقضية في رابع الحروب الكبرى .

​حكايات من القلب والعزم والوفاء للأجيال :

تتوارث الأجيال هذه الحكايات النابعة من القلب لتظل شعلة الوطنية متوقدة في وجدان الأمة العربية جمعاء . إنها قصص البطولة التي ترويها المناهج وتخلدها الذاكرة الجماعية للأمة ، لتؤكد أن دماء الشهداء وتضحيات الأبطال هي الركيزة التي تُبنى عليها أمجاد المستقبل ، ورمز خالد للإرادة التي لا تلين .

​في الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر المجيد ( 1973 م - 2026 م ) ، نقف إجلالاً واحتراماً لأرواح من حموا الأرض والعرض . إنها ليست مجرد أوراق في كتب التاريخ ، بل هي حقيقة ناصعة تثبت أن الأمة العربية إذا توحدت وإذا عزم أبناؤها على استعادة حقوقهم ، فإنهم قادرون حقاً على تحريك الجبال وفتح أبواب النور في قلب أظلم الظروف ، لتظل راية الكرامة خفاقة تعانق السماء وتضيء درب الأجيال القادمة .


قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. 1 . مذكرات السادات : البحث عن الذات ، محمد أنور السادات .
  3. 2 . المذكرات الشخصية لحرب أكتوبر ، الفريق أول أحمد إسماعيل علي .
  4. 3 . حرب أكتوبر : الإستراتيجية والتكتيك ، الفريق سعد الدين الشاذلي .
  5. 4 . حرب أكتوبر 1973 : الدراسات الاستراتيجية والتوثيقية للقوات المسلحة المصرية .
  6. 5 . الوثائق والمراجع التاريخية العسكرية لتاريخ الحروب العربية الإسرائيلية .