أغنية "حيّد عن الجيش يا غبيشي" توثق قصة الفدائي "غبيشي" وحبيبته "حسناء" إبان الانتداب البريطاني، حيث كانت تنذره باقتراب الدوريات عبر الأهازيج قبل أن يهربا معاً، لتصبح رمزاً للبطولة ورفض الاحتلال.
غبيشي وحسناء : ملحمة العشق والبارود في تراث ضفتي النهر
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
مقدمة الملحمة والتراث المشترك :
في الوجدان الشعبي لبلاد الشام ، وتحديداً في المساحة الممتدة بين شرقي الأردن وفلسطين ، ثمّة أغانٍ لم تولد في غرف الموسيقى المغلقة ، بل عُمّدت بالدموع ، والبارود ، وزغاريد الأمهات على التلال . ومن بين هذه الذخائر التراثية القديمة ، تبرز أهزوجة " حيّد عن الجيش يا غبيشي " ، التي تختزل حقبة تاريخية مفصلية عاشتها المنطقة إبان الانتداب البريطاني وفترة قيادة ( كلوب باشا ) للجيش العربي والتي عُرف خلالها بين العشائر بلقب ( أبو حنيك ) .
تلك الكلمات التي طالما رددها الهجّانة ودوريات البادية وسرت في حلقات السامر والاحتفالات الشعبية ، لم تكن مجرد نداء عابر أو غناء عاطفي مجرد ، وإنما هي تجسيد حي لفصول ملحمة واقعية تداخل فيها عناد العشق بجمر المقاومة والتمرد على السياسات الاستعمارية التي استهدفت الأرض والإنسان معاً .
الفدائي والمطارد : غبيشي في مواجهة الحناطير :
تنطلق السيرة من حكاية الشاب " غبيشي " ، ذلك البدوي الثائر الذي رفض الانصياع للقوانين العسكرية الصارمة وأوامر الإنجليز ، وأبى أن يخضع لسلطة المستعمر الإنجليزي ومفرزاته الأمنية . فلم يكن غبيشي فاراً من الجندية بدافع الخوف أو التخاذل الشخصي ، بل كان فدائياً مقداماً يرى في قوافل الانتداب وتحركات معسكراته ومدرعاته هدفاً مشروعاً لبندقيته وكرامته الوطنية .
هذا النهج المقاوم جعل منه مطلوباً بارزاً وصيداً ثميناً تلاحقه دوريات الجيش البريطاني ( التي كانت تُسمى في ذلك الوقت بـ " الحناطير " أو سيارات الجيش العسكرية المصفحة ) . وبسبب ذلك ، تحول غبيشي إلى " طرد " ( أي مطارَد سياسي وعسكري ) يتنقل بين البراري والسهول الممتدة ويتخذ من المغاور والكهوف الطبيعية مأوى له ، مسنوداً بإيمانه المطلق بالحرية وبندقيته الحاضرة في الميدان لردع أي عدوان .
حسناء : صوت التلال وصمام الأمان :
على المقلب الآخر ، كانت " حسناء " تمثل وجه المعاناة والبطولة النسائية الصامتة في بيئة بدوية قاسية تحكمها أعراف وعادات عشائرية صارمة . فقد ربطها الحب الصادق بابن عمها غبيشي ، غير أن عائلتها ( التي تنتمي إلى قبيلة كبيرة وعريقة ذات مناعة وجاه ) رفضت هذا الزواج رفضاً قاطعاً نظراً لفقره وحياة الملاحقة والمخاطر الموبوءة بالصقيع والكمائن التي يعيشها ، مفضلين تزويجها في محيط عشائري أكثر استقراراً وأمناً .
لكن عاطفة العشق الحقيقي تجاوزت سدود القبيلة وقوانينها التقليدية . وتولت حسناء دور " العين " الحارسة والذكية لغبيشي في الميدان ؛ إذ كانت تخرج رفقة نسوة القرية صوب التلال والمشارف المرتفعة بحجة رعي الماشية أو جمع حطب النار .
وحينما كانت تلمح غبار ( الحناطير ) البريطانية العسكرية يقترب بحذر من المواقع الجبلية التي يتخفى فيها غبيشي ، كان يصدح صوتها العذب القوي بلحن ( الهجيني ) البدوي الأصيل ليمتد عبر الأودية والسهوب كشفرة تحذيرية ذكية ومدروسة :
حَيِّدْ عنِ الجِيشِ يا غْبِيشي .. قَبْلِ الحناطيرِ ما يطلّوا
ابِعَادْ عنِ الجِيشِ لِوِيشي .. ولْ يِعادي غبيشي يا ذلّوا
فكانت دلالة كلمة " حيّد " ( أي خذ جانباً أو ابتعد عن طريق الدوريات ) بمثابة إنذار مبكر حاسم يحمي البطل من الوقوع في شرك الأسر أو رصاص الكمائن .
مساجلة البارود والوفاء :
ولم يكن البطل يتلقى هذا التحذير الميداني ليتراجع أو ينسحب بضعف ، بل كان يرد على حبيبته من مخبئه بأهازيج تفيض شجاعة وبأساً وبطولة ، معلناً اعتزازه المطلق بسلاحه وصلابة موقفه الثابت :
لَا هَمَّني الجِيشْ ولا الدَّولِه .. بإيدي إم كركار وإلها صُولِهْ
وقت شبوب النار تبقي تقولِي .. وغبيشي الغوار لا تذلّوا
فترد عليه حسناء بفخر واعتزاز يؤكد صدق خيارها والسبب الكامن وراء عشقها العميق له رغم الأهوال والمخاطر المحيطة :
لو إنّك جبان ما حبّيتك .. تقهر العدوان يعمر بيتَك
وتذكر الروايات التاريخية الشفهية المستقاة من عمق التراث البدوي المشترك أن فصول هذه الملحمة الإنسانية والوطنية كُللت بانتصار العشق والإرادة الحرّة ؛ حيث أقدم غبيشي على مخاطرة كبرى وتمكن بافتخار من تهريب حبيبته حسناء ليعيشا معاً كـ " طردين " شجاعين في قلب البرية المترامية الأطراف ، متجاوزين كافة القيود الاجتماعية والسياسية الصارمة التي فُرضت عليهما من العشيرة وسلطة الاحتلال .
من حكاية محلية إلى إرث عابر للحدود :
إن القيمة الكبرى لأغنية " حيّد عن الجيش يا غبيشي " تكمن في رسوخها العميق وبقائها حية نابضة بالحياة داخل الذاكرة الجمعية المشتركة للشعبين الأردني والفلسطيني على حد سواء ، كدليل قاطع على وحدة الوجدان والمسار التاريخي.
وقد التفتت إليها لاحقاً فرق التراث الشعبي العريقة وفنانون ملتزمون بقضايا الأمة ( ومنهم الفنانة الفلسطينية الملتزمة سناء موسى ، والموسيقار الكبير حسين نازك ) فأعادوا توزيعها وتقديمها في المحافل الفنية والثقافية ، لا من باب استعراض الفلكلور الطربي فحسب ، بل بوصفها وثيقة تاريخية شفهية ناطقة تنقل ملامح الرفض الشعبي والوعي الفطري المبكر ضد مظاهر الاستعمار والهيمنة .
وتوضح هذه الأغنية كيف استطاع الأجداد تحويل مشاعر الوفاء العاطفي إلى نمط كفاحي مقاوم ووسيلة للتحريض الواعي ضد المحتل الغاصب .
ستظل حكاية غبيشي وحسناء شاهداً حياً وخالداً على أن الإرث الغنائي الأصيل لبلاد الشام لم يولد يوماً بغرض الترف العابر ، بل كان على الدوام ديواناً حياً يسجل بحبر الفخر والكرامة قيم الفروسية ، والبطولة المطلقة ، والوفاء العذري الأصيل الذي لا تغيره تقلبات الأيام ولا عصف السنين .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.