تتناول هذه الدراسة تاريخ وتطور الأمصار والمدن الإسلامية المستحدثة عبر العصور المختلفة ، مستعرضة أبرز العواصم الكبرى وقواعد التخطيط العمراني التي تؤكد ريادة الحضارة الإسلامية في البناء والعمارة .
تاريخ وتطور الأمصار والمدن الإسلامية : الدليل العمراني والزمني الشامل
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
ما هي المدن والأمصار الإسلامية المستحدثة ؟
نقصد بالمدن الإسلامية تلك الحواضر والأمصار التي بناها المسلمون بأنفسهم ، وهي تختلف بطبيعتها عن المدن والمدائن القديمة التي فتحوها وجاهزة كمدائن الروم والفرس .
وقد تنوعت هذه المدن واعتمدت في تشييدها على أقاليم واسعة تشمل العراق ، والشام ، ومصر ، وأفريقية ، والأندلس ، وغيرها . ومنها ما لا يزل عامراً ونابضاً بالحياة حتى يومنا هذا مثل البصرة ، وبغداد ، والقاهرة ، ومنها ما انقرضت معالمها وعفت آثاره كالفسطاط والزهراء .
وفي بداية عهد الإسلام ، عندما كان المسلمون يخرجون للفتوح ، كانوا يصحبون معهم نساءهم وعيالهم ، فإذا فتحوا بلداً نزلوا في ضواحيه وخيامه وأخبيتهم لتكون معسكرات لهم . ولكن مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتعدد دولها المتعاقبة ، بدأ المسلمون يختطون المدن ويؤسسونها لتكون تذكاراً لفتوحهم ، أو حصوناً تحميهم من الأعداء — مثلما فعل أبو جعفر المنصور حين بنى بغداد لتكون حصناً له ، وكما فعل الفاطميون عند بناء القاهرة .
كما كان الخلفاء أحياناً يشرعون في بناء مدن جديدة خصيصاً للتنزه والترويح والابتعاد عن صخب الغوغاء ، مثل مدينة سامراء ، والمتوكلية ، والمدينة الزهراء .
مدخل تاريخي : دحض شبهات التقصير العمراني عند العرب :
يظن بعض الجاهلين أو المتجاهلين لفضائل المدنية الإسلامية أن العرب في أوج عزهم لم يتركوا شيئاً يذكر في مجال العمران ، ويزعمون أن غاية ما فعلُوه هو اقتباس بعض مظاهر المدنية الفارسية واليونانية والتمتع بها بضعة قرون ثم نقلها لمن بعدهم في أوربا .
ويذهب بعضهم إلى الادعاء بأن العرب كانوا أقل شأناً من الرومان في فنون البناء ، وأن قصورهم الباقية لا تعكس هندسة عجيبة . غير أن الآثار العظيمة الباقية حتى يومنا هذا في الأندلس ، ومصر ، والشام ، والعراق ، وفارس ، والهند ، تقف شاهداً أبدياً يكذب هذه الادعاءات ويفند الأهواء .
كما يعتمد بعضهم في النيل من دور العرب العمراني على ما كتبه ابن خلدون في مقدمته حين قال : ( أن العرب إذا تغلبوا على الأوطان أسرع إليها الخراب ) ، وهنا يجب التوضيح الجوهري بأن مقصود ابن خلدون بـ ( العرب ) في هذا السياق هم البدو والبادية أو العربان الرّحّل ، وليس عموم الأمة أو الدول الحاكمة .
ولو تأملنا لوجدنا أن المدن التي أسسها العرب والأمصار التي خطّوها والقرى التي عمروها لا تكاد تحصى في كل إقليم وطئوه ، وهو إنجاز لم يتيسر لغيرهم من الأمم ؛ كالترك مثلاً الذين حكموا أقطاراً واسعة عامرة بطبيعتها مدة ستمائة سنة ، ومع ذلك لا تكاد تعرف لهم مدينة أسسوها ، ولا مواتاً أخصبوه ، ولا ماء أسالوه ، إذ كان شغلهم الشاغل الحروب والغزوات طوال عهد القوة أو الضعف .
أولاً : التسلسل الزمني لأبرز العواصم الإسلامية الكبرى :
تتضح ريادة الدولة الإسلامية في مجال التأسيس العمراني عبر تسلسل زمني دقيق لأبرز العواصم الكبرى . فكانت البداية من المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية حوالي سنة 622 م لتكون نواة الدولة الإسلامية الأولى ، تلتها مدينة البصرة في العراق حوالي سنة 638 م ، ثم الكوفة في العراق بين سنتي 638 و 639 م . وفي سنة 641 م تأسست مدينة الفسطاط في مصر ، تلتها القيروان في تونس سنة 670 م ، ثم الرقة في سوريا حوالي سنة 706 م . وشهدت العصور الموالية تأسيس عواصم كبرى أخرى مثل بغداد في العراق سنة 762 م ، وفاس في المغرب سنة 789 م ، وسامراء في العراق سنة 836 م ، والمهدية في تونس سنة 921 م ، وصولاً إلى تأسيس القاهرة في مصر سنة 969 م .
ثانياً : تفصيل المدن والأمصار الإسلامية مرتبة حسب العصور التاريخية :
شهد عصر النبوة والخلفاء الراشدين ( 11 - 40 هـ / 632 - 661 م ) انطلاق النهضة العمرانية الأولى بتأسيس مدينة البصرة في العراق سنة 14 هـ / 635 م بفضل الصحابي عتبة بن غزوان لتكون قاعدة عسكرية متقدمة لجيوش المسلمين . تلتها مدينة الكوفة في العراق سنة 17 هـ / 638 م التي بناها سعد بن أبي وقاص بجوار الحيرة وسُميت بهذا الاسم لكثرة الرمل فيها ، ثم مدينة الفُسْطاط في مصر سنة 21 هـ / 641 م التي بناها عمرو بن العاص لتكون أول عاصمة إسلامية على أرض مصر . إضافة إلى ذلك ، برزت مدينة آيلة في الأردن لتعد أول مدينة إسلامية أُنشئت خارج الجزيرة العربية في منطقة العقبة الحالية وذلك في عهد الصحابي عثمان بن عفان .
وفي العصر الأموي ( 41 - 132 هـ / 661 - 749 م ) ، توسعت رقعة الأمصار بتأسيس مدينة القيروان في تونس سنة 50 هـ / 670 م على يد عقبة بن نافع لتكون معسكراً وقاعدة كبرى لإفريقية . كما بنى الحجاج بن يوسف الثقفي مدينة واسط في العراق سنة 81 هـ / 700 م أو 78 هـ وسُميت واسط القصب لتوسطها بين الكوفة والبصرة . وإلى جانب ذلك ، شُيدت مدينة الرَّملة في فلسطين سنة 96 هـ / 716 م ، وبنى الخليفة هشام بن عبد الملك مدينة الرصافة في سوريا ، وبنى الوالي عبد العزيز بن مروان مدينة حلْوان في مصر . كما أُسست مدينة تونس على يد حسان بن النعمان الغساني ، والمحفوظة والمنصورة في بلاد السند على يد الحكم بن عوانة الكلبي وعمرو بن محمد بن القاسم الثقفي توالياً . فضلاً عن تشييد العديد من الثغور والمدن الدفاعية كمرعش وعكا وأطنة وأذنة .
أما العصر العباسي ( 132 - 358 هـ / 749 - 968 م ) ، فقد تميز بنهضة معمارية ضخمة تمثلت في بناء مدينة بغداد في العراق بين سنتي 145 و 149 هـ / 762 م على يد الخليفة أبو جعفر المنصور لتسمى مدينة السلام والزوراء ، تلتها مدينة الهاشمية بالقرب من الكوفة التي بناها أبو العباس السفاح . وفي سنة 221 هـ / 836 م ، بنى المعتصم بالله مدينة سامراء أو سر من رأى على ضفاف دجلة ، والتي توسع فيها المتوكل بالله فأشاد فيها الجامع والمنارة وشق قنوات الري الشهيرة كالقاطول ودجلة ، فضلاً عن مدينة الجعفرية أو المتوكلية التي بناها المتوكل على الله . كما شمل هذا العصر تأسيس الرقة في سوريا ، والقطائع والعسكر في مصر على يد أحمد بن طولون وصالح بن علي تباعاً ، والعباسية ورقادة في تونس على يد إبراهيم بن الأغلب وإبراهيم بن أحمد الثاني .
وفي العصر الفاطمي ( 359 - 468 هـ / 969 - 1075 م ) ، برزت عواصم وحواضر جديدة أبرزها مدينة القاهرة المعزية في مصر سنة 358 هـ / 969 م والتي بناها القائد جوهر الصقلبي فوق أراضي القطائع ، إلى جانب مدينة المهدية وزويلة في تونس اللتين بنيهما عبيد الله المهدي بين سنتي 301 و 305 هـ ، ومدينة صبرة أو المنصورية في تونس التي بناها أبو الطاهر إسماعيل الفاطمي .
وشهد العصر الأندلسي والمغربي خلال فترة الولاية ( 138 - 316 هـ ) تشييد حواضر ومدن هامة في إسبانيا مثل تطيمة التي بُنيت أيام الحكم بن هشام ، ومرسية ، وطممنكة ، ومجريط وهي مدريد حالياً ، فضلاً عن مدينة بطميوس التي بناها عبد الرحمن بن مروان . أما خلال فترة الخلافة ( 306 - 422 هـ وما بعدها ) ، فقد أُسست مدينة الزهراء في الأندلس سنة 225 هـ على يد عبد الرحمن الناصر الذي خصص العطايا لمن يعمر ويبني حولها ، ومدينة الزاهرة التي بناها المنصور بن أبي عامر ، إضافة إلى المرية وسالم . وفي بلدان المغرب العربي ، بنى يوسف بن تاشفين مدينة تلمسان في الجزائر ومراكش في المغرب ، بينما أُسست فاس في المغرب بعد إعمار عدوة الأندلس وعدوة القرويين ، وبُنی رباط الفتح في المغرب على يد عبد المؤمن ويعقوب المنصور الموحدي .
وختاماً للعصور العمر الكبرى ، ضم العصر العثماني تأسيس وتعزيز العديد من الثغور والحواضر في أوروبا والشرق ؛ مثل تيرانا في ألبانيا ، ونيش في صربيا ، والقطيفة في سوريا ، وستارا زاگورا في بلغاريا ، وسعسع في سوريا ، وكومانوڤو ومقدونيا وشتِب في مقدونيا ، وكاتشانيك في كوسوفو ، سراييڤو في البوسنة والهرسك .
ثالثاً : قواعد وأسس التخطيط العمراني في المدن الإسلامية :
يؤكد الجغرافيون والبلخي أن المدن الإسلامية لم تكن عشوائية ، بل بُنيت على أصول علمية وجغرافية دقيقة تتلخص في توفر مقومات الحياة الأساسية وأهمها الماء والكلأ والحطب . علاوة على ذلك ، استهدفت تلك الأمصار تحقيق الأغراض العسكرية والإدارية لتكون قلاعاً حصينة ورموزاً لفتوح المسلمين ومراكز لرباط المجاهدين وحماية الثغور . كما روعيت فيها اعتبارات الرفاهية والابتعاد عن صخب العامّة باختيار مواقع هادئة لتنزه الخلفاء مثل سامراء والمتوكلية والزهراء . وأخيراً ، تميزت بالتكامل في المرافق الحضرية من خلال احتواء المدينة على الأسواق ، والحمامات ، والخانات ، والمساجد الجامعة الكبرى ، وشبكات قنوات الري المنظمة .
خاتمة ووسوم الموسم :
لقد شكّلت هذه المدن والأمصار عبر العصور المختلفة شبكة حضارية وعمرانية متكاملة كشفت عن عبقرية الدولة الإسلامية وقدرتها الفائقة على تخطيط المجتمعات البشرية وفق معايير دينية وإدارية وعسكرية متطورة ، مما يبطل كل ادعاءات المتجاهلين لتاريخ العمران الإسلامي .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ( ) البلاذري ، أبو الحسن أحمد بن يحيى . فتوح البلدان . تحقيق : مصلحة التفتيش بدار الكتب المصرية ، القاهرة : مطبعة التقدم ، 1932 م .
- 2 ( ) ابن خلدون ، عبد الرحمن بن محمد . مقدمة ابن خلدون . تحقيق : درويش الجيدي ، بيروت : دار الفكر للطباعة والنشر ، 2004 م .
- 3 ( ) ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله . معجم البلدان . بيروت : دار صادر ، 1977 م .
- 4 ( ) المقدسي ، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد . أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم . ليدن : مطبعة بريل ، 1906 م .
- 5 ( ) الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن علي . تاريخ بغداد ومدينة السلام . تحقيق : بشار عواد معروف ، بيروت : دار الغرب الإسلامي ، 2001 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.