يستعرض هذا المقال جامعة اليرموك بوصفها منارةً معرفيةً شامخةً، ومهداً لذكريات العمر التي صاغت مسيرتي الأكاديمية والقيادية، حيث يجسد النص رحلةً إنسانيةً وعلميةً ممتدة بين عراقة الماضي وألق الحاضر في رحاب صرحٍ استوطن الوجدان، وظلّ طوال سنواتٍ خلت نبضاً للذاكرة ومصنعاً للأجيال.

جامعة اليرموك : ذكرياتُ العمرِ ، وعهدُ الوفاءِ للعلمِ

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

( أكاديمي وتربوي وباحث في التاريخ والحضارة )

​في قلب " عروس الشمال " إربد ، وفي رحاب مدينة تعبق بالتاريخ ، تقف جامعة اليرموك كصرح علمي شامخ ومنارة معرفية تجاوزت حدود المكان . إنها ليست مجرد مؤسسة تعليمية ، بل هي كيان وطني متكامل يجمع بين عراقة التأسيس وحداثة الرؤية ، وهي " بيت العمر " الذي كان لي شرفُ الانتماء إليه طالباً نهل من معينها الصافي في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا ، حيث قضيتُ بين جنباتها أجمل سنوات عمري . لقد كانت تجربتي في رحاب اليرموك رحلةً استثنائية بدأت منذ مطلع التسعينات ، ذلك العقد الذي أعتبره عقد التحولات الكبرى في مسيرتي ، حيث كان وجودي في الجامعة خلال الفترة ما بين 1990 م و 1997 م ، ما بين مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا ، محطةً مفصلية صقلت شخصيتي ، وأكسبتني تميزاً في مجالات شتى .

دلالة الاسم :

​لم يكن اختيار اسم " اليرموك " وليد الصدفة ، بل جاء تيمناً بـ " معركة اليرموك الخالدة " . هذا الاسم يحمل دلالة رمزية عميقة ، بأن الجامعة هي امتداد لسيادة الفكر وفتح لآفاق العلم ، لتكون دائماً ساحةً لمعارك البناء والنهضة المعرفية .

محطاتٌ في ذاكرة الطالب والقيادي :

​لا تكتمل حكاية اليرموك دون استحضار تلك الأيام ، ففي مرحلة البكالوريوس ، كنتُ طالباً نشطاً ، حيث ترشحتُ في السنة الثانية لـ " جمعية قسم التاريخ " بكلية الآداب العريقة ، وحققتُ المركز الأول بأعلى الأصوات لأصبح رئيساً لها . وفي عام 1993 م ، ومع التحولات الطلابية واستبدال الجمعيات بـ " اتحاد طلبة جامعة اليرموك " ، ترشحتُ مجدداً وفزتُ بأغلبية ساحقة لأكون عضواً في مجلس الاتحاد الأول ، في تجربة غنية لا تُنسى . ومع الانتقال لمرحلة الدراسات العليا ، تفرغتُ للبحث العلمي الذي يتطلب جهداً عالياً ، ممتناً لكل المدرسين والقامات الأكاديمية في قسم التاريخ ، الذين كان لهم الفضل الكبير في صقل شخصيتي وإثرائي بالمعارف ، والذين أحتفظ لهم بكل التقدير والاحترام .

الرؤية والرسالة :

​تتبنى جامعة اليرموك رؤية طموحة تهدف إلى الريادة والتميز في التعليم والبحث العلمي ، وتتجسد رسالتها في إعداد كفاءات علمية متسلحة بالعلم والمعرفة ، مع التركيز على تعزيز قيم التفكير الناقد ، وحرية التعبير ، ورفد سوق العمل بمدادٍ من الإبداع يسهم في بناء اقتصاد المعرفة .

بنية أكاديمية ومكانة عالمية :

​تضم جامعة اليرموك 15 كلية تقدم برامج واسعة ومتنوعة ، وتعد هذه الكليات حاضنات للفكر ، حيث تدمج بين الأصالة والعلوم الحديثة . وتحظى الجامعة بسمعة أكاديمية مرموقة تنعكس في نيل العديد من كلياتها اعتمادات دولية رفيعة المستوى ( مثل اعتماد ABET للهندسة ، و ACPE للصيدلة ، و UNWTO للسياحة ) ، كما تتقدم بثبات في التصنيفات العالمية .

الجامعة في خدمة المجتمع :

​تؤمن جامعة اليرموك بمبدأ " الجامعة في خدمة المجتمع " ، فهي شريك استراتيجي في التنمية المحلية ، إذ تجري البحوث الميدانية التي تعالج قضايا المجتمع ، وتعمل على تعزيز الهوية الوطنية وحماية التراث الحضاري والأثري ، وتقدم الاستشارات والخبرات العلمية لمؤسسات الدولة والمجتمع .

استشراف المستقبل :

​إن جامعة اليرموك ، بتاريخها الحافل وحاضرها المتجدد ، تفتح أبوابها دائماً نحو المستقبل . فهي تحتضن تخصصات العصر ، وتجدد عهدها في كل يوم لتكون " جامعة ذكية " ، منفتحة على التطور ، ومتمسكة بجذورها ، لتظل دائماً منارةً للعلم ورايةً للمجد تخرّج الأجيال التي تبني مستقبل الوطن .

​سلامٌ على اليرموك ، الصرح الذي يسكن الذاكرة ، والعطاء الذي لا ينضب .