يستعرض المقال سيرة البطل الشهيد يوسف العظمة ومسيرته العسكرية وملحمة ميسلون ، داعياً إلى ترميم منزله التاريخي وتحويله إلى متحف وطني .

بيت الشهيد يوسف العظمة : بين صمت الجدران وعنفوان التاريخ

بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبة

​تتجلى في الذاكرة الوطنية السورية والعربية رموز خالدة لا تبرح وجدان الأمة ، ويتقدم صفوفها قاطبة البطل الشهيد الفريق أول يوسف باشا العظمة ، وزير الحربية ورئيس أركان الجيش في المملكة العربية السورية ، وقائد معركة ميسلون الخالدة في عام 1920 م دفاعاً عن دمشق في مواجهة الاحتلال الفرنسي ، الذي خطّ بدمائه الطاهرة أسمى آيات التضحية والفداء دفاعاً عن كرامة الوطن في مواجهة الزحف الاستعماري ضد الجيش العربي الفتي في عهد حكومة الملك فيصل الأول ابن الحسين . وحين تتأمل العين الصورة المرفقة لمنزل هذا الرمز الوطني الكبير ، تتداعى إلى الخاطر معانٍ عميقة تدمي القلب وتوقد جذوة الأمل في آنٍ واحد ؛ فهذا المنزل الذي شهد ميلاد ونشأة بطل الاستقلال ظل مغلقاً وموصد الأبواب لعقود طويلة من الزمن منذ استشهاد صاحبه وانقطاع ذريته المباشرة إلا من ابنته الوحيدة ( ليلى ) التي رحلت مع أمها إلى تركيا وولدت هناك ، حيث عمدت السلطات السورية المتعاقبة في ظل النظام البائد إلى إبقائه مغلقاً لأسباب سياسية وحسابات ضيقة ، محاولة طمس رمزيته أو تحييد إرثه النضالي عن وعي الأجيال . وإننا اليوم ، وفي ظل الواقع الجديد ، نتوجه بنداء صادق إلى إدارة الحكومة الجديدة وعموم محبي التاريخ والتوثيق والتراث الوطني ، لضرورة التدخل العاجل لترميم وصيانة هذا البيت التاريخي العريق ، وتحويله إلى متحف يليق بعظمة تاريخ الشهيد يوسف العظمة وبطولات تلك الحقبة المجيدة من تاريخ سورية الحديث .

​أولاً : جذور البطل وعراقة الأسرة والنشأة الأولى

​تنتسب أسرة الشهيد إلى آل العظمة ، وهي أسرة دمشقية عريقة ومتجذرة في التاريخ ، استوطنت حي الشاغور ( الصمادية ) بدمشق الشام منذ قرون ، وعُرفت بتوارثها للتقاليد العسكرية والسياسية والعلمية منذ القرن السابع عشر الميلادي ، حيث يرجح النسابون أصولها العربية التي امتدت إقامتهم لبعض الوقت في قونية .

​وُلد الشهيد يوسف بن إبراهيم ( أو عيسى ) العظمة في حي الشاغور بدمشق عام 1884 للميلاد لأسرة متوسطة الحال ؛ فقد كان والده المرحوم إبراهيم العظمة موظفاً في دائرة مالية دمشق ، غير أن المنية أدركته وتوفي مبكراً عام 1890 م حين كان يوسف طفلاً في السادسة من عمره . لتتولى رعايته وتربيته يد الحنو والمسؤولية ممثلة بشقيقه الأكبر عبد العزيز ( عزيز ) العظمة ، الذي أحسن توجيهه ورعايته في مساره المبكر .

​وقد امتدت هذه الأسرة الكريمة المعطاءة لتقدم عبر تاريخها الحديث كوكبة من الأعلام والرجال الكبار الذين تركوا بصمات واضحة في مسيرة الوطن ، من أمثال المجاهدين والوزراء نبيه العظمة و عادل العظمة ، والطبيب ورئيس الوزراء الأسبق بشير العظمة ، والأديب والوزير والداعية الإسلامي أحمد مظهر العظمة ، فضلاً عن الفنان والناقد السوري الشهير ياسر العظمة .

​وعلى صعيد الأسرة الخاصة للشهيد ، فقد تزوج السيدة منيرة ( تركية الأصل ) ، ورزق منها بابنته الوحيدة ليلى يوسف العظمة ( 1915–1971 م ) ، التي نشأت يتيمة الأب إثر استشهاده البطولي في ميسلون ، وارتحلت لاحقاً مع والدتها إلى تركيا حيث نشأت وولدت هناك بعيداً عن ربوع الوطن .

​تلقى يوسف تعليمه الأولي في مدارس دمشق ، وأتقن عدة لغات عالمية بمهارة عالية شملت : العربية ، والتركية ، والفرنسية ، والألمانية ، والإيطالية ، والإنجليزية . وبدت عليه منذ صباه ملامح النبوغ والجلد وقوة الشكيمة ، مما دفع أسرته لتوجيهه نحو السلك العسكري الذي كان محط آمال الشباب الطامحين لخدمة الأمة والدفاع عنها في تلك المرحلة التي شهدت تحولات كبرى في أواخر العهد العثماني .

​ثانياً : المسيرة العسكرية والتسلسل المهني ( من الجيش العثماني إلى الجيش العربي )

​تدرج يوسف العظمة في مراقي المعرفة العسكرية بخطى ثابتة وواثقة عكست كفاءة نادرة عبر المحطات الزمنية الآتية :

1 ) عام 1903 م : تخرج في المدرسة الحربية السلطانية بالآستانة ( إسطنبول ) برتبة ملازم ثانٍ ، وتدرج فنال رتبة ملازم أول بعد سنتين .

2 ) عام 1907 م : التحق بمدرسة أركان الحرب فنال رتبة يوزباشي أركان الحرب ووسام المعارف الذهبي .

3 ) عام 1908 م : أصبح مدربا مساعدا للتعبئة بمدرسة الأركان في قصر يلدز .

4 ) عام 1909 م : درس في مدرسة أركان الحرب العليا في ألمانيا ، وعُيّن ملحقا عسكريا في المفوضية العثمانية بالقاهرة ومعاونا للمفوض السامي العثماني .

5 ) عام 1912 م : عاد إلى الآستانة ليشارك في العام التالي ( 1913 م ) في حرب البلقان .

6 ) فترة الحرب العالمية الأولى ( 1914 - 1918 م ) : اسهم كرئيس لأركان حرب الفرقة 20 ثم الفرقة 25 العاملة في بلغاريا والنمسا ورومانيا ، وضمه المارشال ماكترون إلى هيئة أركان الحرب الألمانية ممثلا للجيش العثماني ، ثم عُيّن مرافقا لوزير الحربية العثماني أنور باشا ورئيسا لأركان حرب القوات المرابطة في القوقاز ورئيسا لأركان الجيش الأول في إسطنبول .

7 ) مرحلة حكومة الاستقلال : غادر إسطنبول بنهاية الدولة العثمانية واستعان به الملك فيصل الأول مرافقا له ، ثم عُيّن معتمدا لأركان الحرب العامة في سوريا برتبة قائمقام لتأسيس الجيش السوري ، وشغل منصب وزير الحربية ورئيس أركان الجيش في المملكة العربية السورية ( من 3 مايو 1920 حتى استشهاده في 24 يوليو 1920 ) .

​ثالثاً : ملحمة ميسلون واستشهاد البطل الأسطوري

​حين وجه الجنرال الفرنسي هنري غورو إنذاره الشهير للحكومة العربية في دمشق في يونيو 1920 م متضمناً شروطاً مجحفة تمس السيادة الوطنية ، واجه موقفاً حكومياً مال نحو القبول ، لكن الشهيد يوسف العظمة ووزير الخارجية الدكتور عبد الرحمن شهبندر رفضا ذلك بقوة . وفي صباح 24 تموز ( يوليو ) 1920 م ، قاد العظمة مقاومة غير متكافئة ضمت ثلاثة آلاف من المتطوعين السوريين في مواجهة تسعة آلاف جندي فرنسي مدججين بالعتاد إلى ممر ميسلون .

​خاض المعركة ببطولة أسطورية ومقاتلة بنفسه حتى استشهد إثر إصابة بعيار ناري مقبلاً غير مدبر عن عمر ناهز ( 35-36 عاماً ) ، مسطراً أطهر ملحمة في تاريخ العروبة الحديث كأول وزير دفاع عربي استُشهد في معركة . وقد دُفن في مقبرة الشهداء في ميسلون ، ورثته قصائد الشعراء وفي مقدمتهم علي محمود طه . وفي عام 1937 م صُمم نصب تذكاري برونزي للبطل بريشة الفنان محمود الطويل بتمويل من المغتربين في البرازيل ، ووضع مقابل مبنى البرلمان عام 1938 م ليُنقل لاحقاً إلى ساحة المحافظة ( ساحة يوسف العظمة ) .

​رابعاً : بيت الشهيد : إهمال متعمد ونداء عاجل للإنقاذ والتكريم

​إن صورة منزل الشهيد يوسف العظمة الماثل أمامنا اليوم وهي تقطر صمتاً وإهمالاً ، تروي فصلاً مؤلماً من تاريخ الذاكرة الوطنية المصادرة ؛ فقد بقي هذا المنزل مغلقاً ومهملاً لعقود طويلة بعد استشهاده لأسباب سياسية وأيديولوجية تفتقر إلى الوفاء لرموز الأمة .

​من هنا ، ومن منطلق الوفاء لتاريخنا العريق والمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق الجميع ، فإننا نُطلق نداءً عاجلاً ومخلصاً إلى إدارة الحكومة الجديدة وإلى كافة الجهات المعنية بالتراث والثقافة ، وإلى محبي التاريخ والتوثيق والباحثين ، للعمل الفوري على إعادة فتح وترميم وصيانة هذا البيت التاريخي العريق وتحويله إلى متحف وطني دائم يخلد سيرته ومقتنياته وبطولات معركة ميسلون .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمه المصادر والمراجع
  2. ​1 ) الموسوعة العربية : موسوعة العظمة ( يوسف - ) .
  3. 2 ) موقع التاريخ السوري المعاصر : سيرة ليلى يوسف العظمة .
  4. 3 ) موقع ويكيبيديا : صفحة الفريق يوسف باشا العظمة .
  5. 4 ) مقالات ومصادر التاريخ السوري الحديث : توثيق عائلة آل العظمة ونشأة البطل .
  6. 5 ) شبكة الجزيرة الإعلامية : ملفات تاريخية عن معركة ميسلون وشهداء الوطن العربي .