يتناول المقال سيرة الملكة مصباح بنت ناصر ، الزوجة الأولى للملك المؤسس عبد الله الأول وأم الملك طلال ، مسلطاً الضوء على محطات حياتها في التأسيس ، ونسبها الشريف ، ودورها الوطني والإنساني ، وإقامتها وقصرها التاريخي في مدينة إربد حتى وفاتها ودفنها في المقبرة الملكية .

الملكة مصباح ... شريكة التأسيس وظلّ المسيرة في تاريخ الأردن الحديث

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تزخر صفحات التاريخ الأردني والعربي بالعديد من الشخصيات النسائية البارزة التي تركن في ذاكرة الوطن كرموز للعطاء والصبر والثبات . وتأتي في طليعة هذه الشخصيات الملكة مصباح ، الزوجة الأولى للملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين وأم الملك طلال ، وأول ملكة على عرش المملكة الأردنية الهاشمية . لقد مثلت الملكة مصباح نموذجاً للمرأة العربية الأصيلة التي واكبت مراحل التأسيس الأولى ، ورافقته في دروب الهجرة والجهاد وبناء الدولة .

​الميلاد ، التوأمة والنسب الشريف :

​وُلدت الملكة مصباح في مدينة مكة المكرمة عام 1884 ميلادية ( في فترة كانت تتبع فيها للدولة العثمانية ) ، وحملت لقب شريفة مكة بحكم انتمائها العريق . وهي الابنة التوأم الكبرى للأمير ناصر باشا وزوجته السيدة ديلبر خانوم ، بينما كانت شقيقتها التوأم الصغرى هي الملكة حزيمة ( ملكة سوريا والعراق ، وزوجة الملك فيصل الأول ابن الحسين ) .

​والدها هو الشريف ناصر بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون ( الأمير ناصر باشا ) ، وهو شقيق الشريف حسين بن علي بن عون ( ملك العرب ، مولود إسطنبول 1845م ومتوفى عمان 1931م ) . وبذلك تنتمي الملكة مصباح إلى الشجرة المباركة للدوحة الهاشمية العريقة ، وتتفرع عموم العائلة الهاشمية من أبناء الشريف حسين وهم :

1 ) الملك علي بن الحسين ( ملك الحجاز 1879م - 1935م ) ، والد الأمير عبد الإله .

2 ) الملك عبد الله الأول ابن الحسين ( ملك الأردن 1882م - 1951م ) .

3 ) الملك فيصل الأول ابن الحسين ( ملك سوريا والعراق 1883م - 1933م ) .

4 ) الأمير زيد بن الحسين ( والد الأمير رعد بن زيد 1898م - 1970م ) .

​نشأت في بيئة تتشبع بالتقاليد الهاشمية الأصيلة التي تتسم بالوقار والفروسية وعزة النفس ، مما أتاح لها أن تتسلح بالحكمة ورجاحة العقل لتكون سنداً حقيقياً للأمير عبد الله بن الحسين خلال مسيرته .

​الزواج الميمون والذريّة الكريمة :

​اقترن الأمير عبد الله بن الحسين بالنبيلة مصباح في عام 1904 ميلادية في قصر إستينيه ( ستينيا ) بإسطنبول عاصمة الدولة العثمانية ، لتكون زوجته الأولى من بين ثلاث زوجات اقترن بهن الملك طوال حياتهن ( وهن : الملكة مصباح ، والأميرة سوزديل خانوم ، والملكة ناهدة بنت عثمان ) .

​وقد أثمر هذا الزواج المبارك عن إنجاب الأبناء :

1 ) صاحبة السمو الملكي الأميرة هيا ( 1907م - 1990م ) ، والتي تزوجت من عبد الكريم جعفر زيد دهاوي .

2 ) الملك طلال بن عبد الله ( 26 فبراير 1909م – 4 فبراير 1972م ) ، ثاني ملوك الأردن ، الذي تولى عرش المملكة بعد استشهاد والده الملك المؤسس .

3 ) صاحبة السمو الملكي الأميرة منيرة ( 1915م - 1987م ) ، ولم تتزوج قط .

​ومع إعلان استقلال المملكة وتحول الإمارة إلى مملكة في 25 مايو 1946م ، أصبح الملك عبد الله الأول ملكاً للأردن ، لتصبح الملكة مصباح - باعتبارها زوجته الأولى - أول ملكة على عرش المملكة الأردنية الهاشمية . ومع اندلاع الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين بن علي عام 1916م ، كانت الملكة مصباح حاضرة في قلب الأحداث ، تشهد تطلعات الأمة نحو الحرية والاستقلال .

​رحلة التأسيس والإقامة في معان وعمّان :

​عندما وصل الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان في عام 1921م في طريقه إلى عمان لتأسيس إمارة شرق الأردن ، كانت الملكة مصباح حاضرة في تفاصيل هذه المرحلة التاريخية المفصلية . ومع استقرار الأسرة المالكة في العاصمة عمّان ، واجهت الملكة مصباح - إلى جانب زوجها الملك المؤسس - تحديات مرحلة التأسيس وبناء مؤسسات الدولة الحديثة .

​دورها السياسي والإنساني والاجتماعي :

​جسدت الملكة مصباح في مسيرتها طوداً من أطواد الوعي والمسؤولية ، فعلى الصعيد السياسي والوطني ، كانت سنداً لرفيق دربها الملك المؤسس ، وعُرفت بعلاقاتها الوثيقة مع سيدات المجتمع الأردني الرائدات اللواتي ساندن الحركة الوطنية والنضالية ضد الاحتلال الإنجليزي ، حيث تشهد الذاكرة التاريخية ( وما وثقه الباحثون كتحسين أحمد التل عن والدته ) عمق صلاتها الاجتماعية في شمال الأردن ، ودور سيدات المجتمع الفضليات - مثل السيدة ريا عمر مصطفى التل ( أم هاجم ) ، زوجة الوزير خلف باشا التل - في دعم العمل الوطني ووقوفهن إلى جانب أحرار الأردن في تلك المرحلة الدقيقة .

​أما على الصعيد الإنساني والاجتماعي ، فقد عُرفت بخصال البر والتقوى ومساعدة المحتاجين ورعاية المبادرات الخيرية والاجتماعية التي تعزز التكافل بين أبناء المجتمع الأردني ، عاكسةً بأخلاقها النبيلة أصالة البيت الهاشمي .

​الارتباط بمدينة إربد ، قصرها التاريخي والوفاة :

​إلى جانب استقرارها الرئيسي في العاصمة عمّان ، امتدت محطات حياتها لتترك أثراً عميقاً في شمال الأردن وتحديداً في مدينة إربد ، فقد زارت المدينة وأحبت أجواءها وطبيعتها وتقطعت بها محطات الإقامة والزيارات المتكررة حتى وافتها المنية فيها بتاريخ 15 آذار ( مارس ) عام 1961 ميلادية ، ليُنقل جثمانها الطاهر إلى العاصمة عمّان حيث دُفنت في المقبرة الملكية .

​وقد عُرف منزلها تاريخياً بـ " قصر الملكة مصباح " ، والذي كان يقع في شارع السينما بجانب بنك الإسكان ( مكان محلات ضراغمة لاحقاً ) . وقد بُني هذا المقر بالحجر الأحمر الجميل المجلوب من منطقة عين تراب ، وقام ببنائه المعماري البارز فالح حسين كريزم ليكون مقراً لإقامتها وتواجدها في المدينة . وبعد وفاتها ، تحول القصر لفترة من الزمن إلى مدرسة ، قبل أن ترتئيه بلدية إربد لاحقاً فيصار إلى إزالته ليُبنى مكانه لاحقاً مبنى دائرة أوقاف إربد والمحكمة الشرعية سابقاً .

​الإرث والمكانة في الذاكرة الوطنية :

​رحلت الملكة مصباح بنت ناصر عن دنيانا تاركةً خلفها إرثاً عريقاً من السيرة العطرة والمواقف النبيلة التي تشهد على دور الرعيل الأول من نساء الأردن في ترسيخ أركان الدولة . فقد كانت جزءاً لا يتجزأ من حكاية التأسيس والصمود ، وبقيت صورتها محفورة في وجدان التاريخ الأردني كرمز من رموز الوفاء والعطاء الوطني .

ملاحظات إضافية

الصورة الثانية المرفقة بالمقال هي صورة
قصر الملكة مصباح " في مدينة إربد ، والذي كان يقع في شارع السينما بجانب بنك الإسكان.

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) وثائق وأرشيف الديوان الملكي الهاشمي : تاريخ وتأسيس إمارة شرق الأردن .
  3. 2 ) كتاب تاريخ الأردن الحديث والمعاصر : الدكتور عبد القادر الطاهر .
  4. 3 ) مذكرات الملك عبد الله الأول بن الحسين : دار الهلال .
  5. 4 ) أرشيف صحيفة الرأي الأردنية : مقالات ووثائق تاريخية حول أعلام الأردن .
  6. 5 ) سجلات العائلة الهاشمية والانساب النبوية الشريفة : الشريف محمد بن علي .