حين نغوص في أعماق أدب السجون العربي ، فإننا لا نتصفح مجرد أوراق وثّقت حقبة من الألم أو وثائق سجلت قسوة القضبان ، بل نلامس أرواحاً أبيّة تأبى الانكسار . وفي هذا السياق ، تبرز رواية ( القط الذي علمني الطيران ) للروائي والكاتب الأردني البارز ابن بلدة حوارة في محافظة إربد هاشم بديوي غرايبة ، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع عام 2011 م ، كواحدة من أعظم نصوص أدب السجون وأعمق الأعمال الأدبية التي أعادت صياغة مفهوم الحرية والكرامة الإنسانية .
الكاتب والتجربة : بين قسوة الزنزانة وإشراقة الإبداع :
لا يمكن فهم عوالم هذه الرواية بمعزل عن سيرة مؤلفها ، فالأديب هاشم بديوي غرايبة ( وُلد في بلدة حوارة بمحافظة إربد عام 1953 م ) عُرف بمواقفه الفكرية ونشاطه السياسي المبدئي ، وهو ما عرضه لتجربة اعتقال قاسية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ( قضى سنوات طويلة خلف القضبان ، شملت حقبة في سجن إربد العتيق / السرايا ) . هذه التجربة المريرة لم تكسر روحه ، بل تحولت إلى مختبر إنساني وفكري ألهم مشروعه الروائي والثقافي ، وحولته إلى صوت مخلص للذاكرة الجمعية للإنسان الأردني والعربي .
وقد تجلت رمزية هذا النضال الإنساني حين أهداها الكاتب لترمز إلى شعلة الخلاص والحرية ، مستعيداً تلك التجربة الفريدة مجددًا في أعماله اللاحقة وكتاب سيرته الذاتية والتجريبية ( سنة واحدة تكفي ) ، جامعاً فيه ببراعة بين حرارة الواقع وجماليات التخييل ، وموثقاً من خلالهما روح مدينة إربد وقرية حوارة مسقط رأسه
بين الواقع والتخييل : عوالم الزنزانة :
لا تقدم الرواية سرداً تقليدياً لأيام الاعتقال التي عاشها بطلها ( عماد الحُوّاري ) ( السجين السياسي الذي أُعتقل في الأردن على خلفية انتسابه إلى الحزب الشيوعي عقب حرب عام 1967 م ) ، ولا سيما مع تداخل الأحداث مع زيارة الرئيس المصري أنور السادات التاريخية إلى القدس . بل تأخذ القارئ في رحلة فلسفية وإنسانية مذهلة داخل جدران المعتقل الذي تحول لاحقاً إلى ( متحف السرايا ) .
تدور الأحداث حول سجين يجد نفسه مقيداً بسبب أفكاره ، ليتشارك مع رفاقه تفاصيل رتابة الوقت وقسوة العزلة . وهنا تبرز شخصية ( سعيد ) الملقب بالقط ( وهو سجين داهية وحكيم ) ، ليتجلى رمزاً لروح الحرية الفطرية والتمرّد ، وليزرع الأمل في نفس البطل ، معلماً إياه أن التحليق الحقيقي لا يحتاج إلى أجنحة من ريش ، بل إلى إرادة صلبة ترفض الخضوع
فلسفة الحرية والرفض :
إن العنوان بحد ذاته يختزل فلسفة العمل وعمقه ، فالطيران هنا ليس تحليقاً جسدياً ، بل هو انعتاق الروح من قيود القهر والسلطة الغاشمة . لقد استطاع السجين ، بتأمله في دهاء رفيقه وتمرده ، أن يكتشف جناحي ( الإرادة والرفض ) ، وهما السلاح الأبدي في وجه الاستبداد ، مستحضراً حكمة عميقة تتردد في ثنايا النص :
( أصل الإنسان ليس قرداً ، أصله روح بجناحين ، لما تعرف روحك ينبت لك جناحان . )
كما تبرز عبارات أخرى تلخص قسوة المكان وفلسفته ، مثل : ( السجن لا يبتلع الناس ، بل يبتلع طعم الأشياء ونكهتها ) ، و ( طرد من القطيع لأنه اكتشف أن الطيران هو الحرية ، وعليه أن يدفع ثمن هذه الخطيئة ) .
لقد نجح الكاتب في نقلنا عبر لغة سردية غنية تلامس الوجدان ، مازجاً بين مرارة الواقع ودفء الذاكرة وحكايات المكان ، لتنتهي الرواية بمشهد درامي ينجح فيه بطلها عماد في الهروب من البوابة الرئيسية للسجن بمساعدة أصدقائه بعد افتعال حوض من الفوضى والحريق .
في النهاية ، تتركنا هذه الرواية - ومسيرة صانعها الملتزمة بقضايا الحرية والإنسان - أمام تساؤلات عميقة حول معنى أن يكون الإنسان حراً من الداخل ، مستلهمة أن الأسوار مهما ضاقت ، فإن سماء الروح تبقى أوسع من أن تُقيد ، لتظل هذه الأعمال شاهداً أدبياً خالداً على صلابة الإنسان في وجه المحن .

قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) غرايبة ، هاشم . ( 2011 م ) . رواية القط الذي علمني الطيران . عمان : دار فضاءات للنشر والتوزيع .
- 2 ) غرايبة ، هاشم . ( 2019 م ) . سنة واحدة تكفي .
- 3 ) ربيع ، ربيع . ( 2024 م ) . مراجعة كتابات أدب السجون في الأردن : بين الواقع والتخييل . منصة ميغازين

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.