يستعرض المقال أسرار الدوائر الحجرية العملاقة في البادية الأردنية وصحراء الشام ، مسلطاً الضوء على تاريخها واكتشافها الجوي وفرضيات نشأتها الغامضة بين المعتقدات الدينية والمستوطنات القديمة .

الدوائر الحجرية العملاقة في البادية الأردنية : شواهد أثرية تحكي أسرار التاريخ والاعتقاد

بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تتألق البادية الأردنية بكنوزها الأثرية الفريدة التي تحكي قصص الأمم الغابرة وتختزن في جنباتها أسرار العصور السحيقة . وتُعتبر الدوائر الكبيرة الحجرية واحدة من أروع هذه الظواهر وأكثرها غموضاً وإثارة للاهتمام ، إذ تتألف هذه المجموعة من دوائر كبرى متوزعة في الأردن وأخرى في سوريا ( حيث أشارت بعض التقارير إلى وجود 11 دائرة قديمة متطابقة تقريباً في تفاصيلها ودقتها باستثناء دائرة واحدة ) ، وتُعرف محلياً بأسماء مثل ( قصر أبو عناية ) و ( سيرة أم الحيان ) . وعلى الرغم من قدم هذه المنشآت التي يُقدر عمرها بأكثر من 2000 عام ، فإنها لم تُعط قدراً كافياً من الإهتمام الأثري لفترات طويلة ، كما أنها لا تزال مجهولة بشكل كبير حتى بين الخبراء المحليين .

​لقد اكتُشفت هذه الدوائر بالصدفة في عام 1920 من قبل طيار بريطاني يُدعى ( ليونيل ريس ) ، وذلك أثناء تحليقه فوق صحراء الشام ، وإن الصور التي التقاطها ريس لهذه المنشآت هي أولى الصور الملتقطة لهذه الآثار جواً . ولأسباب غير معروفة تم تجاهل هذا الإكتشاف ونُسي مع مرور الزمن ، واستغرق الأمر 60 سنة حتى ينتبه الناس لوجودها من جديد ، وبدأت تحظى بالإهتمام في السنوات الأخيرة بفضل أعمال باحث في جامعة غرب أستراليا يدعى ( ديفيد كينيدي ) الذي يدير مشروع علم الآثار الجوي في الأردن منذ عام 1997 م .

​تتسم هذه التشكيلات الهندسية بخصائص فريدة ومميزة ، فهي مبنية من جدران حجرية بسيطة ومنخفضة الارتفاع من صخور الحقول أو البازلت غير المشذبة ، ولا تحتوي على أبواب أو مداخل ظاهرة ، مما يتطلب تجاوز الجدار للوصول إلى داخلها بكل بساطة عن طريق القفز فوقه . تتراوح أحجام هذه الدوائر ما بين 220 متراً إلى 455 متراً في القطر ( حيث يبلغ قطر الواحدة منها نحو 400 متر ) ، وبعضها ذو تكوين خام بينما قُصِد من أخريات أن تكون دقيقة هندسياً بنحو يثير الدهشة والاستغراب . كما أن هناك بعض الجدران التي انهارت نتيجة العوامل الزمنية ، وتحتوي بعض هذه الدوائر على طرق تاريخية مثل الطريق الروماني ( فيا نوفا تريانا ) ، وهذا يرجح قدم عمر هذه الآثار . ولا يمكنك أن ترى هذه الدوائر العملاقة بشكلها الكامل إلا إذا نظرت إليها من الجو ، أو باستخدام صور جوية أو عبر الأقمار الصناعية .

​لم يكن بناء هذه الدوائر أمرا صعبا للغاية من حيث توفر المواد ، فوفقاً للبروفيسور ( ديفيد كينيدي ) يمكن بناء هذه الدوائر باستعمال صخور محلية بمساعدة نحو دزينة من العمال خلال أسبوع ، ولكن المعضلة الكبرى تكمن في الدقة والمهارة العالية المطلوبة لتنفيذها بلا أدوات حديثة ، ولماذا بُنيت هذه الدوائر أصلاً ؟ وما السبب في ذلك يا ترى ؟ ومن غير المرجح أن سبب بنائها كان من أجل الحفاظ على الماشية ، لأن الجدران ذات ارتفاع قليل مما يسمح للحيوانات بالقفز من فوقها بسهولة ، كما أنه من غير الضروري أن يكون شكل حظائر المواشي دقيقاً إلى هذه الحد .

​تتوزع هذه المعالم بوضوح جغرافي دقيق عبر التصوير الجوي في مناطق متعددة من الصحراء الأردنية والبادية الشرقية ، بالقرب من معالم تاريخية مثل الخطوط الحجرية القديمة . فمن بين الدوائر هناك ثمانية توجد في وسط غرب الأردن بين وادي الحسا وأطراف جبال الشراة ( حافة جرف الشرع ) ، وأربعة إلى الشمال مباشرة من واحة الأزرق في وسط شرق البلاد ( حيث تقع إحداها والمعروفة بـقصر أبو عناية على بعد 4 كم غرب خط الحديد الحجازي والطريق الصحراوي ، ودائرة سيرة أم الحيان على بعد 5 كم غرب الخط ) . كما تم اكتشاف دوائر في سوريا أكبر من نظيرتها في الأردن منها دائرة حمص التي اكتشفت في عام 2002 م . ولا يعرف علماء الآثار الكثير من المعلومات الدقيقة حول هذه الدوائر مما يجعلهم بحاجة ماسة للحفر في مواقعها لكي يتبينوا الأمر بشكل علمي دقيق ، فالصور الجوية وحدها لا يمكنها أن تدلنا على السبب الحقيقي لبنائها .

​وفي سياق متصل ، زار كل من عالمي الآثار غراهام فيليب و برادبيري بالمشاركة مع جامعة دورهام في إنجلترا موقع دائرة كبيرة تقع قرب مدينة حمص السورية . وعلى الرغم من أن الدائرة كانت متضررة ونصف مدمرة ، إلا أنهم تمكنوا من فحصها وأكملوا عملهم الميداني . لقد تم إنشاء هذه الدائرة بوضع يسمح للشخص الذي يقف داخلها أن يرى المحاصيل والمستوطنات والأكواخ - التي تقع ضمنها وقد يعتقد أنها كانت تستخدم لحفظ المعدات الزراعية وأيضاً لتأمين ظل يسترخي تحته المزارعون عند الاستراحة - بنظرة بانورامية . قال الباحثان السابقان في ورقة بحثية نشرت عام 2010 في مجلة ليفانت : ” ربما كان لهذا السبب الدور الأكبر في تحديد الأمكنة التي تم إنشاء هذه الدوائر فيها . “

​تتعدد التفسيرات والاجتهادات العلمية حول هذه الظواهر ؛ فبينما يرى بعض الخبراء مثل الدكتور محمد أبو عبيلة أن هذه الدوائر تعود لأغراض ومعتقدات دينية منذ الألف الرابع قبل الميلاد في العصرين النحاسي والبرونزي ، يشير آخرون مثل البروفيسور الجيولوجي أحمد الملاعبة إلى أن بعضها يمثل مخلفات مستوطنات قديمة أو مسارات خصصت لتدريب الكلاب على الصيد أو زراعة المحاصيل أو الممارسات الدينية . ومع ذلك ، لا يزال الغرض الدقيق من هذه الدوائر الضخمة غير مؤكد تماماً حتى الآن في انتظار المزيد من الدراسات والحفريات الميدانية المفصلية .

​هكذا تظل هذه الشواهد الحجرية العملاقة في البادية الأردنية صرحاً ناطقاً بعراقة التاريخ الإنساني وأسراره الدفينة التي ترتبط بجذور المعتقدات والأنشطة القديمة . وإن العناية بهذا الإرث الأثري العريق يجسد أمانة الوفاء لجهود الأجداد ، ليتبوأ تاريخنا الوطني مكانته المرموقة منارةً تضيء دروب المعرفة للأجيال القادمة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) المسوحات الأثرية وصور الأقمار الصناعية : أرشيف أبحاث الدكتور ديفيد كينيدي ( جامعة غرب أستراليا ) و " مشروع علم الآثار الجوي في الأردن " حول المنشآت الحجرية والدوائر الكبرى في البادية الأردنية وصحراء الشام .
  3. 2 ) الدراسات والتقارير الصحفية والمنصات الرقمية : تقارير صحيفة " ديلي ميل " البريطانية ومقالات شبكة " زاد الأردن " الإخبارية ومنشورات أرشيفية تفصيلية حول الهياكل الدائرية في الشرق الأوسط ومواقع مثل قصر أبو عناية وسيرة أم الحيان .
  4. 3 ) الدوريات والدراسات العلمية : مجلة ليفانت ( Levant ) ، ورقة بحثية منشورة عام 2010 للباحثين غراهام فيليب و برادبيري ( جامعة دورهام في إنجلترا ) حول أعمال التنقيب الميداني في دائرة حمص .
  5. 4 ) اللقاءات والآراء الأثرية والجيولوجية : تصريحات وتقديرات الخبراء الدكتور محمد أبو عبيلة والبروفيسور الجيولوجي أحمد الملاعبة حول طبيعة المنشآت ومعتقداتها التاريخية .
  6. 5 ) التقارير التاريخية والميدانية : توثيق الاكتشافات الجوية الأولى للدوائر الحجرية بواسطة الطيار البريطاني ليونيل ريس في عام 1920 م .