تسعى الذاكرة الشعبية دائماً إلى تخليد آبائها الذين حفروا أسماءهم في وجدان الأرض. ومن بين هذه السير العطرة التي نسلط الضوء عليها في هذا المقال الجديد، قصة المرحوم الحاج محمد علي شحادة الغرايبة، كأحد النماذج لجيل عانى من شظف العيش وقسوة الظروف التاريخية، لكنه ظل متمسكاً بأصالته.

رجال في ذاكرة حوارة: الحاج محمد الغرايبة .... سيرة الأرض والوفاء

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

تسعى الذاكرة الشعبية دائماً إلى تخليد آبائها الذين حفروا أسماءهم في وجدان الأرض. ومن بين هذه السير العطرة التي نسلط الضوء عليها في هذا المقال الجديد، قصة المرحوم الحاج محمد علي شحادة الغرايبة، كأحد النماذج لجيل عانى من شظف العيش وقسوة الظروف التاريخية، لكنه ظل متمسكاً بأصالته.

سيرة بين حقول الشمال:

تكتنف ولادة الحاج محمد هالة من الغموض، إذ لا يوجد تاريخ موثق لميلاده، وإن كانت الترجيحات تشير إلى أنه رأى النور في بلدة " جمحا “. ولم تكن حياته مستقرة في مكان واحد، فبحكم تنقل أهله بحثاً عن سبل العيش، تنقل الحاج محمد في صباه وشبابه بين عدة بلدات شمالية تركت في نفسه أثراً كبيراً، وهي : جمحا، البارحة، مرو، وصولاً إلى " حوارة “، التي استقر بها وبنى فيها ذكرياته، وذلك بحسب ما يرويه العم نبيه " هشام " الغرايبة (أبو محمد).

تزوج الحاج محمد من المرحومة " فلحة الخلف " (من عشيرة الخليفات)، ورغم أن القدر لم يرزقهما بذرية تخلد اسمهما، إلا أن سيرته الطيبة ظلت حية في قلوب معاصريه. وقد عاش حياته كمعظم أقرانه في ذلك الزمان، يعمل فلاحاً يشق الأرض ويزرعها، فكانت حبات عرقه تروي تراب هذا الوطن.

الإخوة .... ومغامرة العودة من السفربرلك:

لا يمكن قراءة سيرة الحاج محمد دون التطرق إلى قصص إخوانه التي تختزل معاناة جيل بأكمله في بدايات القرن العشرين . وقد كان له من الإخوة ثلاثة:

أولهم "جبر" الذي لم يرزق بأولاد هو الآخر، وثانيهم "أحمد" الذي آثر الاستقرار في بلدة "المغير “.

أما الحكاية الأكثر إثارة ودرامية في تاريخ هذه العائلة، فكان بطلها شقيقه الثالث " صالح الغرايبة " (أبو عبد الله)، وهو جد المرحوم " عبد الرحمن الغرايبة " (المعروف بـ بارود).

فقد عاصر صالح فترة " السفربرلك " (وهو مصطلح تركي عثماني يعني النفير العام أو التجنيد الإجباري، أعلنه السلطان محمد رشاد عام 1914م خلال الحرب العالمية الأولى). في تلك الفترة المظلمة، سيق شباب العرب قسراً إلى جبهات القتال البعيدة، ليموت الكثير منهم جوعاً أو برداً في بلاد غريبة.

لكن صالح الغرايبة رفض هذا المصير، وفي مغامرة بطولية تحبس الأنفاس، ألقى بنفسه من القطار العسكري المنطلق نحو الشمال، ورغم كل المخاطر، شق طريقه عائداً من الأراضي التركية إلى بلدة حوارة سيراً على الأقدام، متحدياً الجوع والبرد والخيالة العثمانيين، ليروي قصة صمود قل نظيرها.

قيصر صالح الغرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة الشعبية، يسعى لتوثيق الحكاية المحلية وإبراز العمق الإنساني في تفاصيلها.