يستعرض هذا المقال مملكة الغساسنة العربية ، وهي مسيرة حضارية من نزوح اليمن وتحالفهم مع الروم ، إلى دورهم التاريخي في الشام واندماجهم في النسيج الإسلامي والعالمي .

التاريخ المجيد : لمحة عن قبيلة الغساسنة العربية

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​الأصول والنزوح نحو الشام :

​في القرن السابع قبل الهجرة وصلت إلى جنوبي بلاد الشام قبائل بني غسان الذين انطلقوا من منطقة اليمن إثر سيل العرم بعد خراب سد مأرب ، حيث تعود جذورهم إلى قبيلة الأزد العربية القحطانية وتحديداً إلى كهلان . وأثناء هجرتهم استقروا في منطقة ( حوران ) عند عين ماء يقال لها غسان في منطقة تهامة جنوب الحجاز واستقروا فيها فترة من الزمن ، ليُعرفوا منذ ذلك الحين بـ ( آل غسان ) و ( آل جفنة ) نسبة إلى أول ملوكهم جفنة بن عمرو . وقد تركز تواجد واستقرار الغساسنة في مناطق الحجاز والأردن والعراق وحوران وشمال فلسطين ، حيث اتخذوا من مدينة بصرى عاصمة لهم في البداية ، ثم انتقلت العاصمة إلى الجابية في هضبة الجولان لإدارة شؤون حكمهم . وتوسع الغساسنة نحو الشمال على أطراف البادية ، فأقاموا لهم قاعدة بالقرب من مركز دمشق ، فاتخذوا ( جلق ) مقراً لهم ، وهي على أطراف دمشق إلى الشمال الشرقي منها ، وعلى تسعة كيلومترات في الموقع المعروف اليوم باسم ( حرستا ) . وإذا كانت العاصمتان الأولى والثانية قد خلفتا فيها بعض الآثار نتيجة وجود الصخور ، إلا أنهم لم يخلفوا في ( جلق ) أي أثر بسبب وجود التراب فقط ، وإن كان بعض أسماء مراكزهم لا تزال قائمة إلى الآن مثل البلاط ، والحدائق ، والنهر الغربي الذي شقوه لتكون قصورهم بين نهرين ، ولتروى من النهر الذي شقوه . ولما توسعت دمشق واقتربت من جلق أطلق اسم الجزء على الكل ، وغدت جلق كلمة مرادفة لدمشق .

​المملكة الغسانية في ظل العصر الروماني والبيزنطي :

​ترك الغساسنة حياة الرعي وأقاموا في القصور ، وأسسوا إمارة قوية متحالفة مع الإمبراطورية الرومانية الشرقية المعروفة ببيزنطة أو الروم واعتنقوا المسيحية الأرثوذكسية . وجد الرومان في الغساسنة حلفاء أقوياء وعمالاً للبيزنطيين يمكن الاعتماد عليهم لحماية حدودهم ضد غارات البدو وهجمات المناذرة عمال الفرس الذين دأبوا على تهديد الولايات الرومانية الشرقية ؛ لذلك عقدوا مع الغساسنة حلفاً عسكرياً وانضم الكثير منهم إلى الجيش الروماني واشتركوا معهم في حروبهم ضد الفرس حتى إن الإمبراطور الروماني جستنيان أطلق لقب بتريسيوس على الملك الغساني الحارث بن جبلة كمكافأة له لمساعدتهم في حروبهم . وقد كون الغساسنة دولة حدودية ضمن نطاق الدولة الرومانية وأصبحت المملكة الغسانية دولة فاصلة بين الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية تحمي طرق التجارة حتى أوائل القرن السابع الميلادي . وفي سياق الامتداد التاريخي لشخصياتهم البارزة ، يؤكد كثير من المؤرخين أن الإمبراطور الروماني ماركوس يوليوس فيلبس أو فيليب العربيّ هو غساني الأصل ومسقط رأسه هي مدينة شهبا في سوريا ، وقد اعتلى عرش روما سنة 244 م خلفًا للإمبراطور غورديان الثَّالث حتى عام 249 م ، وفي عصره احتفل بمرور ألف عام على نشأة مدينة روما التي تأسست عام ٧٥٣ ق.م .

​مملكة الغساسنة والتحالف مع البيزنطيين :

​نجح الغساسنة في تأسيس مملكة عربية قوية مستقلة ذات سيادة في أدبيات المؤرخين البيزنطيين والرومان ، حيث فرض ملوك الغساسنة سلطتهم على القبائل العربية ، وغزوا خيبر وأخذوا منهم أسرى . وحالما عجز البيزنط عن صد هجمات القبائل استنجدوا بملوك الغساسنة وتحالفوا معهم لصد هجمات القبائل والفرس الساسانيين من الشرق . وعُرف جيش الغساسنة بالبسالة والقدرة العالية والانضباط ، مما جعله يشكل قوة ردع رئيسية في المنطقة لقرون عدة امتدت من بداية القرن الثاني الميلادي إلى منتصف القرن السابع الميلادي . وفي معركة اليرموك بين قوات الفتح الإسلامي وتحالف الغساسنة والبيزنطيين ، هزم خالد بن الوليد بداية المعركة ، ثم انحاز جبلة بن الأيهم لقوات خالد بن الوليد وهزموا معاً البيزنط ، أي أن الغساسنة انحازوا لهويتهم العربية ضد البيزنط ، على الضد تماماً مما هو سائد في الإعلام الأردني وفي المناهج عن تاريخ الغساسنة .

​أشهر حكام وملوك الغساسنة :

​لعب ملوك الغساسنة ( آل جفنة ) دوراً محورياً في رسم ملامح التاريخ السياسي والعسكري في بلاد الشام ، وبرز منهم الحارث بن جبلة ( أبو كرب ) الذي يُعد أشهر وأعظم ملوك الغساسنة على الإطلاق ، إذ منحه الإمبراطور البيزنطي جستنيان لقب ( بطريق ) و ( ملك ) تقديراً لخدماته العسكرية ، واستطاع الانتصار على المناذرة في معركة حليمة ، وسار على خطاه المنذر بن الحارث في حماية نفوذ المملكة ، واشتهر بمجالسه العامرة بالأدب والشعر راعياً لكبار الشعراء . كما ضم التاريخ جبلة بن الحارث الأول كواحد من أوائل الملوك الذين ثبتوا أقدام الغساسنة ونظموا إدارتهم وتحالفاتهم الأولى في بلاد الشام ، إلى جانب جبلة بن الأيهم الذي يُعد آخر ملوك الغساسنة المستقلين والذي أسلم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( عام 13 م ) قبل أن تحدث قصة الاقتصاص الشهيرة فيرتد ملتحقاً بالقسطنطينية حتى توفي ( عام 645 م ) ، لتنتهي بوفاته صفحة الملوك المستقلين .

​تواجد الغساسنة في الأردن :

​تُعدّ أرض الأردن الحاضنة التاريخية الأبرز لمملكة الغساسنة ، فقد جعلوا من سهولها ومرتفعاتها وعواصمهم الاستراتيجية مركزاً لانطلاق نفوذهم السياسي والعسكري والثقافي في بلاد الشام ، حيث تمثلت مراكزهم ومستوطناتهم الرئيسية في البادية الجنوبية المتاخمة للجزيرة العربية ومنطقة حوران وإربد التي شكلت العمق الديموغرافي والزراعي باستقرارهم في السهول الخصبة القريبة من مصادر المياه ، واتخاذ الجابية عاصمة كبرى ومقرّاً لملكهم في منطقة حوران وجنوب الجولان القريبة من الحدود الأردنية الشمالية إلى جانب ارتباطهم الوثيق ببصرى والشام الجنوبية ، فضلاً عن امتداد نفوذهم ليشمل البلقاء وعمون والمرتفعات الوسطى في الأردن وغوطة دمشق وشمال فلسطين عبر إقامة تحصينات ومواقع مراقبة لحماية طرق التجارة وبادية الشام . وتركت هذه المسيرة شواهد عمرانية تمثلت في القلاع والحصون الحدودية التي شيدوها أو أعادوا استخدامها في بادية الأردن الشرقية والوسطى لتأمين طرق التجارة ومراقبة البدو والمناذرة ، والكنائس والأديرة التي انتشرت في عهدهم وتميزت بفن الفسيفساء الذي صنعه الغساسنة كما يظهر في تلك الخرائط الموجودة في أرضيات الكنائس في مادبا والتي تحمل توقيعات عربية أصيلة مثل توقيع سلمان المادبي وعبد الله من حسبان وسليمان من حسبان ، فضلاً عن تطوير نظم تجميع المياه والبرك والقنوات في المناطق الجافة وشبه الجافة امتداداً لتقاليد هندسة المياه اليمنية .

​نصرة الغساسنة للعرب ودورهم التاريخي في يثرب :

​شهد التاريخ مواقف مشهودة للغساسنة في نصرة أبناء جلدتهم من العرب بغض النظر عن الاعتبارات الدينية والسياسية الضيقة ، فعندما استنجد بهم زعيم الخزرج مالك بن عجلان بعد قيامه بقتل زعيم اليهود المدعو بالفطيون عامر بن ثعلبة الذي أذل القبائل وفرض عليها السخرية والضرائب والجور ، لم تتردد القوات الغسانية في تلبية النداء والانطلاق من ديارهم لنجدة الأوس والخزرج في يثرب ، ورغم أن الغساسنة كانوا يدينون بالنصرانية شأنهم شأن الإمبراطورية البيزنطية ، إلا أنهم آثروا الوقوف بحزم مع أبناء عمومتهم العرب ، حيث استخدم قائد الجيش الغساني حيلة محكمة لاستدراج ثمانين من قادة اليهود بحجة التفاوض والقضاء عليهم جميعاً لفتح الحصون المنيعة وسنّ القوانين والعهود العادلة ، قبل أن يعود جنود الغساسنة إلى قواعدهم في الأردن ، لتستقر إثر ذلك سيادة الأوس والخزرج على يثرب قرابة مئة وخمسين سنة ( نحو 450 م ) ، ويعكس هذا الموقف التاريخي الأصيل عمق الروابط العروبية ، ويؤكد أن الحضور الأردني والغساني امتد عبر التاريخ محوراً للأحداث الكبرى وحامياً لقضايا الأمة في مواجهة أشكال الاستبداد والتسلط كافة .

​الحياة الاجتماعية والترف الحضاري :

​تميز المجتمع الغساني بتنظيم قبلي متطور ومؤسسي عالي المستوى ، حيث انقسم هرم المجتمع إلى طبقات ضمت "الأشراف" أصحاب التأثير الفاعل في صناعة القرار إلى جانب الحاكم وفق نظام أقرب لحكم الأقلية ، وتلتهم طبقة المزارعين ، ثم التجار والحرفيين ، وصولاً إلى طبقة العبيد . وفي جانب العادات الاجتماعية واحتفالات الأسرة ، برزت طقوس أصيلة امتدت جذورها العميقة في الموروث الأردني ، مثل إقامة الولائم الفاخرة في الأعياد والمناسبات كعيد الميلاد ، واحتفالات تعميد الأطفال ، وإقامة "مائدة العقيقة" عند بلوغ الطفل سن السابعة ، وهي ممارسات عريقة تناقلتها الأجيال لاحقاً . أما على صعيد المطبخ والنظام الغذائي ، فقد اشتهر الغساسنة بوجبات مميزة كغمس الخبز الأبيض بالجبن والعسل وزيت الزيتون نظراً لكون الأراضي الأردنية من أكثر مناطق العالم إنتاجاً له ، فضلاً عن استثمارهم للبيئة في حفظ وتجفيف الفواكه وصنع المربيات والزبيب ، واستخدام بهارات متنوعة كالزنجبيل والكافور . كما تميز الزي الغساني بكونه مزيجاً فريداً يعكس الهوية لتمييز أنفسهم عن الرومان واليونان وعرب الجزيرة ، ومبيناً للفئات الاجتماعية والمهن والطبقات والأعمار . وفي مجالات العلوم والفنون ، ازدهر الطب والعقلية العلمية – كما شهدت كنيسة القديسين في جرش عبر تقديم العلاج المجاني للمرضى وبروز طبيبات وشخصيات علمية – إضافة إلى تقديرهم الرفيع للشعر والأنماط الموسيقية والمجالس الأدبية .

​النهضة الحضارية والثقافية :

​لم تقتصر أهمية الغساسنة على الجانب العسكري والسياسي فحسب ، بل امتدت لتشمل الجوانب الثقافية والحضارية العميقة ، فقد فتح بلاط الغساسنة أبوابه لأعظم شعراء العرب الذين قصدوا قصورهم وقصدوا ملوكهم وملئوها شعراً ومديحاً ، ومنهم حسان بن ثابت ، والنابغة الذبياني ، ولبيد بن أبي ربيعة ، والمرقش الأكبر ، وعلقمة الفحل ، والذين خلدوا مآثر الملوك الغساسنة في قصائد الفخر والمدح الخالدة . وعلى صعيد العمران والفن ، شيد الغساسنة القصور الفخمة والكنائس وأديرة الرهبان وصهاريج الرصافة والقصر الأبيض والأزرق التي ما زالت آثار بعضها شاهداً حياً على عظمتهم العمرانية في الأردنوريا . كما اعتنق الغساسنة المسيحية على المذهب اليعقوبي المونوفيزي ، ولعبوا دوراً بارزاً في نشرها وبناء المؤسسات الدينية في حوض الشام ، متسائلين بحرقة تساؤلات مشروعة : لمصلحة من يتم تشويه تاريخ الغساسنة العرب ؟ ولماذا يطلق عليهم اسم البيزنطيين من قبل المؤسسات الرسمية والصحافة والمناهج في الأردن ؟ وللمصلحة من يتم محو حلقات من ذاكرة حضارية هذه الأمة العربية ؟

​أوضاعهم بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام :

​ظل الغساسنة مستمرين دعماً للرومان حتى الفتوحات الإسلامية حيث وقفوا أيضاً بجانب سادتهم الرومان ، وقاتلوا المسلمين بضراوة ، وإن كان قليل منهم قد ساعد المسلمين في فتوحاتهم . وظلت المملكة الغسانية موالية للبيزنطيين حتى الربع الأول من القرن السابع الميلادي عندما توجهت الفتوحات الإسلامية إلى بلاد الشام زمن الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – فهزم جيش الروم في معركة اليرموك عام ( ١٥هـ / ٦٣٦ م ) ، واعتنق الإسلام أعدادٌ كبيرة منهم ، وبهذا انتهت مملكة الغساسنة التي حكمت ما يقارب أربعمائة سنة تولى خلالها الحكم اثنان وثلاثون ملكاً كان آخرهم جبلة بن الأيهم سنة 636 م . شهدت مرحلة الفتح الإسلامي هذه تحولات جذرية في البنية السياسية والاجتماعية للقبيلة ، مع انتقالهم من الحلف البيزنطي إلى الاندماج في الدولة الإسلامية الناشئة ، فعلى صعيد الموقف العسكري والسياسي أثناء الفتح ، انخرط عدد من بطون الغساسنة في التوازنات الجديدة مع تقدم الجيوش الإسلامية بقيادة أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ، رغم مشاركة قلة منهم في صفوف الروم بمعركة اليرموك ( عام 636 م ) . وفيما يخص الاندماج والمشاركة في الفتوحات ، فعلى الرغم من ارتداد بعض أفراد البيت الملكي وتوجه جبلة بن الأيهم في بادئ الأمر متنصراً ومعه 30 ألف غساني إلى الإمبراطورية البيزنطية بعد عام 585 م حيث رحبت بهم والتحقوا بالكنيسة البيزنطية ومنحهم الروم أعلى المناصب ، إلا أن غالبية أبناء الغساسنة وعشائرهم في حوران والشام دخلوا في الإسلام وشاركوا بفعالية في الفتوحات الإسلامية نحو مصر وشمال إفريقيا والعراق . وتولى بعضهم قيادة الجيوش كأمثال حسان بن النعمان الغساني الذي فتح مدينة قرطاج وطرَد الرومان من شمال إفريقيا وقاتل الملكة البربرية المشهورة ديهيا الكاهنة ، كما اعتمد عليهم الخلفاء الأمويون في إدارة الدولة لخبرتهم في إدارة الدواوين ودور المال . واستمر حضورهم كقوة اجتماعية وعسكرية وازنة في مناطق حوران والجولان والمرتفعات الأردنية مندمجين مع القبائل العربية الأخرى . وعلى المستوى الثقافي والاجتماعي ، احتفظوا بمكانتهم وثقافتهم العربية الأصيلة فنقلوا تقاليدهم في الكرم ومجالس الشعر للحاضنة الإسلامية وبقيت قصائد شعرائهم مرجعاً للفخر ، كما شكلوا جزءاً أساسياً من القبائل اليمانية القحطانية التي لعبت دوراً محوريّاً في الصراعات السياسية والاجتماعية اللاحقة في العصرين الأموي والعباسي . علاوة على ذلك ، أقام الغساسنة الدولة الرسولية في جنوب الجزيرة العربية ، حيث يرتفع نسب بنو رسول إلى جبلة بن الأيهم الغساني ، وحكمت في الفترة ( 626 – 858 هـ / 1229 – 1454 م ) .

​امتداد الغساسنة في القسطنطينية وأوروبا :

​تدكر المصادر أن جماعة من الغساسنة الذين لحقوا بالروم بعد هجرتهم من الشام ظلوا في القسطنطينية حتى انقراض ملك القياصرة ، فتركوا المنطقة مهاجرين عبر البحر إلى اليونان أو جزيرة ( كريت ) حتى استقر بهم الأمر الآن في ألبانيا وشمال مقدونيا وبيلاروسيا واستونيا وسلوفاكيا والمجر وبولندا ولتوانيا ولعل هذا ما يفسر وجود نتائج جينية كثيرة للسلالة العربية ( E-M81 ) من خلال شركة ( FamilyTreeDNA ) في تلك المناطق من أوروبا الشرقية . وقد أكرم الرومان الغساسنة ومنحوهم أعلى المناصب حتى تمكن نقفور الأول حفيد جبلة بن الأيهم الغساني من الوصول إلى عرش الإمبراطورية بين ( 802-811 م ) وهدد الخليفة هارون الرشيد الذي كان يرغم الروم على دفع الجزية وطالبه برد الأموال التي كان يبدفونها لهم . وكان رد هارون معروفاً بأن أرسل جيشاً يبلغ قوامه أكثر من مائة وثلاثين ألف جندي اجتاح الإمبراطورية الرومانية ، وبعد أن انهزم نقفور وخضوعه لشروط المسلمين قرر أن يولي وجهه نحو أوربا وبدأ بشن حملات عسكرية ضد البلغار ، واجتاح بلغاريا واحتل عاصمتها بليسكا وفر الخان البلغاري نحو الجبال ونصب كميناً للرومان في طريق عودتهم نحو القسطنطينية للاحتفال بنصرهم ، فانقض بغتة على جيشهم وتمكن من قتل الإمبراطور نقفور بن جبلة بن الأيهم ، وقيل إن الخان البلغاري قد شرب الخمر في جمجمة نقفور انتقاماً منه .

​أوضاعهم حالياً وأماكن تواجدهم :

​بعد مرور قرون طويلة على الفتح الإسلامي وانصهار القبائل العربية في النسيج الاجتماعي الموحد لبلاد الشام ، لم يعد للغساسنة كيان سياسي أو إمارة مستقلة ، غير أن ذريتهم وعشائرهم امتدت وتوزعت عبر جغرافية بلاد الشام التاريخية مندمجين بشكل كامل في المجتمعات المحلية مع احتفاظ الكثير منهم بوعيهم التاريخي وأنسابهم . وتتركز أماكن التواجد الحالي والامتداد العشائري في المملكة الأردنية الهاشمية حيث تُنسب العشائر التي يغلب عليها أو على أجزاء واسعة منها الانتماء للغساسنة إلى محافظة الكرك وقراها مثل عشائر الضمور والعضايلة والسحيمات والمبيضين والصعوب والحدادين ، إضافة إلى انتشار بطون وعائلات عديدة في إربد ومحافظات الشمال امتداداً لجذور حوران التاريخية ، وتضم كذلك عشائر العزيزات والدبابنة والقعاورة والمدانات والعمامرة وغيرهم الكثير من مسيحيي شرق الأردن وفلسطين الذين يعودون بأنسابهم إلى الغساسنة . وفي الجمهورية العربية السورية حيث تُعد حوران وجنوب سوريا الموطن التاريخي الأول والعمق الأساسي لتواجد العشائر الغسانية في درعا وجاسم وبصرى الشام ومحجة والصنمين والصلَخْد ، إلى جانب استيطان أعداد كبيرة في دمشق وغوطتها وتواجد أسر غسانية في حمص وقرى وادي النصارى وبلدة صدد . وللغساسنة بقايا معروفة إلى يومنا هذا في سوريا ولبنان مثل آل معلوف ومنهم الحمامرة في الناصرة بفلسطين وآل عطية وعشيرة الخازن ، حيث جاء في مرجع «تاريخ الناصرة» للقس أسعد منصور أن معظم الروم الكاثوليك من سكان الناصرة هم من أحفاد الغساسنة . فضلاً عن وجود عائلات متفرقة في مناطق فلسطين التاريخية ولبنان ممن ترتبط بذاكرة جغرافية والتاريخ بحلف آل جفنة والقبائل القحطانية . أما على صعيد الوضع الاجتماعي والثقافي الحالي ، فيشغل أبناء هذه العشائر اليوم مواقع متقدمة ومؤثرة في مختلف القطاعات السياسية والإدارية والعسكرية والثقافية في دول الحاضنة الشامية بوصفهم جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني الحديث ، بينما تقتصر الروابط على الانتماء العشائري وشجرات الأنساب المحفوظة والافتخار بالإرث الحضاري والتاريخي للممالك العربية القديمة .

​إرث تاريخي لا يُنسى :

​ترك الغساسنة إرثاً عربياً وعالمياً خالداً ( يثبت قدرة الإنسان العربي القديم على بناء دول متحضرة ، والجمع بين البداوة والتحضر ، وترك بصمة لا تمحى في تاريخ الأدب والثقافة العربية ) ، تكللت باندماجهم المظفر في صياغة حضارة الأمة الإسلامية وامتداد حضورهم في النسيج الاجتماعي الشامي المعاصر .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) تاريخ بلاد الشام في العصور القديمة ( دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام ) .
  3. 2   ) ملوك الغساسنة وآل جفنة في التاريخ والسياسة .
  4. 3   ) العشائر الأردنية : الجذور ، التاريخ ، والامتداد الديموغرافي .
  5. 4   ) مرجع «تاريخ الناصرة» للقس أسعد منصور .
  6. 5   ) مقالات ونقوش في التاريخ الأردني المطموس ( مقال سليمان ريان المهيرات العبادي ) .
  7. 6   ) منصة التراث الملكي الأردني (Jordan Heritage) : دراسة الحياة الاجتماعية للغساسنة .
  8. 7   ) موسوعة ويكيبيديا : مدخل ( غساسنة ) .