يوثق المقال تاريخ ومعالم البرج المملوكي المعروف بـ " المنارة " في بلدة الطرة / لواء الرمثا ، مستعرضاً أبعاده الاستراتيجية ، ووظائفه العسكرية ، ومصيره التاريخي .

البرج المملوكي ( المنارة ) في بلدة الطرة / لواء الرمثا


بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه


​توسط بلدة الطرة التابعة للواء الرمثا البقعة الشمالية من سهول حوران الخصبة ، لتقف شاهداً حياً على تعاقب الحضارات الإنسانية وتداخلها عبر التاريخ في هذا الحمى العربي الأردني الأصيل ، الذي يزخر بالمعالم الدينية والحضارية الممتدة من فتوحات وعصور أموية ومملوكية وعثمانية . وإلى جانب عمقها الزراعي والاستراتيجي ، تحتضن البلدة معالم أثرية عريقة ، يبرز في مقدمتها البرج المملوكي المعروف محلياً بـ " المنارة " . هذا المعلم المتميز لا يمثل مجرد حجر منقوش فحسب ، بل هو رمزٌ هندسي وعسكري يعكس كفاءة التنظيم الإداري والدفاعي الذي شهدته المنطقة في العصور الإسلامية اللاحقة ، وتحديداً في العصر المملوكي ، حيث كانت هذه الأبراج تشكل عصب منظومة عسكرية وإدارية متكاملة امتدت عبر حواضر بلاد الشام ومصر .


​سبب التسمية :


​يُعزى إطلاق اسم الطرة على هذه البلدة العريقة إلى جذور لغوية وتاريخية عميقة مرتبطة بطبيعتها الجغرافية وموقعها المميز ؛ إذ تُشير المعاجم والدلالات المكانية إلى أن التسمية مشتقة من الفعل ( طَرَّ ) بمعنى ظهر أو أشرف ، لأن البلدة تطل بارتفاعها وموقعها الحصين على ما حولها من سهول حوران الواسعة . كما قيل إن الاسم مستمد من ( طرة الشيء ) أي طرفه وحافته ، لكونها تقع على أطراف المنطقة وتحتضن تخوماً زراعية واستراتيجية بارزة جعلت منها نقطة علام ومحطة انطلاق وتواصل بين حواضر الشمال السوري والجنوب الأردني عبر مختلف العصور .


​الغرض العام للأبراج المملوكية وسياقها التاريخي :


​لم تكن الأبراج المملوكية من صنف المنشآت العشوائية ، بل بُنيت وفق استراتيجية عسكرية محكمة أرساها سلاطين المماليك لحماية الثغور وتأمين طرق المواصلات والاتصالات . وقد تنوعت أغراضها ووظائفها العامة في شتى أنحاء الدولة المملوكية لتشمل :


​1 ) شبكات الإنذار المبكر والاتصال البصري : كانت هذه الأبراج ترتبط بسلاسل رصد بصرية واسعة لإيصال الإشارات العسكرية بسرعة فائقة بين القلاع الحصينة ، إذ تُشعل النيران ليلاً وتُصاعد الأدخنة نهاراً لبث الإنذار عند حدوث أي طارئ أو هجوم خارجي .


​2 ) عصب البريد السلطاني : اعتمد سلاطين المماليك على شبكات بريد بري متطورة لنقل المراسيم والرسائل الرسمية ، وكانت الأبراج محطات استراحة وتغيير للرسل ، حيث يتميز مراقبوها ( النظّارة ) بحدة الإبصار وسعة الإشراف .


​3 ) حماية الموانئ والثغور البحرية والبرية : ففي الساحل الشامي ، بنى المماليك أبراجاً بحرية كبرى لإرشاد السفن وحماية السواحل ، بينما انتشرت الأبراج البرية الداخلية في السهول والمفترقات ( مثل برج الطرة وأبراج القلاع كقلعة الكرك ) لتأمين القوافل وتحركات الجيوش .


​الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية في الطرة :


​تتسم بلدة الطرة بموقع جغرافي مكشوف ومنبسط يمنحها إشرافاً بصرياً واسعاً على محيطها الحوراني ، وهو ما فطن له قادة العصور القديمة والوسطى .


​لقد مثلت حوران في العصر المملوكي حلقة الوصل الحيوية المباشرة بين حاضرة الخلافة في دمشق والمراكز الإدارية والعسكرية في جنوب بلاد الشام ومصر . ولحماية طرق المواصلات وتأمين القوافل وخطوط البريد السلطاني ، أنشأت الدولة المملوكية هذه المنظومة المترابطة ، وكان برج الطرة ( المنارة ) حلقة أساسية وفعّالة ضمن هذه الشبكة الاستراتيجية الإقليمية .


​الوظائف العسكرية والإدارية لبرج الطرة :


​تجسدت الأغراض العامة للأبراج المملوكية في برج الطرة عبر أدوار بالغة الأهمية في حفظ الأمن وتسيير شؤون الدولة ، ومن أبرزها :


​1 ) نظام الإرسال والإنذار المبكر ( المرقاب ) :


أُنشئ البرج ليكون محطة رصد متقدمة تسهم في إيصال الإشارات العسكرية بسرعة فائقة بين القلاع الحصينة ، معتمداً على وسائل الاتصال البصري التقليدية عبر إشعال النار ليلاً والدخان نهاراً لتنبيه الحاميات عند رصد أي تحركات غير مألوفة ( مثل هجمات التتار ) .


​2 ) عصب شبكة البريد السريع ( البريد السلطاني ) :


شكل البرج محطة استراحة وتغيير للرسل ضمن خطوط البريد المملوكي بين دمشق والقاهرة ، حيث يتسلم المراسلون البريد ويسلمونه بسرعة إلى المحطة التالية ، مع تخصيص عدد من ( النظّارة ) للإشراف على هذه المهام وصرف الرواتب لهم .


​التسمية والتقاليد المحلية :


​إلى جانب قيمته العسكرية ، ارتبط البرج بذاكرة أهالي البلدة وتقاليدهم الشعبية ، حيث سُيّم محلياً بنسبته إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وتناقل الأهالي روايات متوارثة تفيد بأن الخليفة صلى في مكانه أثناء رحلته التاريخية إلى بلاد الشام ، مما أضفى عليه رمزية دينية ومعنوية خاصة في وجدان المجتمع المحلي .


​مكونات وأقسام البرج :


​تتسم عمارة الأبراج المملوكية المخصصة للمراقبة والاتصال ببساطة متقنة وهندسة دفاعية صارمة تخدم الغاية الوظيفية الأساسية للبرج ، حيث يتألف من الأقسام والمكونات التالية :


​1 ) الساس والأساسات الحجرية ( القاعدة ) :


تبنى الأساسات بعمق مناسب ومتانة عالية باستخدام الحجارة البازلتية الكبيرة وغير المنتظمة لامتصاص الصدمات وتوفير قاعدة صلبة ومستقرة للارتفاع الشاهق للبرج فوق تربة سهول حوران المنبسطة .


​2 ) الطابق الأرضي ( مستودعات المؤونة والتخزين ) :


يفتقر هذا القسم عادةً إلى النوافذ الواسعة لأسباب أمنية ودفاعية ، وقد خُصص لتخزين المؤن الغذائية ، والمياه ، ومستلزمات الحاميات ، وربما استُخدم كمأوى مؤقت أو غرفة حراسة أولية .


​3 ) الأدوار العلوية ومنصة المراقبة ( المنارة ) :


تُعد الجزء الأهم والغاية الأساسية من إنشاء البرج ، وتشتمل على ممرات ضيقة أو سلالم حجرية داخلية دائرية أو جدارية تتيح للحراس وصناع الإشارات الصعود إلى السطح . أما السطح فهو المنصة المكشوفة العلوية المستخدمة للرصد البصري واسع النطاق ، وتحتوي على المواقد أو التجهيزات الخاصة بإشعال النار وتصعيد الدخان لبث إشارات الإنذار والاتصال بالأبراج المجاورة .


​4 ) العناصر الدفاعية والمعمارية :


شُيدت الجدران بطبقتين من الحجارة البازلتية السوداء المليئة بالدبش والحجارة الصغيرة والملاط القوي في المنتصف ، لتوفير عزل حراري ومقاومة فائقة للضربات العسكرية أو عوامل التعرية . كما فُتحت طاقات دفاعية ضيقة ومائلة ( مزاغل ) في جدران الطوابق العلوية لتسمح للحراس بالرمي أو الرؤية بسلام دون التعرض للخطر .


​الخصائص المعمارية والإنشائية :


​تُظهر العمارة العسكرية للبرج دراية واسعة بمتطلبات التحصين والدوام في بيئة حوران القاسية :




​الوضع الحالي للبرج :


​على الرغم من القيمة التاريخية والحضارية الكبيرة التي مثلها البرج عبر القرون ، إلا أنه واجه مصيراً مؤسفاً تمثل في تهدم سقفه وإهمال ترميمه من قِبل الجهات الرسمية المعنية ، مما أدى إلى هدمه كلياً في عام 2005 م . وقد أُقيم مكانه في الوقت الحالي مجمع تجاري أُطلق عليه اسم " مجمع عمر بن الخطاب " وسط المنطقة التجارية في بلدة الطرة .


​يُعد البرج المملوكي ( المنارة ) في بلدة الطرة / لواء الرمثا صفحة ناصعة من صفحات تاريخنا المحلي المشرق ، وشاهداً حياً على عبقرية التخطيط الإداري والعسكري في العصر المملوكي ببلاد الشام . إن توثيق هذا المعلم المفقود وربطه بالمنظومة الاستراتيجية الواسعة للأبراج المملوكية يعزز من الوعي بالتراث الوطني ، ويؤكد أهمية الحفاظ على ما تبقى من شواهدنا التاريخية لتظل الذاكرة الحية تروي للأجيال المتعاقبة قصة العزيمة والإتقان التي تركها الأجداد في سهول حوران الأبية .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   )   الدباغ   ،   مصطفى مراد   .   بلادنا فلسطين   ،   الجزء الرابع   ،   القسم الثاني   ،   بيروت   ،   دار الهداية   ،   1991 م   .
  3. ​2   )   أبو غنيمة   ،   زياد   .   من تاريخ الحركة الإسلامية في الأردن   ،   عمّان   ،   دار الفرقان   ،   1985 م   .
  4. ​3   )   القلقشندي   ،   أبو العباس أحمد   .   صبح الأعشى في صناعة الإنشاء   ،   الجزء الرابع   ،   القاهرة   ،   دار الكتب الخديوية   ،   1913 م   .
  5. ​4   )   العسقلاني   ،   ابن حجر   .   إنباء الغمر في أنساب أهل مصر   ،   القاهرة   ،   دار الفكر العربي   ،   1998 م   .
  6. ​5   )   بخيت   ،   محمد عدنان   .   تاريخ بلاد الشام في العصر المملوكي   ،   عمّان   ،   الجامعة الأردنية   ،   1983 م   .