تسير بنا الأيام والسنون، وتظل ذكريات الرجال الأوفياء محفورة في وجدان التاريخ ترسم ملامح الوفاء والانتماء. وإذا ما قلبنا أوراق مسيرة الأستاذ جهاد الغرايبة (أبو رامي)، نجد أن البداية التي صهرت وعيه الوطني كانت مبكرة جداً، وتحديداً في التاسع من تشرين الأول عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين، يوم استشهاد عمه الشهيد مفضي أحمد حمد أبو جلدة الغرايبة. لقد ترك هذا الاستشهاد أثراً غائراً في أعماق نفسه، إذ كان قريباً جداً منه في تلك الفترة، ومن هنا كانت نقطة الانطلاق في مسيرته المظفرة بالوفاء للوطن.

سيرة كفاح من ثرى الوطن إلى بلاد الاغتراب .... محطات في مسيرة الأستاذ جهاد الغرايبة (أبو رامي) في الوفاء لطمون

بقلم الأستاذ: قيصر صالح الغرايبة

تسير بنا الأيام والسنون، وتظل ذكريات الرجال الأوفياء محفورة في وجدان التاريخ ترسم ملامح الوفاء والانتماء. وإذا ما قلبنا أوراق مسيرة الأستاذ جهاد الغرايبة (أبو رامي)، نجد أن البداية التي صهرت وعيه الوطني كانت مبكرة جداً، وتحديداً في التاسع من تشرين الأول عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين، يوم استشهاد عمه الشهيد مفضي أحمد حمد أبو جلدة الغرايبة. لقد ترك هذا الاستشهاد أثراً غائراً في أعماق نفسه، إذ كان قريباً جداً منه في تلك الفترة، ومن هنا كانت نقطة الانطلاق في مسيرته المظفرة بالوفاء للوطن.

الأستاذ جهاد الغرايبة

ولأنه ابن الأرض البار، وبسبب حبه الكبير للثرى وتعلقه الوثيق به، ولعسر الحياة أحياناً في تلك الفترات، لم يأنف الأستاذ أبو رامي في بداياته من ممارسة الفلاحة، فكان يحرث الأرض ويزرع الأمل بعرق جبينه، صابراً ومكافحاً في سبيل لقمة العيش الكريمة.

كبر الحلم والهم مع الأستاذ أبو رامي، فبدأ العمل الوطني مبكراً بصحبة والده ونخبة من رجالات العشيرة الأوفياء، ضمن إطار نضالي سري أطلقوا عليه خلية الاختيارية. وفي غمرة تلك السنوات، وبالتحديد في تشرين الأول من عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين، عاد إلى بلدته طمون بعد قضاء أربع سنوات مدرساً في ثانوية سنجل قضاء رام الله لا ليمارس رسالة التعليم فحسب، بل ليكون ظلاً لوالده وملازماً له في محنة مرضه الصعبة. وفي تلك الأيام الشديدة التي كابدوا فيها المرض، بزغ فجر الأمل في الرابع والعشرين من حزيران لعام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين، حين أكرمه الله بمولوده البكر رامي. ومضت الأيام والوالد يتماثل للشفاء شيئاً فشيئاً، متسلحاً بصبر أسطوري شهد له به القاصي والداني.

لكن عين المحتل لم تكن لتغفل عن أنشطة الأستاذ جهاد الوطنية، ففي الثالث من آذار عام ألف وتسعمائة وستة وثمانين، تعرض للاعتقال، وصدرت بحقه أحكام جائرة كان من نتائجها المباشرة فقدانه لوظيفته كمدرس. وما إن كسر قيود السجن وتنسم عبير الحرية، حتى اشتعل فتيل الانتفاضة المجيدة، انتفاضة الحجارة المباركة. وخلال غمراتها، تعرض للاعتقال مرات عدة لمدد قصيرة. وبين وطأة فقدان الوظيفة، واشتعال الانتفاضة، وحالة الشلل التام التي كبلت الحياة في فلسطين آنذاك، وبعد أربع سنوات من الصبر والمصابرة، قدر الله له أن يغادر ثرى الوطن متوجهاً إلى ألمانيا في الثالث من آذار لعام ألف وتسعمائة وتسعين، في مفارقة عجيبة وافقت الذكرى الرابعة تماماً ليوم اعتقاله، وكان خروجه تحت مظلة ما يسمى لم الشمل، لكون زوجته كانت تحمل الإقامة الدائمة هناك.

محطة الاغتراب

من هنا، انطلق مشوار كفاح من نوع آخر للأستاذ أبو رامي في الغربة. فبعد شهر واحد من وصوله ألمانيا، انخرط في غمار العمل، وكان برفقته أطفاله الخمسة، أكبرهم في ربيعه الحادي عشر، وأصغرهم لم يتجاوز الستة عشر شهراً. كانت رحلة اغتراب قاسية، تملؤها مرارة الفراق ويذكيها حنين جارف للأهل في الوطن، مما ألقى بظلاله على صحته، فكابد من الأوجاع ما لا يتسع المقام لحصره هنا. ثم تلت ذلك حرب الخليج التي عصفت بالمنطقة وأعادت صياغة قناعاته وموازينه.

في غمرة تلك التحديات، ألقى الأستاذ جهاد بكل ثقله لبناء ذاته وأبنائه، فهم كانوا ولا زالوا استثماره الأغلى ورأس ماله الحقيقي. وبفضل من الله، أتموا جميعاً مرحلة الثانوية العامة في أكاديمية الملك فهد في بون، ومن ثم نالوا التوجيهي الألماني الذي يمثل الصف الثالث عشر، وكان يتابع مسيرة كل منهم في دراسته الجامعية بشغف. وخلال تلك السنين الطويلة، زار فلسطين ثلاث مرات قبل اندلاع الانتفاضة الثانية، التي ألقت بظلالها السلبية عليه مجدداً. ورغم المسافات، لم تخب جذوة القضية في صدره، فقد شارك في كل المحافل والمناسبات في ألمانيا، ليوصل صوت شعبه إلى الشعب الألماني، ويؤكد لهم أن شعبنا صاحب حق مسلوب، ولسنا هواة إرهاب بل طلاب حق في أرضنا بالطرق السلمية.

توالت السنون، وفي عام ألفين وثلاثة عشر، حصل الأستاذ جهاد على تقاعد مبكر في ألمانيا . وشاءت الأقدار أن تشرق شمس العودة إلى فلسطين، وإلى وزارة التربية والتعليم في الثامن عشر من آب لعام ألفين وثلاثة عشر . فقد كان مفصولاً بقرار من سلطات الاحتلال، وكان هناك مرسوم رئاسي يقضي بأحقية عودة جميع المفصولين دون قيد أو شرط إلى وظائفهم. وبناء على القرار الوزاري، عاد نائباً لمدير مدرسة طمون الثانوية، وتقاعدت بعد أربعة عشر شهراً حافلة. لقد كانت تلك الفترة فرصة استثنائية، لا لجدواها المادية بل لعائدها الاجتماعي والإنساني، إذ كان يعمل معه في المدرسة ثمانية مدرسين تتلمذوا يوماً على يده! كما كانت نافذة أطلعتنه على طموح الأجيال الجديدة من الشباب.

بعد محطة التقاعد هذه، عاد الأستاذ جهاد إلى ألمانيا وأسس شركة خاصة بمعية أبنائه. وبفضل الله وتوفيقه، انطلقت الشركة بقوة، وقرروا لاحقاً نقل مقرها إلى دبي كمستثمرين. ومن نجاح إلى نجاح، أطلقنوا عليها اسم ARAS ، وهو اختصار يجمع الحروف الأولى من أسماء أبنائه الأربعة: رامي، وشادي، وأشرف، وأحمد، دون ترتيب معين. واليوم، تكللت تلك الجهود المتواصلة بنجاحات متتالية بفضل الله وحده. وها هو اليوم مع زوجته الفاضلة يعيشان في ترحال دائم، يشتيان في دبي، ويستقبلان الربيع في ربوع فلسطين، ويقضيان الصيف في ألمانيا. لكن تظل فلسطين هي فردوسهم الموعود، وتبقى أرواحهم ترفرف حول أولادهم وأحفادهم أينما حلوا.

ولم تنقطع أواصر الوصل ببلدته وأهله يوماً، ففي العام ألفين وسبعة عشر خاض غمار الانتخابات البلدية وفاز بعضويتها. وطبعاً، بذل من خلال هذا الموقع كل ما في وسعه من جهد. وحتى قبل نيل العضوية، كان ولا زال وسيبقى يقدم لطمون ولأهلها، ولكل الأهل في الوطن، كل ما يستطيع من دعم ومؤازرة بفضل من الله.

إن للأستاذ أبا رامي علاقات قرابة ونسب وصداقة ممتدة وراسخة مع أهله من عشيرة الغرايبة في كل من حوارة والهاشمية والمغير والزرقاء وعمان وغيرها من البلدات والمدن الأردنية، مما يجسد لحمة الدم والأهل الممتدة عبر الحدود.

صلة الرحم والانتماء

وأنا شخصياً، تربطني بالأستاذ أبي رامي علاقة صداقة مميزة وعميقة الجذور، فعندما يحل ضيفاً على الأردن يزورني في بيتي باستمرار، لنتجاذب أطراف الأحاديث ونستعيد الذكريات. وتواصلي معه دائم لا ينقطع أبداً، سواء كان ذلك هاتفياً أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مما يؤكد أن المسافات لا تزيد الروابط إلا متانة. ومن شواهد هذا التواصل الأصيل، تلك الزيارة السنوية المستمرة التي يحرص الأستاذ أبو رامي على القيام بها إلى بلدة الهاشمية في محافظة عجلون، ليلتقي بأبناء عمومته هناك، ويبقى على صلة وثيقة معهم تترجم نبل أخلاقه وأصالته.

الأستاذ جهاد الغرايبة

إن حب الخير وإغاثة الملهوف هو المبدأ الذي تشرق به أيام الأستاذ جهاد الغرايبة، والعهد الذي قطعه على نفسه. وهو يظل يردد دائماً العبارة التي تسكن السويداء من قلبه: وستبقى طمون شامة على خد الوطن.

وفي ختام هذه السطور، لا يسعني إلا أن أرفع يدي بالدعاء لرب العالمين بأن يمن على الأستاذ أبي رامي بموفور الصحة والعافية، وأن يمد في عمره بالخير، وأن يرزقه سعة في الرزق وبركة في المال والأبناء، وأن يديم عليه رفعة الشأن والنجاح.

قيصر صالح الغرايبة
قيصر صالح الغرايبة كاتب وباحث مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة الشعبية، يسلط الضوء على المحطات الإنسانية والوطنية بأسلوب توثيقي أدبي يعكس عمق الانتماء والهوية.

معرض الصور