شكل الصيد ( القنص ) في الجغرافيا الأردنية عبر التاريخ نشاطاً حيوياً ممتداً ، تحوّل من ركيزة أساسية للبقاء والدفاع عن المحاصيل ، إلى رياضة ترفيهية للنخبة والملوك ، وصولاً إلى هواية شعبية خاضعة للتنظيم القانوني والبيئي في العصر الحديث . يتسم الأردن بتنوع تضاريسي فريد ( بين مناطق الغور ، والشفا ، والهضبة الصحراوية ) جعله موئلاً طبيعياً وممراً عالمياً بارزاً للطيور والحيوانات البرية .
إرث الصيد في الأردن عبر العصور: مقاربة تاريخية، تراثية، وقانونية.
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
شكل الصيد ( القنص ) في الجغرافيا الأردنية عبر التاريخ نشاطاً حيوياً ممتداً ، تحوّل من ركيزة أساسية للبقاء والدفاع عن المحاصيل ، إلى رياضة ترفيهية للنخبة والملوك ، وصولاً إلى هواية شعبية خاضعة للتنظيم القانوني والبيئي في العصر الحديث . يتسم الأردن بتنوع تضاريسي فريد ( بين مناطق الغور ، والشفا ، والهضبة الصحراوية ) جعله موئلاً طبيعياً وممراً عالمياً بارزاً للطيور والحيوانات البرية .
أولاً : البعد الفقهي والتشريعي في الشريعة الإسلامية :
وضعت الشريعة الإسلامية أصل المشروعية للصيد كمنهج ينظم علاقة الإنسان بالبيئة ، مفرقة بين صيد البر والبحر :
ثانياً : الأدلة الأثرية والنقوش التاريخية على الأرض الأردنية :
تزخر الأرض الأردنية بأدلة أثرية قاطعة تؤكد عمق وانتشار ثقافة الصيد في البيئة المحلية منذ فجر التاريخ ، حيث وثق الإنسان الأردني القديم هذه الممارسات عبر رسومات ونقوش جدارية صخرية :
1 ) النقوش الصخرية القديمة ( البادية الأردنية ومنطقة الصفاوي ) :
تنتشر في بادية الأردن الشرقية والشمالية آلاف النقوش الصخرية الصفائية والثمودية التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين . تظهر هذه النقوش رسومات محفورة بدقة لحيوانات البيئة الأردنية القديمة مثل الغزلان ، والمها العربي ، والأسود ، والقطط البرية ( الوشق ) والنعام ، وهي تُطارد من قِبل الفرسان المشاة أو الخيالة المسلحين بالرماح والأقواس ، مما يعكس اعتماد المجتمعات القديمة على الصيد كمصدر رئيسي للعيش .
2 ) الجداريات والفسيفساء في العصور الكلاسيكية والإسلامية المبكرة :
ثالثاً : التطور العلمي والتقني لأدوات الصيد :
مع القفزات العلمية والتقنية التي شهدها العالم ، شهدت أدوات الصيد تحولاً جذرياً انتقلت به من البدائية المعتمدة على الحيلة الفردية إلى الآلات الميكانيكية والإلكترونية عالية الدقة :
1 ) المرحلة التقليدية والبدائية :
اعتمد الفلاح والصياد الأردني قديماً على أدوات بسيطة مستوحاة من البيئة مثل :
2 ) مرحلة البواريد والبنادق الكلاسيكية :
دخلت الأسلحة النارية والبارود لتبدل مفاهيم القنص ، فظهرت « البواريد » القديمة التي تُحشى من الفوهة ، وتطورت إلى بنادق الخرطوش الحديثة ( الشوزن ) بشتى أنواعها ( فردي ومجوز ) ، والتي تعتمد على حشوات الخردق المتنوعة ، بالإضافة إلى بنادق ضغط الهواء ( الساكتون ) المخصصة للمسافات القريبة والطيور الصغيرة .
3 ) مرحلة الشباك الحديثة والتقنيات المتقدمة :
تطورت الشباك من المغزولة يدوياً إلى شباك النايلون والحرير غير المرئية ( المصايد الشبكية الواسعة ) التي تُنصب في السهول لالتقاط أسراب كاملة من الطيور المهاجرة ( كطائر الفر / الفري ) . كما واكب الصيد المعاصر دخول تقنيات متطورة مثل مناظير التقريب والتشخيص البصري الحراري والليلي ، وملابس التمويه العسكرية المصممة حاسوبياً لمحاكاة تضاريس الأرض ، وأجهزة النداء الصوتية الإلكترونية التي تحاكي تسجيلات أصوات الطيور ( مثل الفر / الفري والقطا ) لجذبها نحو الشباك أو المكامن ، والجدير بالذكر أن هذه الأدوات التقنية المتطورة حُظرت لاحقاً لحماية البيئة من الإبادة الجماعية للطيور .
رابعاً : الصيد التراثي في الريف شمال الأردن عبر الفصول :
توارث أهالي قرى الشمال ( إربد ، عجلون ، جرش ، والرمثا وغيرها من البلدات ) مهارات الصيد كجزء من دورة حياتهم الزراعية على مدار العام تبعاً لحركة الطرائد :
خامساً : الصفات التي يجب أن يتمتع بها الصياد :
لم يكن الصيد في الموروث التراثي أو الفقهي مجرد إطلاق للنار ، بل هو مدرسة سلوكية تتطلب صفات شخصية دقيقة تنقسم إلى :
1 ) الصفات الأخلاقية والنفسية :
2 ) الصفات البدنية والمهارية :
سادساً : الواقع القانوني والتنظيم المعاصر في الأردن :
بسبب التطور التقني الهائل لأدوات الصيد الذي بات يهدد بفناء الحياة البرية ، تدخل مشغل الطبيعة الحديث ، حيث تتولى الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ( RSCN ) تنظيم هذا النشاط بموجب القوانين ونظام التراخيص الإلكتروني :
حظر صيد الحيوانات المهددة بالانقراض :
يمنع القانون الأردني منعاً باتاً صيد أو ملاحقة أو إمساك الحيوانات المهددة بالانقراض المدرجة على القوائم الحمراء العالمية والمحلية ، وتفرض الشريعة البيئية عقوبات صارمة على مخالفي هذا الحظر لحماية ما تبقى من هذا الإرث الفطري . ومن أبرز الأمثلة على هذه الحيوانات المحظورة كلياً في الأردن : المها العربي ، غزال الريم ( الغزال العفري ) ، غزال الجبل ، البدن ( الماعز البري النوبي ) ، الوشق ، والضبع المخطط ، بالإضافة إلى النمر المرقط الذي اختفى من البيئة المحلية .
مواسم وحصص الصيد الرسمية للأنواع المتاحة :
حددت المنظومة القانونية مواسم محددة وأعداداً دقيقة للأنواع المسموح صيدها تجنباً للاستنزاف ، وجاءت تفاصيلها النصية على النحو الآتي :
يظهر هذا المقال التكاملي أن الصيد في الأردن يمثل حلقة ممتدة ، بدأت بنقوش صخرية قديمة وجداريات أموية توثق غزارة الحياة الفطرية وانتشار القنص ، وتطورت أدواتها تقنياً عبر الزمن من الفخاخ والدبق إلى البنادق والشباك والوسائط الإلكترونية.
يظهر هذا المقال التكاملي أن الصيد في الأردن يمثل حلقة ممتدة ، بدأت بنقوش صخرية قديمة وجداريات أموية توثق غزارة الحياة الفطرية وانتشار القنص ، وتطورت أدواتها تقنياً عبر الزمن من الفخاخ والدبق إلى البنادق والشباك والوسائط الإلكترونية ، مما استوجب تأسيساً فقهياً أخلاقياً قديماً ، وتدبيراً قانونياً معاصراً صارماً يضبط هذه الأدوات لضمان حماية الأنواع واستدامة التوازن الطبيعي على الأرض الأردنية .
معرض الصور
كولاج تراثي — اضغط على أي صورة لعرضها بالحجم الكامل
المصادر والمراجع :
- القرآن الكريم .
- صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل البخاري ، كتاب الصيد والذبائح .
- صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج النيسابوري ، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان .
- كتاب « ضواري الطير » ، أدهم بن محرز الباهلي ، دراسات في البيزرة التاريخية .
- كتاب « البيزرة » ، الغطريف بن قدامة الغساني ، تحقيق ونشر تراث الصيد العربي القديم .
- « ديوان أبي النجم العجلي » ، جمع وتوثيق قصائد الطرديات في العصر الأموي .
- التقارير الأثرية لمديرية الآثار العامة الأردنية ، مسوحات النقوش الصفائية والثمودية في البادية الشرقية .
- الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ( RSCN ) ، القائمة الحمراء للحيوانات المهددة بالانقراض وجدول مواسم الصيد الصادرة بموجب قانون حماية البيئة الأردني .
قيصر صالح الغرايبة
كاتب وباحث في الذاكرة الاجتماعية والتاريخ المحلي، يكتب في توثيق المكان والإنسان والتحولات التي صنعت هوية المجتمع الأردني.







التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.