شكل الصيد ( القنص ) في الجغرافيا الأردنية عبر التاريخ نشاطاً حيوياً ممتداً ، تحوّل من ركيزة أساسية للبقاء والدفاع عن المحاصيل ، إلى رياضة ترفيهية للنخبة والملوك ، وصولاً إلى هواية شعبية خاضعة للتنظيم القانوني والبيئي في العصر الحديث . يتسم الأردن بتنوع تضاريسي فريد ( بين مناطق الغور ، والشفا ، والهضبة الصحراوية ) جعله موئلاً طبيعياً وممراً عالمياً بارزاً للطيور والحيوانات البرية .

مقاربة تاريخية، تراثية، وقانونية

إرث الصيد في الأردن عبر العصور: مقاربة تاريخية، تراثية، وقانونية.

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

شكل الصيد ( القنص ) في الجغرافيا الأردنية عبر التاريخ نشاطاً حيوياً ممتداً ، تحوّل من ركيزة أساسية للبقاء والدفاع عن المحاصيل ، إلى رياضة ترفيهية للنخبة والملوك ، وصولاً إلى هواية شعبية خاضعة للتنظيم القانوني والبيئي في العصر الحديث . يتسم الأردن بتنوع تضاريسي فريد ( بين مناطق الغور ، والشفا ، والهضبة الصحراوية ) جعله موئلاً طبيعياً وممراً عالمياً بارزاً للطيور والحيوانات البرية .

إرث الصيد في الأردن عبر العصور
اضغط لعرض الصورة كاملة

أولاً : البعد الفقهي والتشريعي في الشريعة الإسلامية :

وضعت الشريعة الإسلامية أصل المشروعية للصيد كمنهج ينظم علاقة الإنسان بالبيئة ، مفرقة بين صيد البر والبحر :

1 ) صيد البحر : أُبيح إباحة مطلقة وتيسيرية دون اشتراط التذكية ( الذبح ) ، لقوله تعالى : « أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ » .
2 ) صيد البر : أُبيح للحاجة والتوسعة والقوت بشروط صارمة ( كالتسمية عند الرمي ، وأن تكون الآلة جارجة ، أو يكون الحيوان الجارح كالسلوقي معلماً ) ، لقوله تعالى : « قُلْ أُحِلَّ لَكمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ » .
3 ) الضوابط الأخلاقية : حرّمت الشريعة « صيد العبث » ( القتل لأجل التسلية دون انتفاع ) ، وصيد المُحرِم بحج أو عمرة ، والصيد داخل حرم مكة المكرمة والمدينة المنورة .

ثانياً : الأدلة الأثرية والنقوش التاريخية على الأرض الأردنية :

تزخر الأرض الأردنية بأدلة أثرية قاطعة تؤكد عمق وانتشار ثقافة الصيد في البيئة المحلية منذ فجر التاريخ ، حيث وثق الإنسان الأردني القديم هذه الممارسات عبر رسومات ونقوش جدارية صخرية :

1 ) النقوش الصخرية القديمة ( البادية الأردنية ومنطقة الصفاوي ) :

تنتشر في بادية الأردن الشرقية والشمالية آلاف النقوش الصخرية الصفائية والثمودية التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين . تظهر هذه النقوش رسومات محفورة بدقة لحيوانات البيئة الأردنية القديمة مثل الغزلان ، والمها العربي ، والأسود ، والقطط البرية ( الوشق ) والنعام ، وهي تُطارد من قِبل الفرسان المشاة أو الخيالة المسلحين بالرماح والأقواس ، مما يعكس اعتماد المجتمعات القديمة على الصيد كمصدر رئيسي للعيش .

2 ) الجداريات والفسيفساء في العصور الكلاسيكية والإسلامية المبكرة :

القصور الأموية في البادية الأردنية : تُعد جداريات قصر عمرة ( المدرج على لائحة التراث العالمي ) من أبرز الشواهد ، حيث تغطي جدرانه لوحات فريسك ملونة تُصوّر رحلات صيد الخلفاء للحيوانات البرية مثل حمير الوحش والغزلان باستخدام كلاب الصيد « السلوقي » . كما يشير اسم قصر برقع في شمال شرق الأردن تاريخياً إلى « برقع الصقر » ، مما يربطه برياضة البيزرة ( صيد الصقور ) الملكية .
اللوحات الفسيفسائية : تظهر أرضيات الكنائس والمباني الأثرية في مادبا ، وجرش ، وأم الرصاص رسومات فسيفسائية بديعة تجسد مشاهد حية لحيوانات برية وطيور ، وصيادين يقتنصون طرائدهم ، مما يثبت تنوع الحياة الفطرية وكثافة نشاط الصيد في شتى الحقب التاريخية .

ثالثاً : التطور العلمي والتقني لأدوات الصيد :

مع القفزات العلمية والتقنية التي شهدها العالم ، شهدت أدوات الصيد تحولاً جذرياً انتقلت به من البدائية المعتمدة على الحيلة الفردية إلى الآلات الميكانيكية والإلكترونية عالية الدقة :

1 ) المرحلة التقليدية والبدائية :

اعتمد الفلاح والصياد الأردني قديماً على أدوات بسيطة مستوحاة من البيئة مثل :

المقلاع أو المقليعة ( النقيفة كما يطلق عليها في بعض دول بلاد الشام ، وكان يُطلق عليها في الريف الأردني اسم الشعبة ) : لرمي الحجارة على المسافات المتوسطة .
والمرجيلية لرمي الحجارة على المسافات البعيدة ، و
الفخاخ الحجرية والسلكية : للإمساك بالطيور والأرانب .
تقنية الدبق ( اللاصق ) : عيدان تُطلى بصمغ لزج وتُغرز عند موارد الماء صيفاً ليمسك بالطيور ( كطائر الحسون ذي التغريد الشجي ) ، حيث كان الصيادون ينظفون ريشها لاحقاً بمواد بترولية خفيفة ( كالسبيرتو ) لتحريرها وأسرها بهدف التربية .

2 ) مرحلة البواريد والبنادق الكلاسيكية :

دخلت الأسلحة النارية والبارود لتبدل مفاهيم القنص ، فظهرت « البواريد » القديمة التي تُحشى من الفوهة ، وتطورت إلى بنادق الخرطوش الحديثة ( الشوزن ) بشتى أنواعها ( فردي ومجوز ) ، والتي تعتمد على حشوات الخردق المتنوعة ، بالإضافة إلى بنادق ضغط الهواء ( الساكتون ) المخصصة للمسافات القريبة والطيور الصغيرة .

3 ) مرحلة الشباك الحديثة والتقنيات المتقدمة :

تطورت الشباك من المغزولة يدوياً إلى شباك النايلون والحرير غير المرئية ( المصايد الشبكية الواسعة ) التي تُنصب في السهول لالتقاط أسراب كاملة من الطيور المهاجرة ( كطائر الفر / الفري ) . كما واكب الصيد المعاصر دخول تقنيات متطورة مثل مناظير التقريب والتشخيص البصري الحراري والليلي ، وملابس التمويه العسكرية المصممة حاسوبياً لمحاكاة تضاريس الأرض ، وأجهزة النداء الصوتية الإلكترونية التي تحاكي تسجيلات أصوات الطيور ( مثل الفر / الفري والقطا ) لجذبها نحو الشباك أو المكامن ، والجدير بالذكر أن هذه الأدوات التقنية المتطورة حُظرت لاحقاً لحماية البيئة من الإبادة الجماعية للطيور .

رابعاً : الصيد التراثي في الريف شمال الأردن عبر الفصول :

توارث أهالي قرى الشمال ( إربد ، عجلون ، جرش ، والرمثا وغيرها من البلدات ) مهارات الصيد كجزء من دورة حياتهم الزراعية على مدار العام تبعاً لحركة الطرائد :

الخريف والشتاء : موسم استقبال الطيور المهاجرة ( الزرزور ، السمّن ، والزرعي ) التي تتغذى على بقايا حصاد الزيتون ( الجول ) .
الربيع : موسم تتبع طائر « الفر / الفري » ( السمان الربيعي ) المنطلق في سهول حوران الخصبة .
الصيف : ذروة القنص حول الموارد المائية ، حيث تلتجئ الطيور المقيمة ( الشنار / الحجل ، الحمام الطوراني ، وطائر الدّرَج الذي يفضل الركض في حقول القمح المحصودة ، وطائر البليجي الذي يستظل بأشجار الزيتون الروماني ) إلى الأودية والعيون .
الحيوانات البرية ( الثدييات ) : شمل الصيد الأرانب البرية ( باستخدام كلاب السلوقي فجراً ) ، النيص ( الشيهم ) ليلاً ، والخنازير البرية ( لحماية المزارع ) .

خامساً : الصفات التي يجب أن يتمتع بها الصياد :

لم يكن الصيد في الموروث التراثي أو الفقهي مجرد إطلاق للنار ، بل هو مدرسة سلوكية تتطلب صفات شخصية دقيقة تنقسم إلى :

1 ) الصفات الأخلاقية والنفسية :

الصبر والأناة : الصيد يعلّم طول النفس والانتظار لساعات طويلة في المكامن ( الصِير ) دون تململ .
الأمانة والمسؤولية البيئية : عدم التعرض لإناث الحيوانات المرضعة ، وتجنب تدمير الأعشاش ، والامتناع عن صيد العبث والإبادة .
احترام أعراف الصيادين الشفهية : مثل « قانون الخط » ( الطريدة لمن رآها أولاً ) و « الشك » ( تقسيم الصيد بالتساوي بين أفراد الرحلة ) .
احترام الجوار : الامتناع عن الصيد داخل الحواكير ( الحدائق المنزلية ) أو بالقرب من بيوت القرى حشمةً وأماناً .

2 ) الصفات البدنية والمهارية :

قوة الملاحظة وحدة البصر : القدرة على لمح حركة الطرائد المتخفية ( مثل الأرانب بين البلان أو الشنار المتماهي مع الصخور الجيرية ) .
الفراسة وقص الأثر : معرفة مسارات الحيوانات من خلال آثار أقدامها ( المخالب والحوافر ) أو مخلفاتها في التربة .
الخفة والقدرة على التحمل : السير في الأودية السحيقة ومنحدرات جبال عجلون والشفا الوعرة تحت قيظ الصيف أو برد الشتاء .
إتقان الرمي وسرعة البديهة : القدرة على اتخاذ قرار الرمي في أجزاء من الثانية عند فزع الطريدة وطيرانها ( الرمي على الطاير ) .

سادساً : الواقع القانوني والتنظيم المعاصر في الأردن :

بسبب التطور التقني الهائل لأدوات الصيد الذي بات يهدد بفناء الحياة البرية ، تدخل مشغل الطبيعة الحديث ، حيث تتولى الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ( RSCN ) تنظيم هذا النشاط بموجب القوانين ونظام التراخيص الإلكتروني :

خط سكة الحديد ( الفيصل الجغرافي ) : يُسمح بالصيد حصراً في المناطق الواقعة غرب سكة حديد الحجاز ( الشفا والأغوار ) ، بينما يُمنع منعاً باتاً شرقها ( المناطق الصحراوية ) .
المحاذير والممنوعات العامة : يُحظر تماماً استخدام الشباك ، الدبق ، أجهزة النداء الإلكترونية ( الشرك الصوتي ) ، وصيد الأرانب البرية ، والطيور الجارحة . ويُستثنى الخنزير البري حيث يُسمح بصيده طوال العام للحد من أضراره الزراعية .

حظر صيد الحيوانات المهددة بالانقراض :

يمنع القانون الأردني منعاً باتاً صيد أو ملاحقة أو إمساك الحيوانات المهددة بالانقراض المدرجة على القوائم الحمراء العالمية والمحلية ، وتفرض الشريعة البيئية عقوبات صارمة على مخالفي هذا الحظر لحماية ما تبقى من هذا الإرث الفطري . ومن أبرز الأمثلة على هذه الحيوانات المحظورة كلياً في الأردن : المها العربي ، غزال الريم ( الغزال العفري ) ، غزال الجبل ، البدن ( الماعز البري النوبي ) ، الوشق ، والضبع المخطط ، بالإضافة إلى النمر المرقط الذي اختفى من البيئة المحلية .

مواسم وحصص الصيد الرسمية للأنواع المتاحة :

حددت المنظومة القانونية مواسم محددة وأعداداً دقيقة للأنواع المسموح صيدها تجنباً للاستنزاف ، وجاءت تفاصيلها النصية على النحو الآتي :

1 ) عصفور التين : تبدأ فترة موسمه من تاريخ 15 / 8 ولغاية 30 / 10 ، ويُسمح بصيده في كافة أيام الأسبوع ، بحصة يومية تبلغ 20 طائراً لكل صياد مرخص .
2 ) الحمام البري : تبدأ فترة موسمه من تاريخ 1 / 9 ولغاية 30 / 11 ، ويُسمح بصيده في مناطق الأغوار طوال أيام الأسبوع بحصة 20 طيراً ، بينما يُسمح بصيده في مناطق الشفا أيام الجمعة والسبت والأحد فقط بحصة 15 طيراً .
3 ) الفر / الفري ( الصيفي ) : تبدأ فترة موسمه من تاريخ 2 / 9 ولغاية 30 / 11 ، ويُسمح بصيده حصراً أيام الجمعة والسبت والأحد ، بحصة يومية تبلغ 15 طائراً .
4 ) القطا والزرزور : تبدأ فترة موسمهما من تاريخ 1 / 10 ولغاية 30 / 3 ، ويُسمح بالصيد في كافة أيام الأسبوع ، بحصة يومية تبلغ 15 طائراً من كل نوع .
5 ) الحجل ( الشنار ) : تُحدد فترته بالتنسيق وحسب إعلان الموسم الرسمي ، ويُمنع صيد أكثر من طير واحد فقط لكل صياد مرخص في الرحلة الواحدة .

يظهر هذا المقال التكاملي أن الصيد في الأردن يمثل حلقة ممتدة ، بدأت بنقوش صخرية قديمة وجداريات أموية توثق غزارة الحياة الفطرية وانتشار القنص ، وتطورت أدواتها تقنياً عبر الزمن من الفخاخ والدبق إلى البنادق والشباك والوسائط الإلكترونية.

يظهر هذا المقال التكاملي أن الصيد في الأردن يمثل حلقة ممتدة ، بدأت بنقوش صخرية قديمة وجداريات أموية توثق غزارة الحياة الفطرية وانتشار القنص ، وتطورت أدواتها تقنياً عبر الزمن من الفخاخ والدبق إلى البنادق والشباك والوسائط الإلكترونية ، مما استوجب تأسيساً فقهياً أخلاقياً قديماً ، وتدبيراً قانونياً معاصراً صارماً يضبط هذه الأدوات لضمان حماية الأنواع واستدامة التوازن الطبيعي على الأرض الأردنية .

إرث الصيد في الأردن - صورة 2 إرث الصيد في الأردن - صورة 4 إرث الصيد في الأردن - صورة 5 إرث الصيد في الأردن - صورة 6 إرث الصيد في الأردن - صورة 7 إرث الصيد في الأردن - صورة 8 إرث الصيد في الأردن - صورة 9

المصادر والمراجع :

  1. القرآن الكريم .
  2. صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل البخاري ، كتاب الصيد والذبائح .
  3. صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج النيسابوري ، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان .
  4. كتاب « ضواري الطير » ، أدهم بن محرز الباهلي ، دراسات في البيزرة التاريخية .
  5. كتاب « البيزرة » ، الغطريف بن قدامة الغساني ، تحقيق ونشر تراث الصيد العربي القديم .
  6. « ديوان أبي النجم العجلي » ، جمع وتوثيق قصائد الطرديات في العصر الأموي .
  7. التقارير الأثرية لمديرية الآثار العامة الأردنية ، مسوحات النقوش الصفائية والثمودية في البادية الشرقية .
  8. الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ( RSCN ) ، القائمة الحمراء للحيوانات المهددة بالانقراض وجدول مواسم الصيد الصادرة بموجب قانون حماية البيئة الأردني .
قيصر صالح الغرايبة

قيصر صالح الغرايبة

كاتب وباحث في الذاكرة الاجتماعية والتاريخ المحلي، يكتب في توثيق المكان والإنسان والتحولات التي صنعت هوية المجتمع الأردني.

× إرث الصيد في الأردن عبر العصور
× إرث الصيد في الأردن - صورة 2
× إرث الصيد في الأردن - صورة 4
× إرث الصيد في الأردن - صورة 5
× إرث الصيد في الأردن - صورة 6
× إرث الصيد في الأردن - صورة 7
× إرث الصيد في الأردن - صورة 8
× إرث الصيد في الأردن - صورة 9