يستعرض هذا المقال ، رحلات المستكشفين والمستشرقين والرحالة العرب والمسلمين والأجانب عبر العصور في أرجاء الأردن .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تتوالى الأزمان وتبقى الأرض شاهدة على خطى العابرين ، وحكايات الميامين الذين سلكوا دروبها بحثاً عن كنز أو معرفة أو مجد . وييبقى الأردن جوهرة الشرق وملتقى الحضارات ، طالما جذب بخصوبة أرضه وعراقة تاريخه أنظار الرحالة والمستكشفين من أصقاع المعمورة ، ليخطوا بمدادهم سفراً خالداً يروي تفاصيل المكان والإنسان .
يُعد الأردن عبر التاريخ ملتقى طرق استثنائياً ومهداً للحضارات وطرق التجارة والحج ، ونظراً لما ساد المنطقة — خصوصاً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر — من ظروف سياسية واجتماعية مثل تراجع التدوين المحلي وانتشار الأمية ، فقد شكلت مدونات ويوميات الرحالة والمستكشفين الأجانب والعرب وثائق تاريخية وأنثروبولوجية لا تُقدر بثمن ، إذ حفظت تفاصيل دقيقة عن الجغرافيا ، والعشائر ، والآثار ، ونمط الحياة اليومية ، والتي اندثر كثير منها بفعل الزمن والتوسع العمراني .
إن حركة الاستكشاف والرحلات التي شهدتها المنطقة لم تكن مجرد مغامرات فردية عابرة أو استطلاعات جغرافية محايدة ، بل ارتبط كثير منها — سي سيما في العصرين العثماني والحديث — بأهداف استراتيجية عميقة ومخططات استعمارية وتوسعية . فقد عمل هؤلاء الرحالة والمستشرقون عيوناً لصناع القرار في عواصمهم الاستعمارية ، مدفوعين بتوجيهات جمعيات بحثية مثل صندوق استكشاف فلسطين لجمع معلومات استخباراتية دقيقة عن شبكات الطرق ، ومصادر المياه ، والقبائل ، وتركيبة العشائر ، والوضع السياسي والإداري للدولة العثمانية ، تمهيداً لفرض النفوذ وتقسيم المنطقة لاحقاً .
أولاً : العصور القديمة والوسطى والروايات المبكرة والرحلات الاستطلاعية
1 ) القرن الخامس قبل الميلاد حوالي 450 ق . م : المؤرخ هيرودوت يوناني الجنسية
- الطبيعة : يُعد أبو التاريخ اليوناني أقدم شخصية نقلت لنا إشارات ومعلومات جغرافية وتاريخية عن مناطق شرقي المتوسط والأردن .
- المنهجية : لم يكن رحالة ميدانياً بالمعنى الفعلي ، بل اعتمد بشكل أساسي على الروايات والاستطلاعات التي سمعها من التجار والرحالة القدامى .
2 ) العصور الإسلامية المبكرة والوسيطة القرن 3 إلى 8 هجري أو 9 إلى 14 ميلادي : الجغرافيون والرحالة المسلمون عرب ومسلمون ومنهم رحالة ذوو أصول فارسية أو تركية عثمانية ضمن الحضارة الإسلامية
- الأعلام : مثل اليعقوبي ، والمقدسي ، والأصطخري ، وابن جبير ، وابن بطوطة ، إضافة إلى الشاعر والرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي زار المنطقة ودون مشاهداته الميدانية خلال رحلته الشهيرة ، إلى جانب وجغرافيين من بلاد فارس وما وراء النهر ( مثل الاصطخري والأصيلي ) ممن كتبوا عن مسالك البدان ومسالك الممالك .
- المنهجية : تنوعت طرائق وصف هؤلاء الأعلام للأردن بين المعاينة الميدانية المباشرة والاعتماد على المصادر الجغرافية والمدونات السابقة . فمنهم من زار المنطقة بنفسه ووصفها عن عيان — مثل ابن بطوطة وناصر خسرو اللذين عبرا أراضي شرقي الأردن ضمن مسار رحلاتهما — ومنهم من اعتمد على الروايات المتواترة وكتب الرحلات السابقة لتوثيق البلدان والمسالك — مثل ياقوت الحموي الذي قدم في معجم البلدان وصفاً جغرافياً وتاريخياً دقيقاً استند فيه إلى اطلاعه الواسع على المصادر والمؤلفات الجغرافية السابقة إلى جانب الروايات المسموعة . وقد وثق هؤلاء جميعاً الأردن باعتباره جزءاً أساسياً من بلاد الشام وطرق الحج الشامي التجاري ، مسجلين أسماء المحطات ، والحصون ، والبلدات في البلقاء وجند الشام ، ضمن إطار استكشاف الحضارة الإسلامية وتطوير شبكات التجارة والإدارة .
3 ) العصور الأندلسية والمغاربية المبكرة ( رحلات الحج الأندلسية )
- الطبيعة : رحالة وحجاج من الأندلس ( إسبانيا الإسلامية ) وشمال إفريقيا مثل ابن جبير الأندلسي .
- المنهجية والتركيز المكاني : مر هؤلاء الرحالة والحجاج الأندلسيون والمغاربة بأراضي بلاد الشام وطرق الحج التي تمتد عبر أطراف الأردن وإربد قاصدين الحجاز ، ودونوا في رحلاتهم مشاهدات قيمة عن أحوال البلاد وسكانها ومدنها في طريق العبور .
4 ) القرن الخامس عشر 1432 م : بيرتراندون دي لا بروكير Bertrandon de La Broquière فرنسي الجنسية
- الطبيعة : دبلوماسي ورحالة فرنسي .
- المنهجية : يُعتبر أول رحالة أوروبي فعلي يوثق زيارته لبعض مناطق شرق نهر الأردن ويدون مشاهداته العينية خلال رحلة عودته من الحج ودمشق ، تاركاً ملاحظات مبكرة نادرة عن العصر المملوكي ، وحملت رحلته طابعاً استخباراتياً مبكراً لتقييم القوة العسكرية في بلاد الشام .
5 ) القرن الخامس عشر حوالي 1480 إلى 1483 م : الراهب فيلكس فابري Felix Fabri ألماني الجنسية
- الطبيعة : راهب دومينيكاني ألماني .
- المنهجية : يُعد من أوائل الرحالة الأوروبيين الذين تركوا توثيقاً موسوعياً دقيقاً وشاملاً في كتابه الشهير ( كتاب التجوال ) . قدم وصفاً حياً للطرق ، ومصادر المياه ، والتضاريس ، ونمط حياة السكان والبدو في المناطق المحاذية لنهر الأردن والبحر الميت .
ثانياً : العصر العثماني وبدايات الاستكشاف الغربي الحديث أواخر القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر
1 ) عهود الدولة العثمانية المتقدمة والرحالة الرسميون العثمانيون
- الطبيعة : رحالة ومؤرخون وإداريون عثمانيون ( تركيوا الأصول ) مثل أوليا جلبي Evliya Çelebi صاحب كتاب ( سياحتنامه ) .
- المنهجية : قام هؤلاء بجولات رسمية ودونوها ضمن التقارير الإدارية وسجلات الدولة العثمانية لتفقد ولايات الشام وعكار والكرك والبلقاء ، وكانت تقاريرهم تهدف إلى تثبيت السيادة الإدارية والمالية والعسكرية للدولة العثمانية على أطراف الإمبراطورية .
2 ) عام 1806 م : أولريش جاسبر سيتزن Ulrich Jasper Seetzen ألماني الجنسية
- الطبيعة : رحالة وطبيب وباحث ألماني .
- المنهجية : يُعتبر أول رحالة أوروبي حديث يوثق زيارته العلمية لشرق الأردن ، حيث عبر النهر وزار عجلون ، جرش ، السلط ، ومادبا ، موثقاً الآثار والمجتمعات المحلية لصالح المؤسسات العلمية والاستعمارية الأوروبية الصاعدة .
3 ) عام 1812 م : يوهان لودفيغ بوركهارت أو الحاج إبراهيم Johann Ludwig Burkhardt سويسري الجنسية
- الطبيعة : مستشرق ورحالة سويسري أتقن العربية وتبنى الثقافة الإسلامية .
- المنهجية : علامة فارقة في تاريخ الاكتشاف ، إذ نجح في الدخول متخفياً وإعادة اكتشاف مدينة البتراء الخالدة للعالم الغربي ، إلى جانب توثيقه العميق لتضاريس الكرك والبلقاء وعجلون وأعراف القبائل البدوية ، بخلفية مدعومة من جمعيات الاستكشاف البريطانية التي كانت ترسم خريطة نفوذ الإمبراطورية .
4 ) منتصف القرن التاسع عشر 1838 و 1852 م : إدوارد روبنسون وإلي سميث أمريكيان الجنسية
- الطبيعة : باحثان ومستشرقان أمريكيان رائدان في الجغرافيا الكتابية .
- المنهجية : وضعا القواعد العلمية لمطابقة أسماء المواقع الجغرافية والأثرية في الأردن وفلسطين بالنصوص التاريخية القديمة ، بخلفيات دينية وسياسية لخدمة التغلغل الغربي في المشرق .
ثالثاً : رحلات المستكشفين والمستشرقين في إربد وقراها خلال العصر العثماني ولغاية منتصف القرن العشرين
1 ) ثمانينيات القرن التاسع عشر عقد 1880 م : غوتليب شومخر Gottlieb Schumacher ألماني الجنسية
- الطبيعة : مهندس معماري وعالم آثار ألماني عمل لحساب صندوق استكشاف فلسطين PEF .
- المنهجية والتركيز المكاني : أنجز أول مسح هندسي وميداني دقيق لشمال الأردن وعموم مدينة إربد وقراها مثل عجلون ، حوران ، وجلعاد ، مصحوباً بالخرائط والرسومات الهندسية للمستوطنات وشبكات الطرق الرومانية والخرب القديمة في تلك الربوع ، وهو عمل هندسي واستخباراتي مباشر كان يخدم التخطيط الاستعماري الألماني العثماني المشترك لمد سكة حديد الحجاز والسيطرة الإستراتيجية على المنطقة .
2 ) أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين : ألويس موزيل Alois Musil نمساوي تشيكي الجنسية
- الطبيعة : مستشرق ، لاهوتي ، وعالم اثنولوجيا نمساوي تشيكي .
- المنهجية والتركيز المكاني : يُعد أعظم من درس أنثروبولوجيا البادية الأردنية وشمال الأردن ، فقد عاش طويلاً مع القبائل ، وتجول في منطقة إربد والبادية المجاورة لها ، وألف موسوعات ضخمة تعد المرجع الأساسي في أنثروبولوجيا وأنساب وعادات قبائل شرقي الأردن ، وقد قدمت تقاريرهم دراسات ميدانية بالغة الأهمية لصناع القرار الأوروبيين لفهم البنية الاجتماعية والسياسية للقبائل تمهيداً لتوجيه التحالفات الإقليمية .
3 ) مطلع القرن العشرين 1899 إلى 1914 م : غيرترود بيل Gertrude Bell بريطانية الجنسية
- الطبيعة : عالمة آثار ، مستشرقة ، ورحالة بريطانية .
- المنهجية والتركيز المكاني : جالَت الصحراء الأردنية وشمال الأردن بما في ذلك المدن الأثرية في إربد مثل أم قيس ، موثقة القلاع والآثار ، وتركت أرشيفاً فوتوغرافياً واجتماعياً نادراً يخص شيوخ العشائر والمجتمعات المحلية في المنطقة ، ولعبت لاحقاً دوراً سياسياً واستخباراتياً مباشراً بصفتها صانعة قرار ومستشارة سياسية كبرى للإمبراطورية البريطانية في رسم خريطة الشرق الأوسط الحديث .
رابعاً : العصر الحديث تأسيس الدولة والبعثات الأثرية المعاصرة
1 ) منتصف القرن العشرين : نيلسون جلوك Nelson Glueck أمريكي الجنسية
- الطبيعة : عالم آثار أمريكي بارز .
- المنهجية : أجرى مسوحات أثرية ميدانية شاملة لمئات المواقع والتلال التاريخية في مختلف مناطق الأردن ، ونشر مؤلفات كلاسيكية محورية في تاريخ المنطقة ، في مرحلة ارتبطت بالتغلغل الأكاديمي والسياسي الأمريكي والغربي في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس الدولة الحديثة .
2 ) من منتصف القرن العشرين وحتى الوقت الحالي : بعثات أثرية دولية ومعاهد أكاديمية متعددة الجنسيات
- الطبيعة : ألمانية ، فرنسية ، أمريكية ، وبريطانية .
- المنهجية : تحولت الجهود الفردية الاستعمارية القديمة إلى مؤسسات علمية وبعثات ألمانية ، فرنسية ، أمريكية ، وبريطانية عملت بالتعاون مع دائرة الآثار العامة الأردنية للتنقيب عن كنوز الأردن في جرش ، مادبا ، أم الجمال ، والبتراء ، إلى جانب مشاركة باحثين وعماء آثار آسيويين وأجانب ضمن فرق البحث الأكاديمي العالمي الحديث .
3 ) العصر الرقمي والوقت الحالي : سياح المغامرات ومدونو السفر من مختلف الجنسيات العالمية
- المنهجية : تحول نمط الرحالة المعاصرين إلى مكتشفي المسارات العالمية عبر درب الأردن Jordan Trail الممتد من أم قيس شمالاً وحتى العقبة جنوباً ، موثقين تنوع الطبيعة والثقافة الأردنية عبر منصات التواصل الحديثة للسياحة الثقافية والمجتمعية الخالصة من شتى بقاع العالم .
وفي الختام ، يتبين لنا جلياً أن صفحات التاريخ الأردني لم تُكتب بحبر أبنائه وحدهم ، بل شارك في صياغة أجزاء واسعة منها أولئك العابرون الذين رتحلوا في الفلوات ودونوا دقائق الأمور . وسواء اختلفت النوايا وتعددت الغايات بين شغف علمي وأطماع سياسية استعمارية ، أو تقارير إدارية عثمانية واستطلاعات إسلامية ومشرقية وأندلسية ، فإن النتيجة ظلت شاهداً حياً على عظمة هذه البقعة من العالم ؛ لتتبقى مدونات الرحالة والمستشرقين مرآة أمينة تعكس الماضي العريق ، وتضيء دروب المعرفة للأجيال القادمة .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) كتاب الرحلات في سوريا والأرض المقدسة للمؤلف يوهان لودفيغ بوركهارت .
- 2 ) كتاب أرض موآب للمؤلف هنري بيكر تريسترام .
- 3 ) كتاب شمال عجلون للمؤلف غوتليب شومخر .
- 4 ) كتاب في صحراء العرب الفراتية للمؤلف ألويس موزيل .
- 5 ) كتاب الشرق الأردن التوراتي للمؤلف نيلسون جلوك .
- 6 ) مقالة آثار الأردن في تقارير المستكشفين والرحالة الأجانب للمؤلف زيدان كفافي المنشورة في مجلة الدراسات التاريخية والآثارية بالجامعة الأردنية .
- 7 ) دراسة آثار الأردن في تقارير المستكشفين والرحالة الأجانب : مرحلة ما قبل تأسيس إمارة شرقي الأردن في عام 1921 م للمؤلف زيدان عبد الكافي كفافي ، مجلة دراسات : علوم الشريعة والقانون ، الجامعة الأردنية ، المجلد 48 ، العدد 3 ، مئوية الدولة الأردنية ، 2021 م ، ص 631 .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.