يتناول المقال سرّ اختيار اسم « مُحَمَّد » لنبيّنا الأكرم ﷺ ، مع بيان معانيه اللغوية الدقيقة ، ورؤيا عبد المطلب ، وحفظ هذا الاسم الفريد من الانتشار قبل البعثة النبوية .

سرّ تسمية النبي المصطفى بـ « مُحَمَّد » ﷺ : بين الإلهام الإلهي والحكمة الشرعية :

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تتجلّى في السيرة النبوية المطهرة شواهد دقيقة تدلّ على الحفظ الإلهي والتدبير الرباني لحياة خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ حتى قبل ولادته . ومن أبرز هذه الشواهد اختيار اسمه الشريف « مُحَمَّد » ، وهو الاسم الذي ادّخره الله جلّ وعلا لنبيه الخاتم ، وألهم جَدَّه عبد المطلب اختياره .

​وعند الرجوع إلى ما نصّ عليه علماء السِّير وما وثّقته المراجع التأصيلية ، نجد إشارات جليلة ووقفات عميقة تجلو سرّ هذا الاسم العظيم ودقائق معانيه اللغوية والشرعية .

​أولاً : رؤيا عبد المطلب وقصة التسمية في اليوم السابع :

​ذكر المؤرخون وعلماء السيرة أن عبد المطلب إنما سمّى نبينا « مُحَمَّداً » لرؤيا منامية رآها قبل المولد الشريف ، حيث رأى في المنام كأنّ سلسلةً من فضة خرجت من ظهره ، ولها طرفٌ في السماء ، وطرفٌ في الأرض ، وطرفٌ في الشرق ، وطرفٌ في الغرب ، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور ، وأوّلها له العارفون بالتأويل بأن سيولد له مولود يحمده أهل السماء وأهل الأرض .

​وحين وُلد النبي ﷺ ، عَقَّ عنه جده عبد المطلب ودعا قريشاً لمأدبته في اليوم السابع ، فلما سألوه : " لمَ رغبت به عن أسماء آبائك وأجدادك ؟ " أجابهم بتلك الجملة الخالدة الملهمة : " أردتُ أن يحمده الله في السماء ، ويحمده خلقه في الأرض " .

​ثانياً : المعنى اللغوي لاسم « مُحَمَّد » والدلالة البلاغية :

​على الرغم من كثرة من يتسمّون باسم " محمد " ، إلا أن القليل منهم من يتفكر في معناه الدقيق أو يستشعر عمقه اللغوي :

1 ) صيغة المبالغة والتكرار : اسم " مُحَمَّد " هو اسم مفعول مشتق من الفعل ( حُمِّدَ ) بتضعيف الميم ، وهو يفيد كثرة الحمد وتكراره . فالشخص يُسمى " محموداً " إذا حُمِد مرة أو على فعل محدد ، أما « مُحَمَّد » فهو من تكرر منه ما يُحمد عليه مرة بعد مرة لكثرة خصاله الشريفة وأفعاله العظيمة .

2 ) التكامل بين « مُحَمَّد » و « أحْمَد » : جاءت البشارة باسمه « أحْمَد » على لسان عيسى عليه السلام ، وهو اسم تفضيل معناه أنه ﷺ أحْمَدُ الحامدين لربه وأعظم الخلائق ثناءً عليه ، بينما اسم « مُحَمَّد » يعني أنه أكمل الخلائق التي تحمدها أهل السماء والأرض على ما آتاه الله من المكارم . ولم يُسمَّ أحدٌ باسم " أحمد " قبله ﷺ مطلقاً .

​ثالثاً : مدى انتشار الاسم قبل المولد النبوي الشريف :

​لم يكن اسم " محمد " منتشراً ولا شائعاً بين العرب قبل ولادة النبي ﷺ ، بل كان من الأسماء النادرة جداً وغير المطروقة في بيئة قريش وسائر القبائل ، ولذلك تعجب القوم عندما أعلنه عبد المطلب في مأدبته .

​ولم يُعرف أحدٌ تسمّى باسم " محمد " في التاريخ القديم إلا عندما قَرُب زمان النبوة ، حيث شاع بين الكهان والأحبار من أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) أن نبياً سيُبعث في أرض الحجاز واسمه " محمد " . وعندئذٍ ، قامت ثلة قليلة جداً من العرب ممن سمعوا ذلك بتسمية أبنائهم بـ " محمد " رجاء وطمعاً في أن يكون الابن هو النبي الموعود ( ومن أشهرهم ستة أشخاص ضبطهم أهل العلم : محمد بن سفيان بن مجاشع ، ومحمد بن أُحيحة بن الجُلاح ، ومحمد بن حُمران بن مالك ، ومحمد بن بَرّ المَجْشَعي ، ومحمد بن سُفيان بن مجاشع التميمي ، ومحمد بن عَدِيّ بن ربيعة ) .

​وقد صان الله جلّ وعلا هذا الاسم المبارك وعصم أصحاب تلك التسميات جميعاً من ادعاء النبوة أو ظهور أي التباس في أمرهم ، حتى تقع النبوة والتسمية مطابقةً تماماً وبشكل حصرِيّ لما كُتب في اللوح المحفوظ لصاحب الدعوة الخالدة ﷺ .

​رابعاً : رفعة الاسم واقترانه باسم الحق سبحانه :

​لقد أعلى الله تعالى ذكر نبيه المصطفى ﷺ ، وجعل اسمه الشريف مقروناً باسمه جلّ وعلا في أعظم الشعائر والمواطن ( الأذان ، الإقامة ، والتشهد ) ، فلا يصحّ إسلامُ عبدٍ إلا بالشهادة له بالرسالة .

​كما صرف الله عنه أذى المشركين ببركة هذا الاسم ، فكانوا إذا أرادوا ذمه هجوا رجلاً سمّوه " مذمماً " ، فيقول النبي ﷺ لأصحابه رضوان الله عليهم : « أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ ؟ يَشْتِمُونَ مُذَمَّماً ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ » .

​إن المتأمل في سرّ تسمية سيدنا محمد ﷺ يدرك عظمة الإعداد الإلهي لهذه الرسالة الخالدة ، ليظل اسمه ﷺ علماً على الكمال ، ونغماً تلهج به الألسن بالصلاة والسلام عليه إلى أن يبعثه الله المقَامَ المَحْمُودَ الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) ابن كثير ، إسماعيل بن عمر ( 1998 م ) . البداية والنهاية . دار هجر للطباعة والنشر ، القاهرة .
  3. 2  ) البخاري ، محمد بن إسماعيل ( 2001 م ) . صحيح البخاري . دار طوق النجاة ، بيروت .
  4. 3  ) السهيلي ، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله ( 2000 م ) . الروض الأُنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام . دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
  5. 4  ) العازمي ، وليد بن محمد ( 2011 م ) . اللؤلؤ المكنون في سيرة النبوي المأمون . دار الصميعي ، الرياض .
  6. 5  ) القاضي عياض ، عياض بن موسى اليحصبي ( 2002 م ) . الشفا بتعريف حقوق المصطفى . دار الفكر ، بيروت .
  7. 6  ) شبكة الألوكة الشرعية ( 2016 م ) . وقفات مع اسم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . قسم الفكر والإصلاح .
  8. 7  ) صيد الفوائد ( 2018 م ) . هل كان اسم الرسول قُثَم؟ أم هل كان اسمه محمّداً؟ . قسم السيرة النبوية .
  9. 8  ) موقع الإسلام سؤال وجواب ( 2021 م ) . مطلب : من أول من تسمى باسم " محمد " ؟ . فتوى رقم 323321 .
  10. 9  ) موقع إسلام ويب ( 2003 م ) . مطلب : سبب تسميته صلى الله عليه وسلم باسم محمد . فتوى رقم 38609 .
  11. 10  ) موقع إسلام ويب ( 2008 م ) . مطلب : الذين تسموا باسم محمد قبل ظهور الإسلام . فتوى رقم 119202 .
  12. 11  ) موسوعة ويكيبيديا الرقمية ( 2023 م ) . مادة : أسماء الرسول محمد .