يستعرض هذا المقال دور النقوش النبطية في البادية الأردنية بوصفها سجلاً تاريخياً وحضارياً يوثق الوجود البشري وتطور الخطوط العربية.
أسرار الصخور الناطقة : النقوش النبطية في البادية والصحراء الأردنية
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعدّ البادية الأردنية والصحراء الجنوبية ، لا سيما منطقة وادي رم صحراء حِسْمى ومناطق البادية المختلفة ، متحفاً مفتوحاً وأرشيفاً ضخماً فريداً من نوعه على مستوى العالم . فليست هذه الصحارى الشاسعة مجرد تضاريس رملية وصخرية صامتة ، بل هي مكتبة مفتوحة تحت السماء حفرت عليها أيدي الأنباط وقوافل التجارة ، وعبر العصور المتعاقبة ، آلاف النصوص والرسومات التي تروي قصص المجد والحياة اليومية والمعتقدات . وفي هذا السياق الأثري الميداني ، يُعرَّف النقش بأنه كل أثر ، سواء كان كتابة أو رسماً أو رمزاً يُحفر أو يُقطع يدوياً أو ميكانيكياً على مواد صلبة وثابتة كالواجهات الصخرية والكهوف ليوثق الوجود البشري والتاريخي .
إطار تاريخي وجغرافي للأنباط في البادية الأردنية :
الأنباط أو كما سموا أنفسهم "نبتو nbtw" هم قبائل عربية بدوية استقرت في جنوب الأردن وشبه الجزيرة العربية منذ أواخر الفترات الهلنستية ، واتخذوا من البترا عاصمة لمملكتهم المزدهرة . ولم تقتصر سيطرة الأنباط على مدنهم المحفورة في الصخر ، بل امتد نفوذهم وشبكة تجارتهم عبر البادية الأردنية وصولاً إلى الشام وشبه الجزيرة العربية والعراق . وتؤكد الاكتشافات الأثرية والنقوش المنتشرة في مدائن صالح والحجر العمق الحضاري وعروبة مدينة البترا الأثرية وامتداد نفوذها وثقافتها العربية الأصيلة عبر مختلف أقاليم شبه الجزيرة العربية والبلاد المجاورة .
لعبت صحراء البادية الأردنية دور شريان الحياة التجاري ، حيث مرت من خلالها طرق القوافل التجارية القديمة مثل طريق البخور والبقسماط والتوابل ، وكانت محطات الاستراحة ومناهل المياه في الصحراء نقاطاً محورية تقف عندها القوافل ، مما دفع التجار والمسافرين والحراس والوعاظ النبطيين إلى تسجيل حضورهم وأفكارهم على الواجهات الصخرية الكبيرة وعند سفوح الجبال . وقد انتشرت النقوش النبطية فوق مساحة واسعة من الأرض ، اتسعت لتشمل الأراضي التي وطئتها أقدام الأنباط ، سواء استقروا فيها أو عبروها تجاراً ، ليشهد التسجيل التاريخي على توثيق نحو 6000 نقش نبطي تعود للفترة الممتدة من عام 100 ق.م إلى عام 100 م حين كانت مدينة رقو أو البترا في أوج قوتها .
تاريخ اكتشاف النقوش وممن اكتشفت :
على عكس الاكتشافات الحديثة التي تتم دفعة واحدة ، فإن رصد ودراسة النقوش النبطية في الصحراء الأردنية تمت عبر مراحل متتالية وبواسطة رحالة وعلماء آثار متعددين عبر القرنين التاسع عشر والعشرين :
الرحلات الاستكشافية الأولى خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، حيث بدأ المستشرقون والرحالة الأوربيون مثل الرحالة السويسري ( جوهان لودفيك بركهارت ) مكتشف البترا عام 1812 م وغيره ممن زاروا جنوب الأردن وبادية حِسْمى ملاحظة الكتابات والرسوم على الصخور ، لكنهم وثقوها في البداية كظواهر عامة دون فك رموزها بشكل كامل .
التوثيق العلمي المنظم في وادي رم خلال أوائل ثلاثينيات القرن العشرين ، إذ يُعد عالم الآثار ( جورج هورسفيلد ) من الأوائل الذين وثقوا المواقع النبطية بشكل علمي دقيق ، لافتاً الأنظار إلى الكثافة الهائلة للنقوش والكتابات المحفورة بجانب المعالم الأثرية والمعابد النبطية هناك .
الدراسات الأكاديمية المتخصصة خلال السبيعينيات والثمانينيات وما بعدها ، حيث تتابع العمل الأكاديمي عبر فرق دائرة الآثار العامة الأردنية بالتعاون مع منصاتها العلمية والبحثية ودورياتها المحكمة التي توثق نتائج الحفريات والتنقيبات الأثرية ، إلى جانب بعثات دولية مثل أبحاث عالم الآثار الأسترالي ( ويليام جوبلينغ ) وغيره من علماء النقوش السامية ، وصولاً إلى الاكتشافات الحديثة لمتخصصين مثل الباحث ( تيسير خلف ) الذي وثق نقوشاً نبطية شديدة التأخر في العقبة لتسد حلقة انتقال الخط الأردني النبطي إلى العربية .
أكثر المناطق توفراً وتواجداً للنقوش النبطية :
تنتشر النقوش النبطية في الأردن بشكل رئيسي في البترا ووادي رم وجنوب البلاد ، بينما تسيطر النقوش الصفائية بشكل كثيف على صخور البادية الشمالية الشرقية في الحرة البازلتية . وتتوزع أماكن تواجد النقوش بدقة وفق الخريطة التالية :
الجنوب والوسط للنقوش النبطية ، والتي تتركز على صخور متحف البترا والبيضاء ، وامتدت جنوباً إلى وادي رم ، وشمالاً عبر نقوش مادبا النبطية ومناطق ذيبان وأم الرصاص . وتُعد منطقة وادي رم صحراء حِسْمى في جنوب الأردن الخزان الأكبر والمتحف الطبيعي الأكثر غنى بالنقوش النبطية في العالم ، حيث تملأ النقوش واجهات الجبال الرملية الشاهقة والسيقان الضيقة مثل ( سيق أم تواقي ) و ( وادي الخزعلي ) وحول معبد اللات ومنطقة ديسي . ويحيط بمدينة البترا وضواحيها شبكة واسعة من النقوش المنتشرة في الوديان والشعاب المؤدية إليها لكونها كانت البوابة الأمنية والدينية للقوافل الداخلة والخارجة من المدينة ، مثل زوج النصوص القديمة المتطابقة المنحوتة بالأبجدية العربية النبطية التي اُكتشفت في مدينة مادبا ويعود تاريخها إلى عام 37 م وعام 38 م في زمن ( الحارث الرابع ) .
البادية الشمالية الشرقية للحرة البازلتية ، حيث توجد نقوش صفائية بكثافة غير معتادة على الصخور البازلتية السوداء في مواقع مثل ( جبل قرمة ) و ( وادي الغصين ) و ( الوساد ) ، وهي عبارة عن خط عربي شمالي قديم دونه بدو البادية وتحكي عن حياتهم اليومية وتنقلاتهم ورعي الإبل .
طبيعة النقوش : كتابات أم رسومات ؟
تتألف هذه الآثار الصحراوية من مزيج تكاملي يجمع بين الكتابات والرسومات على حد سواء ، ويمكن تفصيل ذلك بدقة :
الكتابات النصية ( الخط النبطي ) ، وهي عبارة عن حروف وكلمات وجمل محفورة بدقة على الصخور باستخدام ( الخط النبطي ) المميز ، وهو خط أُخذ في بداياتهم من الجذور الآرامية ليطوره الأنباط ويجعلوه خطاً رسمياً وتجارياً وجنائزياً خاصاً بهم ، وتطورت حروفه لاحقاً لتكون الوسيط المباشر لنشأة خط الكتابة العربية الشمالية الحالي .
الرسوم الصخرية المصاحبة ، وهي عبارة عن أشكال فنية ورسوم بصرية تكميلية نُحتت بجانب النصوص أو بشكل مستقل ، وتشمل رسوم الحيوانات مثل ( الوعل الجبلي ) و ( الجمل أو الناقة ) ، إلى جانب الرموز والعلامات مثل ( الوسوم القبلية ) التي تعكس ثقافة وبيئة الصحراء .
خصائص الخط والأبجدية النبطية :
تُظهر النقوش النبطية المنتشرة في الصحراء الأردنية تطوراً لغوياً وحضارياً بالغ الأهمية ، فقد كتب الأنباط في بداياتهم بالخط الآرامي الذي كان لغة الإدارة والدبلوماسية في الشرق الأدنى القديم ، ثم طوّروه تدريجيّاً ليصبح خطاً نبطياً مميزاً يميل إلى الشكل المربع وتتشابه فيه بعض الأحرف مثل الباء والياء والتاء وتستخدم النقاط للتفرقة . واستخدمه الأنباط للتدوين والمعاملات التجارية والتوثيق الجنائزي بين القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي . ويُعد هذا الخط الحلقة التاريخية الأهم والوسيط المباشر الذي تطور منه خط الكتابة العربية الشمالية أو الخط العربي الحالي .
تتألف الأبجدية النبطية من 22 حرفاً وتُكتب من اليمين إلى اليسار ، وتتميز الحروف في النقوش المبكرة بطابعها الرسمي والهندسي ، بينما تتخذ في النقوش المنتشرة في الصحراء والبادية طابعاً متصلاً وسريعاً وقريبًا من خط الرقعة المبكر .
مضامين ومواضيع النقوش النبطية :
تتنوع النقوش النبطية في البادية الأردنية من حيث المضمون ، ويمكن تصنيفها إلى عدة أنواع رئيسية تشمل النقوش التذكارية والتوثيقية التي يسجل فيها أصحابها أسماءهم وأنسابهم أو حوادث معينة مرتبطة برحلاتهم ، والنقوش الجنائزية التي يستدل منها على اسم الميت ومهنته وزمن الوفاة وملكيته ، والنقوش الدينية والعقائدية التي تعكس الجانب الروحي وإيمانهم العميق بآلهتهم مثل ( ذو الشرى ) و ( العزى ) ومجاورات الأماكن المقدسة ، إضافة إلى النقوش التجارية المرتبطة بالقوافل وتوثيق مرور التجار والأدلاء الصحراويين سالمين .
دلالات ومدلولات النقوش النبطية في الصحراء :
رغم أن النقوش النبطية لا تُعدّ في الغالب مواعظ دينية مطولة أو عِبَراً بالمعنى الأدبي الوعظي البحت ، إلا أنها تحمل عِبرة تاريخية واجتماعية كبرى في توثيق الوجود البشري ، وتتجسد دلالاتها ومدلولاتها في عدة محاور أساسية :
1 ) دلالة الوجود وتأكيد الهوية وإثبات الذات ، حين كان المسافر أو التاجر أو الجندي النبطي يعبر تلك الصحراء القاحلة والمهلكة ، كان يشعر بحاجة ملحة لتسجيل اسمه واسم أبيه وعائلته أو قبيلته ليقول لمن يأتي بعده ( إنني مررت من هنا وأنا موجود ) ، لتصبح النقوش بمثابة بطاقات تعريف شخصية أُبدعت على صفحة الصخر لتتحدى الزمن وقسوته .
2 ) الدلالة التجارية وشرايين الحركة وطرق القوافل ، إذ تُعد النقوش دليلاً قاطعاً ومقياساً جغرافياً لحركة التجارة ، حيث ترسم بوضوح مسارات طرق القوافل القديمة ومحطات الاستراحة ومناهل المياه ، فوجود كثافة نقوش في مكان معين يعني حتماً أنه كان محطة رئيسية أو ممراً آمناً للقوافل القادمة نحو الشام أو الجزيرة العربية .
3 ) الدلالة العقائدية والدينية وحماية الآلهة ، فقد تضمنت بعض النقوش عبارات ذات طابع تحذيري أو روحي مثل الأدعية بالخير لمن يحترم المكان أو اللعنات والتحذيرات الموجهة لمن يعبث بالمعالم المقدسة مثل عبارة ( لعن ذو الشرى من يمحو هذا النقش ) ، فضلاً عن التبرك بأسماء الآلهة لطلب الحماية من أخطار الصحراء .
4 ) الدلالة التنظيمية والإدارية العسكرية ، حيث تشير بعض النقوش إلى وجود رتب إدارية وعسكرية نبطية مثل القادة والحراس والمبعوثين الرسميين ، مما يدل على أن البادية لم تكن مساحات سائبة ، بل كانت تخضع لسيطرة إدارية وتنظيمية دقيقة من قِبل السلطة المركزية في البترا لحماية الحدود وطرق التجارة .
الفن المرفق مع النقوش والرسوم الصخرية ومدلولاتها الرمزية :
لا تقف البادية الأردنية عند حدود الحروف والكلمات المكتوبة ، بل تمتزج النقوش النبطية أحياناً برسوم صخرية بارزة ومنحوتة تحمل دلالات عميقة ، مثل ( الوعل الجبلي ) الذي يرمز في المعتقدات القديمة إلى القوة والصمود والقدرة على البقاء في بيئة قاسية ، و ( الجمل أو الناقة ) الذي يدل على شريان الحياة في الصحراء ووسيلة النقل الأساسية وعنوان الثروة والترحال ، و ( الوسوم أو العلامات القبلية ) التي تعود لقبائل أو عائلات معينة وكانت تدل على ملكية الإبل أو تحديد النطاق الرعوي والمجالي للقبيلة .
الأهمية التاريخية والعلمية للنقوش النبطية :
تُعدّ هذه النقوش مصدراً أساسياً لتاريخ العرب القديم ، إذ تملأ الفجوات التاريخية التي تركتها المصادر الكلاسيكية وتقدم قراءة محلية خالصة لأحوال المجتمع النبطي . كما تساهم في تتبع تطور اللغة العربية باعتبارها حلقة الوصل الكبرى التي تظهر التدرج المذهل من الحروف النبطية ذات الطابع الآرامي إلى حروف شبيهة بالرسم العربي المبكر ، إلى جانب فهم النظم الاجتماعية والإدارية وكشف أسماء الملوك والقادة العسكريين وطبيعة الإدارة اللامركزية للأنباط . وقد أسهمت الدراسات الحديثة في نقوش الصفا والبادية الأردنية في إعادة تأريخ الجذور الأولى للغة العربية لتنطلق من البادية الأردنية وتمتد جنوباً نحو شبه الجزيرة العربية .
تظل النقوش النبطية في البادية والصحراء الأردنية شاهداً ناطقاً على عبقرية الإنسان العربي القديم الذي استطاع ترويض قساوة الصحراء ، فجعل من صخورها الصامتة سجلاً خالداً لحضارة رائدة وبطاقات تعريف بالوجود والهوية . وتستدعي هذه الكنوز المتناثرة في رمال الأردن اليوم أقصى درجات الاهتمام الأثري والحماية القانونية والسياحية ، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي وذاكرة الأمة العربية العريقة .




التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.