ثمة رجالٌ يلوحون في أفق الأوطان كمناراتٍ هادية، لا يطويهم الغياب وإن غيبهم الموت، بل تظل حياتهم الممتدة بالعطاء منقوشة في وجدان الأجيال وسجل الخلود كمعالم طريق يسترشد بها السائرون في دروب البناء والرفعة. ومن بين هؤلاء الأعلام الذين صاغوا بجهدهم المخلص وفكرهم المستنير ملامح مضيئة في مسيرة التعليم العالي ومؤسسات الإدارة الحديثة في المملكة الأردنية الهاشمية، يبرز اسم الراحل الأستاذ طريف محمود الغرايبة، سليل العائلة العريقة والقامة الوطنية الفذة التي عاصرت فجر التأسيس وبناء الصروح، ليظل اسمه فصلاً مشرقاً وعصياً على النسيان في ذاكرة جامعة اليرموك التي كان أحد بناتها الأوائل ورجالاتها الأوفياء
الأستاذ طريف محمود الغرايبة: سيرة إداري ومسيرة وطن في ذاكرة جامعة اليرموك
ثمة رجالٌ يلوحون في أفق الأوطان كمناراتٍ هادية، لا يطويهم الغياب وإن غيبهم الموت، بل تظل حياتهم الممتدة بالعطاء منقوشة في وجدان الأجيال وسجل الخلود كمعالم طريق يسترشد بها السائرون في دروب البناء والرفعة. ومن بين هؤلاء الأعلام الذين صاغوا بجهدهم المخلص وفكرهم المستنير ملامح مضيئة في مسيرة التعليم العالي ومؤسسات الإدارة الحديثة في المملكة الأردنية الهاشمية، يبرز اسم الراحل الأستاذ طريف محمود الغرايبة، سليل العائلة العريقة والقامة الوطنية الفذة التي عاصرت فجر التأسيس وبناء الصروح، ليظل اسمه فصلاً مشرقاً وعصياً على النسيان في ذاكرة جامعة اليرموك التي كان أحد بناتها الأوائل ورجالاتها الأوفياء
منبت الأصالة ومولد القامة:
تنفس الراحل أنفاسه الأولى في مدينة إربد، بتاريخ الخامس والعشرين من أيار لعام 1935 م، في حقبة تاريخية مثّلت مخاضاً مباركاً لتأسيس معالم الدولة الأردنية الحديثة ورسم هويتها. وفي أحضان بيئة عائلية تجذرت في تربة الوطن، ونشأت على قيم الزعامة العشائرية والوجاهة الوطنية الرصينة، ترعرع الأستاذ طريف، إذ كان والده هو الشخصية الوطنية الفذة والوجيه المهيب محمود خالد باشا الغرايبة (1900 – 1979 م)، المولود في بلدة المُغيِّر الوادعة. ولم يكن الوالد حبراً على ورق في دفاتر الوجهاء، بل كان ركيزة من الركائز الأربع التي قامت عليها مدينة إربد وجوارها طيلة عقود، وصمام أمان للسلم الأهلي والاجتماعي. وقد حظي برعاية ملكية سامية إذ منحه الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين لقب " باشا “، وتقلّد مناصب إدارية رفيعة كقائمقام لجرش ومادبا، ورئيساً لبلدية إربد عام 1939 م ، فضلاً عن كونه جذوة متقدة في صفوف الحركة الوطنية ذات التوجه العروبي، ورائداً لافتاً من رواد استصلاح أراضي الأغوار الشمالية وتحويل مواتِها إلى جنات خضراء
ومن هذه الشجرة العائلية المباركة الوارفة الظلال، انبثقت نخبة من رجالات الفكر والإدارة والسياسة والأكاديميا الذين رفدوا الأردن والأمة العربية بينابيع علمهم، فكان الأستاذ طريف شقيقاً لقامة تاريخية فذة هو المؤرخ الأردني والعلامة الراحل الأستاذ الدكتور عبد الكريم الغرايبة — أول أردني يحصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة لندن عام 1951 م — والشقيقين الفاضلين الراحلين الأستاذ وائل الغرايبة، والأستاذ هيثم الغرايبة الذي خطّ مسيرة ناصعة في السلك القضائي تُوجت بعضويته في محكمة العدل العليا
وفي ذات السياق من العطاء المعرفي ، يبرز شقيقهم الأصغر ، الدكتور فيصل محمود الخالد الغرايبة ، بوصفه قامة أكاديمية سامقة في فضاء العلوم الاجتماعية العربية ، والذي استطاع ببراعة تطويع أدوات الخدمة الاجتماعية لخدمة التنمية العربية ، ناقلاً إياها من الأطر الرعوية التقليدية إلى آفاق تنموية فاعلة ومستدامة من خلال عمله في كبرى المنارات الأكاديمية كالجامعة الأردنية وجامعة البحرين وجامعة الدول العربية ، فضلاً عن إثرائه المكتبة العربية بمؤلفات مرجعية رصينة في مجالات تنمية المجتمع ، والأسرة العربية ، ومناهج البحث السوسيولوجي .
المسيرة التعليمية: رحلة العلم من (عروس الشمال) إلى (ألمانيا):
خطا الأستاذ طريف الغرايبة أولى خطواته المعرفية في مدارس مدينة إربد التي تشرب في صفوفها مبادئ العلوم والآداب . ومع إشراقة المرحلة الثانوية، انتقل إلى العاصمة عمان مواصلاً شغفه الأكاديمي، ليلتحق بأعرق صروحها التعليمية آنذاك، " الكلية العلمية الإسلامية “، حيث انخرط طالباً في نظام سكنها الداخلي، مقبلاً على الدرس والتحصيل في بيئة تربوية صارمة صقلت شخصيته القيادية.
ولم تقف طموحاته عند حدود الجغرافيا القريبة، فشد الرحال صوب جمهورية ألمانيا الاتحادية طالباً للمزيد من المعارف الحديثة، حيث أمضى هناك ست سنوات كاملة غمس خلالها ريشته في محابر الثقافة الغربية والتحصيل الأكاديمي المتميز. وفي السنة السادسة، وأثناء عودته إلى أرض الوطن في إجازة اعتيادية لزيارة الأهل، نجح ذووه وأقاربه في إقناعه بضرورة البقاء في الأردن واستثمار مخزونه الثقافي واللغوي الثري في خدمة ثرى الوطن، فاستجاب الراحل لنداء الواجب والأهل مطوعاً خبراته لخدمة الإدارة الأردنية الناشئة.
البدايات المهنية: سفير حضاري فوق العادة في ثغر الرمثا (1965):
في عام 1965 م، وتتويجاً لثقافته الواسعة وتمكنه اللغوي الفريد — إذ كان يتقن عدة لغات أجنبية حية وعلى رأسها الألمانيّة والإنجليزيّة — التحق الأستاذ طريف بالعمل في دائرة السياحة والآثار. ونظراً لمهاراته التواصلية الاستثنائية، تم توجيهه للعمل في مركز حدود الرمثا الذي كان يمثل شريان الحركة والعبور النابض. وهناك، لم يكن الراحل مجرد موظف تقليدي يؤدي مهاماً إدارية، بل كان واجهة حضارية مشرقة وسفيراً ثقافياً للأردن، يستقبل الوفود والسياح الأجانب بلغاتهم الأم، ويبث في نفوسهم بروح الكرم الأردني الأصيل ولباقته المعهودة انطباعات دافئة وصورة ناصعة عن الإرث التاريخي والحضاري للمملكة الأردنية الهاشمية،
وخلال فترة عمله في دائرة السياحة والآثار، التحق المرحوم الأستاذ طريف بجامعة بيروت العربية بنظام التعليم عن بُعد (الانتساب)، حيث درس الحقوق وتخرج منها.
صرح اليرموك: ريادة التأسيس (1976 م) وعطاء امتد لثلاثة عقود:
استمر المرحوم الأستاذ طريف في تمثيل قطاع السياحة بأبهى حلة حتى شهد عام 1976 م ولادة صرح أكاديمي جديد تمثل في تأسيس جامعة اليرموك. وفي تلك البدايات التأسيسية الصعبة، تواصل رئيس الجامعة آنذاك الأستاذ الدكتور عدنان بدران مع شقيق الراحل، العلامة الدكتور عبد الكريم الغرايبة، معرباً عن حاجته الماسة لكفاءة إدارية متميزة تمتلك ناصية اللغات الأجنبية وبخاصة الألمانية للعمل في دائرة العلاقات العامة، فتم ترشيح الأستاذ طريف الغرايبة ليتعين في الجامعة بالتزامن مع تاريخ تأسيسها الأول، ويكون بذلك واحداً من الرعيل المؤسس الذي وضع اللبنات الأولى لهذا الصرح الأكاديمي الشامخ
في رحاب " اليرموك “، سخر الراحل طاقاته الإدارية واللغوية لبناء جسور التواصل بين الجامعة الفتية والمجتمعين المحلي والدولي، مساهماً في صياغة الهوية المؤسسية الأولى للدائرة. وبفضل حنكته وتميزه الإداري، تدرج في المناصب ليتولى موقعاً قيادياً رفيعاً مدير مكتب عميد كلية الاقتصاد، حيث أسهم بشكل فعال في إرساء القواعد الإدارية والأكاديمية للكلية في سنواتها الحرجة. وقبل أن يترجل الفارس عن صهوة عطائه الوظيفي، عاد ليقدم حصاد خبرته الطويلة في ذات المكان الذي بدأ منه، مستشاراً وخبيراً في دائرة العلاقات العامة، ليختتم في عام 2005 م مسيرة إدارية ملهمة امتدت لقرابة ثلاثة عقود من البذل والولاء للمؤسسة
الحياة الأسرية والإرث الاجتماعي: بيئة الفضل والنزاهة:
على الصعيد الإنساني والشخصي، حظي الأستاذ طريف بحياة أسرية هانئة سادها الوقار والعلم والالتزام الأخلاقي، حيث ارتبط بشريكة دربه الفاضلة السيدة رسمية عبد الله مفلح الغرايبة، التي كانت له خير سند ومعين في مسيرة العطاء والجهد. وقد توج هذا الرباط المقدس بإنجاب ابنة واحدة هي الأكاديمية الدكتورة آلاء الغرايبة، لتسير على خطى والدها وتكون امتداداً طبيعياً لهذا البيت الذي طالما تنفس طهر المعرفة وحب الوطن
ولم ينعزل الراحل يوماً خلف أسوار وظيفته، بل كان امتداداً حياً لإرث والده الباشا في ميادين العمل الاجتماعي والإصلاحي، فظل بيته مشرع الأبواب لجميع قاصديه، يسعى في قضاء حوائج الناس، ويسهم بحكمته في فض النزاعات وإصلاح ذات البين، داعماً للمبادرات الشبابية والخيرية في إربد، جامعاً في شخصه بين الهيبة الأبوية والحرص الأخوي الدافئ
إن السير الحافلة لرجالات الوطن الكبار لا تنتهي بنقطة في آخر السطر، بل تتحول إلى ينابيع ممتدة تلهم الأجيال معاني التضحية والإخلاص. وحين ترجل الأستاذ طريف محمود الغرايبة عن صهوة الحياة الدنيا وانتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً في الحادي والعشرين من أيار لعام 2025 م، لم يرحل إلا جسداً، تاركاً وراءه إرثاً إدارياً وإنسانياً يطاول عنان السماء، وجامعةً تظل تذكره بوفاء وإجلال كلما لاح فجر تأسيسها. ستبقى سيرته الممتدة من أروقة عمان السكن الداخلي ومدرجات ألمانيا، إلى بوابات الرمثا الحدودية وقاعات جامعة اليرموك، شاهداً حياً على زمن العظماء الذين لم يطلبوا من الدنيا وجاهة، بل صاغوا بأعمارهم وجاهة الأوطان ورفعتها
فرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وحفظ الله عائلته الكريمة الممتدة بالفضل والعلم
تم تحرير وإثراء هذا المقال وهذه القراءة التوثيقية بالاعتماد والرجوع المباشر إلى شقيق الراحل الأصغر الدكتور فيصل محمود الخالد الغرايبة، وإلى ابنة الراحل الدكتورة آلاء طريف الغرايبة.
التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.