يُعد وادي الغفر في محافظة إربد شرياناً جغرافياً ومعلماً أثرياً وهندسياً شامخاً جمع بين العمق التاريخي ، والبطولات الوطنية ، والتحديات البيئية والمرورية المعاصرة .

وادي الغفر في محافظة إربد : شريان جغرافي وشاهد تاريخي عبر العصور

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُمثل وادي الغفر في محافظة إربد نموذجاً استثنائياً للمعالم الطبيعية التي اختزلت في بطنها تاريخاً حافلاً بالتحولات السياسية والعسكرية عبر العصور . فهو ليس مجرد وادٍ فسيح ينحدر من مرتفعات حوران ونواحي إربد نحو الأغوار الشمالية ، بل هو ممرٌ استراتيجيٌ وشريانٌ مكانيٌ تركت على جنباته الأمم والحضارات آثارها وشواهدها ، بدءاً من حصون العهد القديم والسلوقيين ، مروراً بمحطات البريد المملوكي وخفارة القوافل العثمانية ، وصولاً إلى المعارك الوطنية والمعمار الهندسي المعاصر .

​تسمية الوادي وأسماؤه الأخرى :

​تعددت المسميات المقترنة بـ وادي الغفر عبر التاريخ والجغرافيا ، وتتلخص أسباب تسميته وأسماؤه الأخرى وفق الآتي :


​الموقع والجغرافيا :

​يُعد وادي الغفر أحد أبرز المعالم الطبيعية والجغرافية الواقعة إلى الغرب من مدينة إربد . يمثل الوادي حداً طينياً وجغرافياً يفصل بين قصبة إربد وضواحيها الغربية ( مثل : البارحة ، وزبدة ، وحي الطوال ، والتركمان ، والمنارة ... ) والقرى الغربية التابعة للواء الوسطية ( مثل : كفريوبا ) والمزار الشمالي وقرى غرب إربد . ويُعرف الطريق المار في هذه المنطقة بين مدينة إربد وبلدة كفريوبا بكونه محفوفاً بالمخاطر نظراً لكثرة المنحدرات الشديدة والارتفاعات والانحناءات والمنعطفات الحادة . كما يُعتبر هذا الوادي تاريخياً المعبر والجسر الطبيعي الحيوي الذي يربط الهضبة الشمالية بلواء الأغوار الشمالية ، حيث تنحدر منه الطرق والممرات المتجهة نحو الأغوار وسهل بيسان ، فضلاً عن إمكانية رؤيته والإشراف عليه بصرياً من مرتفعات لواء بني كنانة ( وتحديداً من بلدة حاتم ) .

​المكانة التاريخية والعمق الحضاري عبر العصور المختلفة :

​يحمل وادي الغفر ذاكرة تاريخية ناصعة ومحطات حاسمة عبر مختلف العصور والأمم التي سكنته أو عبرته ، وتتلخص أهميته التاريخية والتراثية في المحطات الآتية :


​أبرز المعارك والحوادث البارزة في تاريخ الوادي :

​شهد الوادي أحداثاً ومواقف فاصلة تنوعت بين معارك حربية وطنية ، وحوادث سير وانزلاق ، وسيول جارفة :

​1 ) معركة وادي الغفر ضد أحمد باشا الجزار ( 1776 م ) :

تُعد من أبرز الملاحم الوطنية في تاريخ إربد ، فعندما شن والي عكا ( أحمد باشا الجزار ) غاراته العسكرية على المنطقة لغاية جباية الضرائب الجائرة والإتاوات المجحفة وإخضاع الأهالي بالقوة ، قامت العشائر الأردنية بالدفاع عن المنطقة والتصدي لحملته والغزاة واستبسل أهالي الأردن في الدفاع عن أرضهم في معركة وادي الغفر ، وانتهت المعركة بهزيمة نكراء ودحر جيوش الجزار الغازية عام 1776 م ، مما جعل من هذا الوادي رمزاً للحرية والتصدي للحملات الخارجية .

​2 ) مواجهات الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية ( 1918 م ) :

شكل وادي الغفر مسرحاً لعمليات عسكرية بارزة خلال الحرب العالمية الأولى . ووفقاً لأرشيف النصب الحربي التذكاري الأسترالي ( Australian War Memorial ) ، التقط السرب الأسترالي صورة جوية للوادي من ارتفاع 8000 قدم بتاريخ 16 أيلول 1918 م . وفي 26 أيلول 1918 م ، أثناء تقدم فرقة الخيالة الرابعة البريطانية المتجهة من بيسان إلى دمشق ، هاجمت الحامية العثمانية المدافعة عن مدينة إربد . ورغم دعم القوات البريطانية بخيالة هنود وجنود الوحدة المصرية ، إلا أن قوات الحلفاء وجدت صعوبة كبيرة في اجتياز وادي الغفر باتجاه إربد ، مما عرضها لنيران مكثفة من تحالف القوات العثمانية والألمانية أنزلت هزيمة بالقوات البريطانية في هذا الموقع الحصين .

​3 ) حوادث السير والتدهور المروري :

يُصنف طريق وادي الغفر القديم بين إربد وكفريوبا كأحد الطرق المحفوفة بالمخاطر العالية في محافظة إربد بسبب الانحدارات الشديدة والارتفاعات والمنعطفات الحادة ، حيث تُسجل المنطقة حوادث متكررة لانحراف السير وسقوط المركبات في القاع السحيق للوادي ( مثل حادثة تدهور مركبة غرب إيدون ، وانزلاق الشاحنات على شارع الستين المحاذي للوادي ) ، فضلاً عن حادثة تدهور جرافة ثقيلة أثناء تنفيذ أعمال صيانة وتوسعة للطريق مما أدى لوفاة سائقها الخمسيني .

​4 ) حوادث السيول والارتفاع الاحترازي لمنسوب المياه :

في فصل الشتاء ، تتشكل في قاع الوادي سيول جارفة قادمة من مرتفعات إربد والبارحة ، وقد سجلت كوادر الدفاع المدني عدة حوادث لإنقاذ مواطنين علقت مركباتهم وسط المياه الجارفة ، إلى جانب اتخاذ الحاكم الإداري ( محافظ إربد ) قرارات إغلاق احترازية لطريق الوادي أمام حركة السير في كلا الاتجاهين عند ارتفاع منسوب مياه الأمطار وفيضان الوادي حفاظاً على أرواح المواطنين .

​الآثار والمكتشفات الموجودة فيه :

​يضم وادي الغفر ومحيطه ومشارفه عدداً من الشواهد والمكتشفات الأثرية والتاريخية الهامة :


​الأهمية البيئية والزراعية :

​يمتاز وادي الغفر بتنوعه الحيوي وببيئته الخصبة ، إذ تُحيط به البساتين وأشجار الزيتون والمحاصيل الحقلية ، وتحفه الجبال والأنشطة الزراعية المتنوعة التي اعتمد عليها أهالي القرى المجاورة لسنوات طويلة في ري مزروعاتهم ورعي مواشيهم .

​الأهمية الحضرية والبنية التحتية المعاصرة ( جسر وادي الغفر ) :

​شهد الوادي في العصر الحديث تحولاً هندسياً وحضرياً بارزاً أدى إلى تجاوز صعوبة تضاريسه التاريخية الوعرة عبر مشروعات وزارة الأشغال العامة والإسكان ضمن طريق إربد التنموي ( الدائري ) :


​الواقع الحالي والمشكلات البيئية والصحية :

​على الرغم من الأهمية التاريخية والهندسية للوادي كمدخل حيوي لمدينة إربد يربطها بالعديد من قراها وألويتها ( مثل لواء الوسطية ) ، ورغم مرور الآلاف عبره يومياً ، إلا أنه يواجه أزمات بيئية وصحية ساخنة استدعت تشكيل لجنة متخصصة من قِبل محافظ إربد ( رضوان العتوم ) للوقوف عليها والحد من آثارها ( وفق ما وثقته وكالة الأنباء الأردنية بترا والصحف المحلية كالدستور والغد وصراحة نيوز ورصين ) :

​1 ) أزمة التلوث المائي وتفريغ صهاريج النضح : تفاقم المشكلة البيئية والصحية الناجمة عن قيام بعض صهاريج النضح بتفريغ حمولتها من المياه العادمة بشكل مخالف داخل مناهل وخطوط الصرف الصحي الرئيسية الواقعة في مجرى الوادي ، مما حول أجزاء منه إلى بؤرة للمكاره الصحية والروائح الكريهة .

2 ) إلقاء مخلفات معاصر الزيتون ( مادة الزيبار ) : صب مياه معاصر الزيتون ( الزيبار ) بشكل عشوائي في مجرى الوادي خلال موسم العصر ، مما يهدد خصوبة التربة والنباتات البرية والمياه الجوفية .

3 ) الرمي العشوائي للأنقاض والدواب النافقة : تحول بعض أطراف الوادي إلى موقع لإلقاء أنقاض البناء ومخلفات الإنشآت وحتى الدواب النافقة والنفايات الصلبة ، مما أدى إلى تشويه المظهر الجمالي وإعاقة المجرى الطبيعي للمياه .

4 ) الفيضانات الشتوية وإغلاقات الطرق : تجمع السيول القادمة من مرتفعات إربد والبارحة في بطن الوادي ، مما يستدعي تدخل الحاكم الإداري لإغلاق الطريق أسفل الوادي احترازياً لحماية مرتديه .

5 ) ضعف الاستثمار والتأهيل التراثي : الحاجة الماسة إلى خطة شمولية تنفذها الجهات المعنية للاستفادة من طبيعة الوادي وموقعه وإطلالة الجسر العملاق عبر إنشاء متنزهات وطنية ومحميات طبيعية وتأهيل المواقع الأثرية المجاورة .

​إن وادي الغفر ، بما يحمله من عمق تاريخي ناطق بالبطولات ومعالم هندسية تعكس نهضة الأردن الحديثة ، يُمثل ثروة وطنية وطبيعية تتجاوز قيمتها حدود الجغرافيا المحلية . وإن صون هذا المرفق العريق وحمايته من المخاطر البيئية والتلوث وتأهيله سياحياً وأثرياً ليس مجرد واجب خدمي ، بل هو مسؤولية حضارية تجاه أرضٍ شهدت معارك التحرر وعبرتها حضارات العصور ، لتظل عروس الشمال إربد يفخر أبناؤها بشريانها التاريخي الخالد .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) Cheyne, Thomas Kelly & Black, John Sutherland. ( 1903 ) . Encyclopædia Biblica .
  3. 2 ) Deutsche Orient-Gesellschaft. ( 1904 ) . Mitteilungen der Deutschen Orient-Gesellschaft zu Berlin ( Issues 21-32 ) . Berlin .
  4. 3 ) Australian War Memorial. ( 1918 ) . Wady El Ghafr Aerial Photograph ( Collection Reference : B03473 ) .
  5. 4 ) وكالة الأنباء الأردنية - بترا . ( 2025 م ) . تشكيل لجنة متخصصة للكشف على وادي الغفر بسبب تفريغ صهاريج النضح .
  6. 5 ) جريدة الدستور الأردنية . ( 2025 م ) . تلوث وادي الغفر مشكلة بيئية تراوح مكانها دون حلول .
  7. 6 ) جريدة الغد الأردنية . ( 2020 م ) . افتتاح جسر وادي الغفر في إربد كأعلى جسر في الشرق الأوسط .
  8. 7 ) موقع صراحة نيوز . ( 2025 م ) . محافظ إربد يشكل لجنة للكشف على وادي الغفر .