يُناقش المقال أزمة التعليم الحديثة وتبعيته المعرفية مستعرضاً بدائله التاريخية ونماذجه العربية الممتدة .

من تحرير الوعي إلى أغلال الهيمنة . . . أين ضلّ التعليم طريقـه ؟

​بقلم : التربوي والأكاديمي والباحث الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​في زمنٍ أصبحت فيه الشهادة الجامعية أشبه بـ " تذكرة عبور " لأسواق العمل الاستهلاكية ، يبرز سؤال أكثر دلالة وعمقاً : هل ما زالت المدرسة والجامعة تبنيان إنساناً حرّاً ومفكراً ، أم أنهما تحوّلتا إلى مصانع نمطية لإعادة إنتاج أشكال مدروسة من التبعية والهيمنة المعرفية ؟

​هذا السؤال الجوهري يمثل نواة الأطروحة النقدية التي يطرحها الباحث في علم الاجتماع المعرفي الدكتور رمزي سعودي ( عضو مجلس الإدارة في مجموعة سهلة العالمية للتعليم ومسؤول قسم الإحسان والاتساق ، عبر حواره مع د . عرابي عبد الحي عرابي في قناة " السبيل " وإطلالاته في بودكاست " ظلال " التابع لشبكة " رواسخ " عبر منصة X ويوتيوب ) . وهي أطروحةٌ لا تكتفي بملامسة القشور أو إلقاء اللوم على ضعف المناهج ، بل تغوص عميقاً لتفكيك الفلسفة التي تُدار بها العملية التعليمية في عالمنا العربي والإسلامي .

​المدرسة الحديثة . . . من كسر الأمية إلى هندسة الضبط :

​لم تكن نشأة أنظمة التعليم الحديثة في العالم حدثاً معزولاً عن موازين القوة وبناء الدولة ، فكما يوضح علماء الاجتماع ( أمثال أندي غرين وبيير بورديو ) ، خاضت المدرسة مساراً مزدوجاً : فمن جهة أسهمت في محو الأمية وإعداد الكوادر ، ومن جهة أخرى مارست دوراً غير معلن في ضبط المجتمع وإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي عبر فرض المعايير الثقافية للقوى المهيمنة .

​ومن هنا ، يُحذر د . رمزي سعودي من الوقوع في فخ التسطيح عند تشخيص الأزمة ، فالمشكلة ليست مجرد " نقص في وسائل التكنولوجيا " أو " عجز عن مواكبة سوق العمل " ، بل هي أزمة في النموذج المعرفي الذي حوّل التعليم من أداة لتحرير العقل والروح إلى وسيلة للبث والتنميط .

​جذور الأزمة : المنظومة الإسلامية الأصيلة في مواجهة النموذج الحداثي :

​تتجلى جذور الأزمة عند المقارنة بين المنظومة التعليمية الإسلامية التاريخية والمدرسة الحداثية المهيمنة من حيث المنطلق ، والرؤية ، والأهداف ، والمخرجات :

​1 ) المنظومة الإسلامية التاريخية : كانت منبثقة من رؤية توحيدية تربط التعلم بالغاية الأخلاقية والتزكية وإعمار الأرض . وقد شكّل نظام الوقف الإسلامي ركيزة حرة ومستقلة ضمنت استدامتها وحمايتها من تبعية السلطة والسياسة ، مما جعل التعليم صانعاً للأمة وحضارتها .

2 ) تفكيك المنظومة والنموذج الحداثي : تعرضت المنظومة الأصيلة للتفكيك لصالح نموذج حداثي يختزل الإنسان في البعد المادي والنفعي ، ويهدف إلى إعداد أفراد مطيعين يخدمون الهياكل الاقتصادية والإدارية الحديثة .

​خماسية الهيمنة : كيف تُصاغ العقول ؟ :

​يشرح الباحث كيف تتسلل الهيمنة المعرفية إلى تفاصيل المنظومة التعليمية عبر خمسة مستويات بنيوية :

​1 ) هيمنة الغايات : اختزال التعليم في نفعية ضيقة ( شهادة + وظيفة ) ، مع تهميش الغايات الكبرى المتمثلة في بناء الشخصية ، والمسؤولية الأخلاقية ، والإبداع الحضاري .

2 ) هيمنة المحتوى : استيراد المقررات والمعارف وضخها في المناهج دون تمحيص ، مما يُغرب الطالب عن لغته وتاريخه وهويته الحضارية .

3 ) هيمنة المنهج : تكريس التلقين والحفظ وسلب الفاعلية من المتعلم ، ليكون مستقبِلاً سلبيًا يعجز عن السؤال والنقد .

4 ) هيمنة التقويم : تقزيم نجاح الفرد في اختبارات معيارية وأرقام جامدة لا تقيس وعي الطالب ولا سلوكه .

5 ) هيمنة النموذج المؤسسي : تحويل المؤسسة التعليمية إلى هيكل بيروقراطي صلب يُطبق قالباً واحداً على بيئات ومجتمعات متعددة الثقافات والاحتياجات .

​تقييم التجارب الإصلاحية ومأزق النموذج المهيمن :

​تطرح قراءة قرنين من الصراع المعرفي سؤالاً جوهرياً : هل يمكن بناء تعليم إسلامي أصيل داخل نموذج حداثي مهيمن ؟

تكشف تقييمات التجارب والمدارس الإصلاحية التعثر المتكرر لمحاولات التوفيق الشكلي ، إذ إن أغلب محاولات الإصلاح تتعامل مع " الأعراض " لا مع " المرض " ، فتكتفي بتعديل العناوين أو إضافة مواد جديدة ، بينما تظل فلسفة التلقين وآليات الامتحان وشكل السلطة التعليمية كما هي .

​ومع ذلك ، فإن نقد المنظومة القائمة لا يعني الحكم باستحالة إصلاحها من الداخل ، إذ يمكن الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية :

1 ) المعالجة العاجلة للاختلالات الميدانية .

2 ) التطوير التدريجي للسياسات التعليمية وتأهيل المعلم .

3 ) فتح المجال لتجريب نماذج تربوية مرنة وبديلة على نطاق محدود ومضبوط .

​الأسرة والذكاء الاصطناعي : أدوار جديدة لحفظ الهوية :

​في ظل هيمنة النموذج الحداثي وتطوره التقني ، يتوسع نطاق المواجهة والحلول ليشمل :

1 ) المسؤولية الأوليّة للأسرة : التأكيد على دور الأسرة كحاضنة أولى وأساسية للتربية والتزكية ، لحماية الأبناء من الانجراف وراء التسطيح المعرفي والقيمي .

2 ) الذكاء الاصطناعي وحدوده : استثمار التقنيات الحديثة وأدوات الذكاء الاصطناعي بوعي وضوابط محددة تصون الهوية وتسهم في بناء الإنسان ، دون تسليم أمانة التربية العقلية والأخلاقية للآلة .

​« اقرأ باسم ربك » . . . استعادة الأفق الأخلاقي والتعليم الرباني :

​تفتح الآية الكريمة ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ( العلق : 1 ) أفقاً تربوياً يتجاوز النفعية المادية ، حيث تُربط المعرفة بالغاية الإنسانية والأمانة الأخلاقية .

​تتجلى هذه الفلسفة في منظومة « اقرأ باسم ربك » للتربية والتعليم الرباني ، ومشاريع مساندة مثل « المدرسة في حقيبة » كحزم تربوية مرنة لدعم التعلم الذاتي والبيئات الأقل حظاً . غير أن القيمة الحقيقية لهذه البدائل - كما تؤكد الدراسة النقدية - لا تُقاس بجمال الشعار ، بل بالخضوع للتجريب الميداني والتقويم المستقل والشفافية في إعلان النتائج .

​نحو تجديد واقعي : نماذج عربية ممتدة ( تجارب الأردن ، ومصر ، والخليج العربي ، والمغرب العربي ) :

​عند الانتقال من التنظير إلى الميدان ، تتجسد الحاجة لإصلاح واقعي يتجاوز القوالب المستوردة ويُراعي الخصوصيات الثقافية والوطنية عبر نماذج متعددة في العالم العربي :

​1 ) نموذج المدرسة الأردنية ( تأكيد محوري ) :

يمثل النموذج التربوي الأردني مساراً عريقاً يجمع بين التأسيس الأكاديمي المتين والهوية العربية والإسلامية الجامعة . وإن تجديد المنظومة التعليمية في الأردن يتطلب البناء على المكتسبات التاريخية عبر :

أ ) الارتقاء بمكانة المعلم الأردني : باعتباره حجر الزاوية ورائد النهضة الفكرية ، وإعادة الفاعلية والحرية البيداغوجية له في الغرفة الصفية .

ب ) تطوير مناهج تاريخ وحضارة الأمة : ربط المناهج التعليمية بالتاريخ الوطني والحضاري الشامل ، وتكريس آليات التفكير النقدي لدى الطلبة لمواجهة التسطيح المعرفي .

ج ) الجمع بين الأصالة والتحديث الرقمي : توظيف التكنولوجيا ومشاريع التطوير التربوي دون مساس بالمرجعية الأخلاقية والقيمية الأصيلة للمجتمع .

​2 ) نموذج المدرسة المصرية ( تجربة تاريخية وحاضر متجدد ) :

تُعد التجربة المصرية نموذجاً مركزياً في تاريخ التعليم العربي والإسلامي الحديث ، إذ شهدت الصدام الأول والمبكر بين التعليم الأصيل والنموذج الوافد ، ويتطلب إصلاحها النهوض بالمرتكزات التالية :

أ ) استعادة الدور الحضاري للأزهر الشريف : إعادة تفعيل القوة المعرفية والأخلاقية للتعليم الأزهري التاريخي كمنظومة تجمع بين العلوم الشرعية والعقلية لرفد المجتمع بالنخب الواعية .

ب ) تفكيك الثنائية التعليمية : علاج الازدواجية التاريخية بين التعليم العام والتعليم الأزهري والتعليم الخاص ، وبناء أرضية معرفية مشتركة تحفظ الهوية الوطنية واللغوية .

ج ) تطوير التعليم العام والجامعي : تجاوز مركزية الامتحانات التقليدية ( كالثانوية العامة ) نحو تقييم مهارات الابتكار والتحليل ، وتأهيل المعلم المصري ليكون قائداً للعملية التربوية .

​3 ) نموذج المدرسة المغاربية ( الجزائر والمغرب وتونس ) :

يتجلى في السياق المغاربي ( كما هو الحال في ضوابط القانون التوجيهي للتربية الوطنية 08-04 الصادر عام 2008 م في الجزائر ، وتجارب التجديد في المغرب ) عبر مرتكزات عمليّة :

أ ) إعادة صياغة الغايات : لتخريج متعلم يجمع بين الكفاءة العلمية والاستقلال الفكري وحماية الهوية اللغوية والثقافية .

ب ) التمكين الأساسي : التركيز المبكر على القراءة الحرة ، والتعبير ، والتفكير الرياضي والتحليلي .

ج ) التوازن البيداغوجي : دمج الشرح النظري بالتطبيق والبحث الميداني والتأهيل المهني .

​4 ) نموذج المدرسة في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي :

يشهد هذا النموذج تحولات جذرية في إطار الرؤى التنموية الوطنية والتحول الرقمي الشامل ، ويكتسب تجديده أهمية خاصة من خلال :

أ ) الموازنة بين متطلبات الاقتصاد المعرفي والهوية : توجيه التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لبناء مهارات المستقبل والابتكار ، مع الحفاظ على المرجعية القيمية والثقافية .

ب ) بيئات التعلم الذكية : استثمار التجهيزات الحديثة لتصبح أدوات تفاعلية تنمي البحث المستقل بدلاً من تحويلها لمجرد وسائل عرض للتلقين .

​خاتمة ونشائح عملية للمربين والمعلمين وأولياء الأمور :

​إن أزمة التعليم ليست عجزاً في الإمكانيات بقدر ما هي أزمة رؤية وغايات . وإن تجاوز هذه الأزمة لا يكون بالانغلاق على الذات خوفاً على الهوية ، ولا بالذوبان والتبعية المطلقة للنموذج الوافد .

​وتتلخص الوصايا العملية للمربين ، والمعلمين ، وأولياء الأمور في :

1 ) الغرس القيمي والأخلاقي واستعادة الفاعلية التربوية للأسرة .

2 ) التمييز بين الحقائق العلمية النافعة والأيديولوجيات الضارة .

3 ) الانتقال بالمتعلم من الحفظ والتلقين إلى التدبر والتفكير النقدي المستقل .

​إننا بحاجة اليوم إلى مدرسة تبني إنساناً متجذراً في قيمِهِ ، منفتحاً على المعرفة الإنسانية ، قادراً على التفكير والإبداع ، ومسؤولاً عن توظيف علمه في نهضة مجتمعه وأمته .

​ملاحظة للقارئ الكريم : لمن يريد الاستفادة ومشاهدة الطرح العميق والمفصل الذي قدمه الدكتور رمزي سعودي حول هذا الموضوع في الحلقة الكاملة ضمن بودكاست " ظلال " عبر شبكة " رواسخ " ، يمكنك فتح الرابط التالي ومشاهدة الحلقة :

رابط الحلقة الكاملة على يوتيوب

​قائمة المصادر والمراجع :

​1 ) القرآن الكريم . سورة العلق ، الآيات 1–5 .

2 ) غرين ، أندي . التعليم وتشكّل الدولة : نشأة أنظمة التعليم في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية . لندن : منشورات ماكميلان ، 1990 م .

3 ) بورديو ، بيير ، وباسرون ، جان كلود . إعادة الإنتاج في التربية والمجتمع والثقافة . الطبعة الثانية . لندن : منشورات سيج ، 1990 م .

4 ) فريري ، باولو . تعليم المقهورين . نيويورك : منشورات كونتينيوم ، 2000 م .

5 ) ديوي ، جون . الديمقراطية والتربية : مدخل إلى فلسفة التربية . نيويورك : منشورات ماكميلان ، 1916 م .

6 ) الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية . القانون رقم 08-04 المؤرخ في 23 يناير 2008 م ، المتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية . الجريدة الرسمية ، العدد 4 ، 2008 م .

7 ) سعودي ، رمزي . « أزمة التعليم : كيف تحوّل التعليم إلى أداة للهيمنة ؟ » . بودكاست ( ظلال ) ، شبكة ( رواسخ ) عبر منصات التواصل الاجتماعي ( X ويوتيوب ) ، 2026 م .

8 ) سعودي ، رمزي . « عندما كان التعليم يصنع الأمة . . . كيف نصلح المنظومة تحت هيمنة الحداثة ؟ » . حوار أجراه د . عرابي عبد الحي عرابي ، قناة ( السبيل ) ، 2026 م .

قائمة المصادر والمراجع

  1. ​قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) القرآن الكريم . سورة العلق ، الآيات 1–5 .
  3. 2  ) غرين ، أندي . التعليم وتشكّل الدولة : نشأة أنظمة التعليم في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية . لندن : منشورات ماكميلان ، 1990 م .
  4. 3  ) بورديو ، بيير ، وباسرون ، جان كلود . إعادة الإنتاج في التربية والمجتمع والثقافة . الطبعة الثانية . لندن : منشورات سيج ، 1990 م .
  5. 4  ) فريري ، باولو . تعليم المقهورين . نيويورك : منشورات كونتينيوم ، 2000 م .
  6. 5  ) ديوي ، جون . الديمقراطية والتربية : مدخل إلى فلسفة التربية . نيويورك : منشورات ماكميلان ، 1916 م .
  7. 6  ) الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية . القانون رقم 08-04 المؤرخ في 23 يناير 2008 م ، المتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية . الجريدة الرسمية ، العدد 4 ، 2008 م .
  8. 7  ) سعودي ، رمزي . « أزمة التعليم : كيف تحوّل التعليم إلى أداة للهيمنة ؟ » . بودكاست ( ظلال ) ، شبكة ( رواسخ ) عبر منصات التواصل الاجتماعي ( X ويوتيوب ) ، 2026 م .
  9. 8  ) سعودي ، رمزي . « عندما كان التعليم يصنع الأمة . . . كيف نصلح المنظومة تحت هيمنة الحداثة ؟ » . حوار أجراه د . عرابي عبد الحي عرابي ، قناة ( السبيل ) ، 2026 م .