يستعرض هذا المقال ، بلاغاً رسمياً تاريخياً من عهد إمارة شرق الأردن عام 1942 م يتعلق بضبط المظهر العام و منع كشف الرأس للموظفين ، مع إسقاط ذلك على واقع النقاشات المعاصرة حول اللباس .
هيبة الدولة والتقاليد المجتمعية : قراءة في بلاغ رئاسي أردني من عهد الإمارة
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعد الوثائق الرسمية التاريخية مرايا حية تعكس روح العصر وخصوصية المرحلة التي صدرت فيها ، ومن أبرز هذه الشواهد الوثائقية ، البلاغ الرسمي الصادر عن رئاسة الوزراء في إمارة شرق الأردن عام 1942 م ، والذي يسلط الضوء بوضوح على عمق الاهتمام المؤسسي والسيادي بضبط المظهر العام وحماية الهوية السلوكية للموظف بوصفه واجهة رسمية للدولة .
وقد صدر هذا البلاغ في عهد إحدى أبرز الشخصيات السياسية والتاريخية في تاريخ الدولة الأردنية الحديث ؛ وهو الرئيس توفيق أبو الهدى التاجي الفاروقي ، الذي ولد في مدينة عكا عام 1894 م لأسرة معروفة أصولها من مدينة الرملة في فلسطين ، وتولى منصب رئاسة الوزراء اثنتي عشرة مرة في عهد ملوك ثلاثة هم : الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين ، والملك طلال بن عبد الله ، والملك الحسين بن طلال .
نص البلاغ التاريخي
وثقت الأوراق الرسمية الصادرة في ذلك العام تفاصيل البلاغ الذي حمل الرقم ( 32 ) لسنة 1942 م بالنص الآتي :
إمارة شرق الأردن
رئاسة الوزراء
بلاغ رسمي صادر عن رئاسة الوزراء
رقم : ٣٢ لسنة ١٩٤٢ | الموضوع : التقيد بالزي والمظهر العام
" لوحظ في الآونة الأخيرة أن بعض الموظفين قد جنح إلى السير في الشوارع العامة مكشوفي الرأس ، وأن هذا البعض يميل ميلاً واضحاً إلى الخروج على التقاليد .
لذلك رأيت أن تنبهوا سائر موظفي الدوائر التابعة لاختصاصكم إلى لزوم التقيد بقواعد الحشمة ومقتضيات الوقار من حيث الزي والمظهر .
وليكن معلوماً لدى الجميع ، بأن هذا الأمر يوجه إليه حضرة صاحب السمو الملكي أمير البلاد أيده الله ، أقصى عنايته وأشد اهتمامـه . "
عمان في : ٦ آب ١٩٤٢ م
رئاسة الوزراء
( رئيس الوزراء : توفيق أبو الهدى )
طبيعة وأشكال غطاء الرأس السائد في ذلك العصر
تُثير إشكالية " كشف الرأس " الواردة في البلاغ تساؤلاً تاريخياً مهماً حول طبيعة اللباس الرسمي المعتمد لموظفي الدولة في ذلك الحين ، وما إذا كان غطاء الرأس السائد هو الشماغ الأحمر والعقال ، أم الطربوش ، أم الشورة البيضاء ، أم العمامة . في واقع الأمر ، وخلال فترة تأسيس إمارة شرق الأردن وحتى منتصف القرن العشرين ، كان المشهد الهندامي لموظفي الدولة ودوائر الحكومة يجمع بين عدة أنواع أساسية من أغطية الرأس بحسب الخلفية الثقافية للموظف ، وطبيعة المؤسسة التي يعمل فيها ، والبيئة الاجتماعية التي ينحدر منها :
1 ) الطربوش : كان هو الرمز الأبرز للزي الرسمي الإداري والمدني في الدوائر الحكومية والمؤسسات الكبرى ( كالقضاء ، والتعليم ، ورئاسة الوزراء ، والإدارات المركزية ) . وقد ورث هذا التقليد عن العهد العثماني وبقي مَعلماً أساسياً للباس الموظف المكتبي ورجال الدولة والطبقة المثقفة حتى خمسينيات القرن الماضي . وكان السير دونه في الشوارع العامة يُعتبر تخلياً عن زي الهيئة الرسمية وخرقاً للوقار المكتبي .
2 ) الشماغ الأحمر والعقال : كان يمثل الزي العربي التقليدي الأصيل والملازم لقطاع واسع من أبناء العشائر والموظفين في مختلف مناطق الإمارة ، فضلاً عن اعتماده الأساسي كجزء من اللباس العسكري والشرطي ( قوة الحدود والجيش العربي ) .
3 ) الشورة البيضاء ( الحطة البيضاء ) : وهي ما يُعرف أحياناً بـ ( الشورة البيضاء ) أو الغترة البيضاء القطنية الخفيفة التي يلبسها أهالي المدن والأرياف في بلاد الشام ، وغالباً ما كانت تُربط بطرق معينة أو تُلبس مع العقال ، وتُعد جزءاً مألوفاً من المظهر اليومي للمجتمع المحلي .
4 ) العمامة : وتُعد من أبرز أغطية الرأس التقليدية والرفيعة ، وهي عبارة عن لفة قماش تُوضع بشكل دائري ومنظم على الرأس ( أو فوق الطربوش أحياناً ) ، وكانت مميزة للشخصيات الدينية ، والقضاة الشرعيون ، والعلماء ، وبعض وجهاء المجتمع والأعيان في ذلك الوقت ، حيث كانت تضفي هيبة ومكانة اجتماعية وروحية خاصة على مرتديها .
لذلك ، فإن عبارة " مكشوفي الرأس " التي وردت في البلاغ الرسمي لم تكن تعني التخلي عن نوع محدد بذاته فحسب ، بل كانت تشمل خلع أي من هذه الأغطية التقليدية المتعارف عليها عموماً في ذلك الزمن - سواء كان طربوشاً للموظف الإداري ، أو شماغاً أحمر وعقالاً ، أو شورة بيضاء ، أو عمامة - والسير في الشوارع والأماكن العامة حاسر الرأس كلياً .
دلالات وأسباب اعتبار " كشف الرأس " عيباً في ذلك الوقت
تُثير قضية اعتبار " كشف الرأس " عيباً ومخالفة للتقاليد في المجتمع الأردني خلال حقبة الأربعينيات تساؤلاً عميقاً حول الأسباب الكامنة خلف هذا الموقف الصارم الذي دفع رئاسة الوزراء في إمارة شرق الأردن إلى إصدار بلاغ رسمي يمنعه بحق الموظفين . ويعود هذا الاعتبار إلى منظومة متكاملة من الأسباب الاجتماعية ، والثقافية ، والسيادية التي تمثلها أغطية الرأس في ذلك العصر :
1 ) الرمزية الأخلاقية والوقار المجتمعي : كان غطاء الرأس ( سواء كان طربوشاً ، أو شماغاً أحمر وعقالاً ، أو شورة بيضاء ، أو عمامة ) يُعد جزءاً لا يتجزأ من هيبة الرجل ووقاره الكامل أمام المجتمع . وكان السير حاسر الرأس في الأماكن العامة يُنظر إليه باعتباره تخلياً عن الحشمة والوقار الشخصي ، وخدشاً للآداب العامة والأعراف السائدة التي تربى عليها المجتمع المحافظ .
2 ) الهوية والانتماء الثقافي : ارتبطت أغطية الرأس ارتباطاً وثيقاً بالهوية العربية والمحلية والطبقية ؛ فالطربوش كان يمثل هيبة الموظف المكتبي ورجال الدولة والطبقة المثقفة ، بينما كان الشماغ الأحمر والعقال يمثل أصالة البادية والريف والمجتمع العشائري ، وكانت الشورة البيضاء والعمامة تعكسان حضور المدن والعلماء وشيوخ الدين . لذا ، اعتبر التخلي عنها كلياً والخروج مكشوف الرأس تمرداً على هذه الهوية والتقاليد المتارثة .
3 ) مكانة الموظف العام كواجهة للدولة : لم يكن الموظف الحكومي يُنظر إليه كفرد عادٍ ، بل كان يُعتبر ممثلاً لهيبة الدولة ومؤسساتها الرسمية في الشارع والدوائر . لذلك ، رأت الحكومة في تهاون بعض الموظفين بمظهرهم العام وسيرهم مكشوفي الرأس مساساً بهيبة الوظيفة الرسمية ، وهو ما استدعى اهتماماً قيادياً مباشراً من أمير البلاد لضبط السلوك العام وإلزام الجميع بقواعد الوقار والهندام .
قراءة تحليلية في دلالات النص
يكشف هذا البلاغ الصادر في حقبة التأسيس عن عدة أبعاد جوهرية :
1 ) الالتزام بالتقاليد : تعاملت الإدارة في ذلك الحين مع تفاصيل الهندام البسيطة - مثل السير دون غطاء للرأس كالشماغ الأحمر أو الطربوش أو العمامة أو غيرها - باعتبارها خروجاً ملحوظاً عن التقاليد المجتمعية السائدة ومخالفة لمقتضيات الوقار الوظيفي .
2 ) السيادة والاهتمام القيادي : أبرز ختام النص حرص القيادة العليا ( أمير البلاد المؤسس الملك عبد الله الأول بن الحسين ) شخصياً على متابعة تفاصيل السلوك العام والانضباط المعنوي والمظهر للموظفين ، مما أضفى طابعاً سيادياً رفيعاً على الالتزام بالقواعد الأخلاقية والمجتمعية داخل مؤسسات الدولة .
بين الأمس واليوم : تطور مفاهيم المظهر العام وسياسات الدولة
عند إسقاط هذه الوثيقة التاريخية على واقعنا المعاصر ، نجد أن مفهوم ( الزي والمظهر العام ) قد شهد تحولات جذرية تفصل بين جيل الأربعينيات والقرن الحادي والعشرين . فبينما كان كشف الرأس في الماضي يُخلف حساسية مجتمعية ويُعد خرقاً للأعراف المحافظة ، بات اليوم ممارسة يومية اعتيادية في الشارع الأردني دون أي قيود أو حساسيات .
وفي المقابل ، تتجدد نقاشات المظهر العام والذوق العام في الوقت الحالي بشكل لافت ؛ إذ يشهد الشارع الأردني والمجتمع حالة من النقاش والاحتجاج المجتمعي والرفض الواسع إزاء التوجهات أو القرارات الحكومية المحتملة لمنع ارتداء " الشورت " ( السروال القصير ) للرجال في الساحات والأماكن العامة والدوائر الرسمية . هذا الجدل المعاصر يعيد إلى الأذهان جذور العلاقة التاريخية بين السلطة والمجتمع في ضبط الهندام ؛ فبينما كان الهاجس الحكومي في أربعينيات القرن الماضي منصباً على محاربة " كشف الرأس " باعتباره خروجاً عن الوقار ، تنتقل المعايير اليوم نحو ضبط أشكال اللباس الصيفي غير المألوفة في المرافق العامة والدوائر الرسمية ، مما يعكس استمرار السعي المؤسسي والمجتمعي عبر مختلف العصور لحفظ هيبة الأماكن العامة والتقاليد المرعية ، مع فارق كبير في طبيعة الأعراف والتحولات المجتمعية بين الأمس واليوم .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) وثيقة بلاغ رسمي صادر عن رئاسة الوزراء في إمارة شرق الأردن رقم ( 32 ) لسنة 1942 م .
- 2 ) مقالات ودراسات تاريخية حول مسيرة وتاريخ الإدارة ورؤساء الوزراء في الأردن ( توفيق أبو الهدى التاجي الفاروقي ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.