يستعرض هذا المقال دلالات الإعجاز النبوي في وصف البحر وأحكامه الدقيقة رغم عدم مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم له طوال حياته .
نبي لم يدرك بصرُه لجج البحار ... فأحاط بها وحياً وبياناً
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تطالعنا كتب السيرة العطرة وكتب التاريخ بمسائل دقيقة تتعلق بالتفاصيل الحياتية والبيئية لحياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولعل من أبرز تلك التساؤلات التي تثير التأمل والدهشة : هل شاهد النبي صلى الله عليه وسلم البحر طوال حياته ؟ وكيف استوطن البحر في أحاديثه النبوية الشريفة وأمثاله البليغة وهو الذي نشأ في قلب الصحراء ولم يغادر شبه الجزيرة العربية نحو السواحل المفتوحة ؟ وكيف جرى هذا الوصف الدقيق لخصائص البحار وأهوالها دون معاينة بالعين المجردة ؟
بالاستقراء الدقيق لحركة أسفاره عليه الصلاة والسلام داخل جزيرة العرب ، نجد أنه عاش وترعرع بين مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وانطلقت غزواته نحو حواضن البادية والمناطق الداخلية والشمالية كبدر وتبوك وخيبر والطائف . ولم تثبت رواية تاريخية معتمدة ، وفق ما أكده المحققون وأهل السيرة ، أي توجه له صلى الله عليه وسلم نحو السواحل المجاورة ليرى البحر عياناً أو يركبه . وحتى في رحلاته التجارية المبكرة نحو الشام صبياً مع عمه أبي طالب ، سلكت القوافل الطرق البرية التقليدية الموازية للبحر والمعروفة بطرق التجارة والأنفاس القديمة ، بعيداً عن الشواطئ المفتوحة .
وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه الرؤية قد تمت عبر بوابات الغيب أثناء رحلة الإسراء والمعراج ، حين عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى وسدرة المنتهى . غير أن تتبع تفاصيل تلك الرحلة المعجزة في المصادر المعتمدة يوضح أنها جرت في عوالم الملكوت الأعلى والسموات العلى ، ولم تنقل لنا النصوص شرعاً ولا تاريخاً رؤيته لأرض أو بحار دنيوية بعينها أثناء ذلك العروج السماوي .
إذا استقر اليقين على أنه لم يشاهد البحر بصره ، فمن أين أتى هذا الحضور العميق في خطابه ؟ يتكشف الجواب من زاويتين متكاملتين :
1 ) الفيض الإلهي والعلم اللدني ، وهو المصدر الأعظم ؛ فالله سبحانه وتعالى ، خالق البحار والأنهار والمحيطات ، أطلع نبيه بالوحي على حقائق الكون ومخلوقاته ، فأنزل عليه من العلم اليقيني ما وصف به البحر وصف من يراه رأي العين ، ومصداق ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى : { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج } .
2 ) التواصل البيئي وقصص الأسفار ؛ فلم يكن المجتمع النبوي معزولاً عن البحار تماماً ، فقد كانت السواحل معروفة لدى العرب ، وكان الصحابة والمسرّفون يرتادونها في رحلاتهم التجارية وهجراتهم كالهجرة إلى الحبشة ، فضلًا عن تسيير السرايا نحو السواحل واستقبال أخبارها وما يجيء به التجار والمجاهدون .
وعلى الرغم من كونه لم يره ، فقد غدا " البحر " في السنة النبوية الشريفة وعاءً تشريعياً وقصصياً غنياً ، تجلت فيه الأحكام الفقهية والآداب المرتبطة به على النحو الآتي :
إن هذه الثنائية العجيبة تتجلى بوضوح بين نبي أُمي لم يخطُ خطوة نحو شاطئ بحر طوال عمره وبين خطاب نبوي يفيض بآيات البحر وأسراره وأحکامها ، لتظل شاهداً ساطعاً ودليلاً عميقاً على صدق نبوته ، وتؤكد أن ما نطق به لم يكن وليد التجربة البصرية المباشرة ، بل كان فيضاً من مشكاة الوحي الإلهي الذي أحاط بكل شيء علماً ، فارتسمت عوالم الكون في بصيرته أسطع من عيان الأبصار .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) صحيح الإمام البخاري .
- 2 ) صحيح الإمام مسلم .
- 3 ) سنن أبي داود ، للإمام أبي داود السجستاني .
- 4 ) سنن الإمام الترمذي .
- 5 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل .
- 6 ) الفتاوى الشرعية وموسوعة الشروح الحديثية لموقع الإسلام ويب .
- 7 ) بحوث ومقالات في السيرة النبوية ودلائل النبوة ، موقع شبكة الألوكة .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.