تعد مجلة " العربي " الكويتية ظاهرة ثقافية استثنائية ، وشكّلت عبر عقودها الممتدة منبعاً معرفياً كاملاً وجسراً فكرياً جامعاً للأمة العربية ، صامدةً بوجه التحديات السياسية والتكنولوجية لتبقى رمزاً خالداً للوعي والأصالة .
نافذة على الوعي العربي : مجلة العربي الكويتية وذاكرة الأجيال
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تعد مجلة " العربي " الكويتية ظاهرة ثقافية استثنائية وعلامة فارقة في تاريخ الصحافة العربية والمشهد الفكري منذ انطلقت المجلة حاملة شعار " هدية الكويت لكل العرب " و " اعرف وطنك أيها العربي " في شهر كانون الأول من عام 1958 م ، لتبحر في وجدان القارئ العربي وتغدو منصة جامعة للفكر والأدب والمعرفة وجسراً فكرياً وثقافياً يربط بين أبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج . ولم تكن المجلة مجرد مطبوعة دورية عادية ، بل كانت تمثل في عصور الستينيات والسبعينيات والثمانينيات " جوجل الورقي " أو " جوجل ذلك الزمن الجميل " ، إذ كانت بمثابة ميدان واسع من الثقافة ومنبعاً ثرياً نستقي منه مختلف العلوم والآداب ، وكان لها الدور الأكبر في إثراء معلوماتنا ، وصقل شخصياتنا ، وتحسين لغتنا وتعبيرنا ، حتى وُصفت بحق بأنها محرّك البحث الأول لجيل كامل من القراء والباحثين .
وبدأت فكرة المجلة عام 1957 م كمبادرة بين عدد من الشخصيات الثقافية وقيادات العمل الإعلامي في الكويت ، حيث تبنى الفكرة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح الذي كان مديراً لدائرة المطبوعات والنشر آنذاك ، وعرضها على أمير الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح الذي وافق عليها فوراً ودعمها لتكون مجلة ثقافية جامعة مدعومة بالكامل من الدولة وغير ربحية . وتشكلت لجنة تنفيذية خاصة لقيت جهداً تأسيسياً بارزاً قاده بدر خالد البدر ( مدير دائرة المطبوعات الذي أنشأ المطبعة الحكومية ) والشاعر والأديب الكبير أحمد السقاف الذي وضع اللبنات والأركان الأساسية للتأسيس وسن قواعد اختيار الكتاب واستقطاب القامات الأدبية والفكرية ، إلى جانب الاستعانة بالصحافي اللبناني سليم اللوزي كمستشار إعلامي لتخطيط انطلاقتها . واختير العالم والمفكر المصري الدكتور أحمد زكي ليكون أول رئيس تحرير لها ، حيث نجح بعلاقاته الواسعة في رسم التوجه العلمي والأدبي الرصين للمجلة .
ولقد تعاقب على إدارة تحرير هذه المجلة العريقة قمم الفكر الصحفي والثقافي الذين وضعوا أسس ريادتها واستمراريتها عبر رؤساء التحرير الآتية أسماؤهم :
1 ) الدكتور أحمد زكي ( 1958 - 1975 م ) : هو عالم كيميائي ومفكر مصري بارز ، يُلقب بـ " شيخ العروبة " ، وُلد عام 1894 م وتوفي عام 1975 م ، وتولى رئاسة تحرير المجلة منذ تأسيسها عام 1958 م وحتى وفاته ، حيث استطاع بخبرته الواسعة وعلاقاته العميقة مع كبار المفكرين والعلماء أن يرسي القواعد العلمية والأدبية الرصينة التي قامت عليها المجلة في عصورها الذهبية الأولى .
2 ) أحمد بهاء الدين ( 1976 - 1982 م ) : هو كاتب وصحفي مصري استثنائي من رُوّاد الفكر والصحافة العربية ، وُلد عام 1927 م وتوفي عام 1996 م ، شغل منصب رئيس تحرير مجلة " العربي " في الفترة بين 1976 و 1982 م ، وأضفى على المجلة طابعاً مميزاً يجمع بين التحليل السياسي الرصين والتناول العميق لقضايا الفجوة الفكرية والثقافية في العالم العربي مع توسع ملحوظ في الاستطلاعات العالمية .
3 ) الدكتور محمد غانم الرميحي ( 1982 - 1999 م ) : هو أكاديمي ومفكر وباحث كويتي بارز في علم الاجتماع السياسي ، وُلد عام 1942 م ، وتولى رئاسة تحرير المجلة ليكون أول رئيس تحرير كويتي لها في الفترة بين 1982 و 1999 م ، فعاصر من خلال مسيرته الطويلة أحداثاً عربية وعالمية مفصلية كبرى ، وحافظ بحنكة على استقلالية المجلة ومضمونها الفكري الرصين وسط العواصف السياسية العاتية .
4 ) الدكتور سليمان إبراهيم العسكري ( 1999 - 2013 م ) : هو كاتب وباحث ومثقف كويتي مرموق ، وُلد عام 1950 م ، وتولى إدارة تحرير المجلة في الفترة بين 1999 و 2013 م ، حيث شهدت المجلة في عهده طفرات تطويرية هائلة شملت تحديث الإخراج الفني وإطلاق السلاسل المعرفية المتخصصة وتنظيم الندوات الفكرية السنوية التي جمعت أقطاب الفكر والثقافة من مختلف أنحاء العالم العربي .
5 ) الدكتور عادل سالم العبدالجادر ( 2013 - 2018 م ) : هو أكاديمي وباحث كويتي قدير ، تولى رئاسة تحرير المجلة في الفترة بين 2013 و 2018 م ، وعمل على قيادة الدورية في مرحلة دقيقة اتسمت بالتسارع التكنولوجي ، معززاً الحضور الرقمي للمجلة ومتاحيتها عبر شبكة الإنترنت والتطبيقات الإلكترونية لضمان وصولها إلى الأجيال الجديدة .
6 ) الأستاذ إبراهيم المليفي ( 2018 م - حتى الآن ) : هو كاتب وصحفي وباحث تاريخي كويتي متخصص ، تولى مهام رئاسة التحرير منذ عام 2018 م وحتى الآن ، وكرّس جهوده لمواجهة التحديات الكبرى المرتبطة بانحسار الصحافة الورقية وصعوبات التوزيع والتغيرات الرقمية المتسارعة ، مواصلاً السعي للحفاظ على إرث المجلة وهويتها الثقافية الأصيلة .
وتميزت " العربي " بخلطتها الفريدة التي توازن بين الأدب ، العلوم ، الفنون ، والتاريخ بأسلوب مبسط ومصور ، وتنوعت أبوابها الثابتة لتشمل :
فكر وحيثيات : يتصدره مقال " حديث الشهر " الذي يكتبه رئيس التحرير لمناقشة أبرز القضايا الفكرية والقومية المعاصرة ، إلى جانب " ملف العدد " الذي يغطي موضوعاً محددًا بزيارات وعيون متعددة .
استطلاعات العربي المصورة : كانت من أشهر أبواب المجلة وأكثرها إثارة ، حيث جاب صحفيوها ومصوروها شتى القرى والمدن والعواصم العربية والعالمية لتعريف القراء بالشعوب والتراث بأسلوب تشويقي فريد .
أقلام الأعلام والأدب : احتضنت صفحاتها كتابات وإبداعات كبار الأدباء والمفكرين العرب مثل طه حسين ، عباس محمود العقاد ، نجيب محفوظ ، إحسان عباس ، يوسف إدريس ، جابر عصفور ، صلاح عبد الصبور ، فاروق شوشة ، ونزار قباني ( الذي نشر فيها قصيدته الشهيرة " كلمات " لأول مرة عام 1960 م ) ، وتضمن القسم أبواباً راقية مثل " شاعر العدد " ، " أوراق أدبية " ، وشراكة " قصص على الهواء " مع BBC العربية .
الفنون والتراث والجمال : باب " لوحة العدد " واستعراض الأعمال الفنية التشكيلية والمعالم التراثية البارزة .
الملفات العلمية والمستقبليات : تبسيط العلوم من خلال باب " بيننا العلم " ، ومناقشة الدراسات المستقبلية عبر باب " مستقبليات " ، والتفاعل اللغوي والتكنولوجي عبر " اللغة حياة " و " الثقافة الإلكترونية " .
ملحق البيت العربي : ملحق مخصص لمعالجة قضايا الأسرة والمجتمع أُضيف لتعزيز الرابط الاجتماعي .
ولقد ظهرت مجلة " العربي " في حقبة ذهبية شهدت ظهور وتألق عدد من المجلات الثقافية والفكرية العربية التي تقاطعت معها في الاهتمامات وشاركتها في حمل رسالة التنوير والمعرفة من المحيط إلى الخليج ، ومن أبرز تلك المجلات المعاصرة لتأسيسها مجلة " الهلال " المصرية العريقة التي مثلت منصة أدبية وتاريخية بارزة ، ومجلة " الآداب " اللبنانية التي شكلت ركيزة للفكر القومي والأدب الملتزم ، ومجلة " الرسالة " التي أسست لمدرسة نقدية وفكرية رفيعة ، فضلاً عن المجلات الدورية التي كانت تُعنى بالفكر والثقافة وتتنافس شريفاً في إثراء وجدان القارئ العربي .
شهدت مجلة " العربي " عبر تاريخها الممتد مساراً تحولياً لافتاً يعكس تطور الصحافة الفكرية ؛ فقد كانت في بداياتها مطبوعة ورقياً تقليدية ركائزها الطباعة النمطية والتوزيع الجغرافي المحدود والتركيز على المقال الأدبي والتحقيق الجغرافي المصور عبر عدسات الكاميرا الكلاسيكية ، حيث كانت تعتمد في إعداد استطلاعاتها على الرحلات الميدانية الشاقة وتوثيق المعالم بالصور الفوتوغرافية المطبوعة يدوياً . ومع مرور العقود وتغير متطلبات العصر ، طرأت على المجلة تحولات جذرية على صعيد الشكل والمضمون والوسائط ؛ إذ انتقلت من مجرد مجلة يتيمة إلى شجرة ثقافية متكاملة أثمرت سلاسل متخصصة كـ " العربي الصغير " للناشئة ، و " كتاب العربي " الفصلي ، و " العربي العلمي " ، إضافة إلى تطوير الهوية البصرية ونوعية الورق والطباعة الفاخرة . أما في العصر الحديث ومع زحف الرقمية ، فقد تحولت المجلة من نطاق المطبوع الورقي المحض إلى منصات النشر الرقمي المتكاملة والموقع الرسمي التفاعلي عبر الإنترنت تحت مظلة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، والذي يتيح للقراء تصفح الأعداد إلكترونياً ومتابعة الإصدارات والمقالات ، فضلاً عن أرشفة أعدادها التاريخية لتمكين الأجيال الجديدة من الوصول إلى كنوزها بضغطة زر ، والتحول نحو عقد الندوات الفكرية السنوية والشراكات الإعلامية العابرة للحدود ، لتصبح مؤسسة ثقافية جامعة تجمع بين أصالة العرق الورقي وحداثة الفضاء الرقمي .
لم تكتفِ المجلة بإصدارها الشهري الذي بلغ انتشاراً واسعاً ووصلت أعداده المطبوعة إلى نحو 250 ألف نسخة وصولاً إلى 320 ألف نسخة في ذروة انتشارها ، بل تفرعت منها سلاسل ثقافية ومقرات أقاليمية في القاهرة وبيروت ودمشق والرياض :
مجلة العربي الصغير : صُنعت خصيصاً للأطفال والناشئة لتعزيز اللغة العربية والهوية لديهم بأسلوب قصصي وفني جذاب .
كتاب العربي : كتاب دوري فصلي يجمع مقالات ودراسات معمقة في موضوع معين .
العربي العلمي : ملحق ورقي خاص يركز على الطفرات التكنولوجية العلمية والوعي المعرفي .
وفي ذكريات الطفولة والصبا في ثمانينات القرن العشرين ومرحلة نهايات السبعينات ، كانت مجلة " العربي " تصدر شهرياً بثمن زهيد لا يتجاوز ربع دينار أردني تقريباً ، لتشكل متعة معرفية منتظرة بفارغ الصبر مع إطلالة كل شهر جديد . وكنا في مدينة إربد العريقة نترصد وصول أعدادها بفارغ الصبر لدى الوكيل المعتمد في محافظة إربد وهو شركة حجازي وكيل جريدة الرأي ، حيث يقوم بتوزيعها على باقي المكتبات المحلية لنقوم بسرعة اقتنائها . ولقد كان شقيقي المرحوم خلدون الغرايبه حريصاً أشد الحرص على اقتناء هذه المجلة الغراء وتنويع قراءاته الثقافية والسياسية ، وحين يفرغ من قراءتها ، كنت أستعيرها منه بشغف بالغ لأطالع مواضيعها الثرية وتحقيقاتها المصورة المدهشة .
ولقد تميزت مجلة " العربي " في كل عدد شهري بتقديم هدايا وبوسترات وملاحق ثقافية متميزة ، فضلاً عن اللوحات الجدارية والملفات الخاصة التي تعالج قضايا الفكر والأدب والجغرافيا والتاريخ بموضوعية واحترام عاليين .
أما مسيرة مجلة " العربي " فلم تكن مفروشة بالورود ، بل واجهت منذ انطلاقتها وحتى اليوم العديد من التحديات والصعوبات الجسيمة التي اختبرت صلابتها ؛ فقد تمثلت أبرز هذه الصعوبات في العثرات السياسية والأزمات الإقليمية الكبرى وعلى رأسها الغزو العراقي لدولة الكويت في شهر آب من عام 1990 م ، والذي تسبب في توقف المجلة قسراً عن الصدور من مقرها الأصلي في الكويت لمدة سبعة أشهر تقريباً نتيجة تدمير مطابعها واحتلال مقراتها ، قبل أن تتجاوز المحنة بإصدارها المؤقت من جمهورية مصر العربية الشقيقة في شهر أيلول عام 1991 م لضمان استمرار رسالتها ورفضها التباكي أو التحول إلى منبر لتصفية الحسابات السياسية ، حتى عادت إلى حضن الكويت في شهر آذار عام 1993 م . ومع مطلع الألفية وتغيرات المشهد الإعلامي العالمي ، واجهت المجلة تحديات لوجستية وتوزيعية معقدة نتيجة الأزمات والحروب الأهلية التي ضربت عدداً من الأقطار العربية وأدت إلى إغلاق منافذ التوزيع فيها في كل من اليمن وسوريا والعراق وليبيا . يضاف إلى ذلك التحدي الرقمي الهائل الذي فرضته الثورة التكنولوجية وغياب الصحافة الورقية وتراجع حضورها التقليدي أمام زحف الإنترنت ومحركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي ، الأمر الذي شكل ضغطاً إضافياً على استدامة المطبوعة الورقية وميزانياتها ، فضلاً عن التحديات البيروقراطية والإدارية المتعلقة بتنقل التبعية التنظيمية للمجلة تحت مظلة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت والتغيرات المتلاحقة في مجالس الإدارة .
واليوم ، ورغم قسوة هذه التحديات وتراجع أرفف المكتبات التقليدية عن احتضان المطبوعات الدورية ، تظل مجلة " العربي " محفورة في الذاكرة الجمعية رمزاً خالداً للصحافة الثقافية النظيفة ، لا سيما مع إتاحة كنوز أرشيفها عبر موقعها الرسمي الرقمي وعبر منصات توثيقية كبرى مثل منصة " الشارخ " للمجلات الأدبية والثقافية ، لتستمر في ربط الماضي بالحاضر وتغذية الأجيال على حب المعرفة والانتماء للعروبة والثقافة الأصيلة .




قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) صخر الشارخ : رجل الأعمال والمبتكر الكويتي ( صخر عبد الله الشارخ ) ، وهو مؤسس " أرشيف الشارخ للمجلات الأدبية والثقافية العربية " ، والذي يُ يعد أحد أكبر المشروعات الرقمية الرائدة في حفظ التراث الثقافي والأدبي العربي ، حيث قام بديجتة وأرشفة مئات الآلاف من صفحات المجلات العربية العريقة وحفظها إلكترونياً ، ومن بينها الأرشيف الكامل لمجلة " العربي " الكويتية .
- 2 ) البدر ، بدر خالد ( 1993 م ) . رحلة مع قافلة الحياة ، مطابع حكومة الكويت .
- 3 ) جريدة الجريدة الكويتية . مقالات واستطلاعات توثيقية حول تاريخ مجلة العربي .
- 4 ) جريدة الدستور الأردنية . أرشيف التحقيقات الصحفية والتغطيات الثقافية .
- 5 ) جريدة الرأي الأردنية . أرشيف التوزيع الصحفي والمؤسسات الإعلامية في الأردن .
- 6 ) السقاف ، أحمد ( 2000 م ) . أوراق من تاريخ الكويت والثقافة العربية ، منشورات ذات السلاسل .
- 7 ) شبكة الجزيرة الإعلامية . تقارير وثائقية عن تاريخ مجلة العربي الكويتية ودورها الثقافي .
- 8 ) المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ( الكويت ) . الأرشيف الرقمي والموقع الرسمي لمجلة العربي .
- 9 ) مجلة الشارقة الثقافية . دراسات وقراءات في تاريخ الصحافة العربية وتأثير مجلة العربي .
- 10 ) موسوعة ويكيبيديا ( المادة التوثيقية الخاصة بمجلة العربي الكويتية ورؤساء تحريرها ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.