يتناول هذا المقال ، أهمية موقع عين غزال الأثري باعتباره درة الآثار الإنسانية ومهداً للاستقرار البشري في عمان مع استعراض مكتشفاته النادرة .

موقع عين غزال : درة الآثار الإنسانية ومهد الاستقرار البشري في قلب عمان

بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تعتبر منطقة عين غزال درة الآثار الأردنية والبوابة التاريخية الكبرى التي توثق خطوات الإنسان الأولى نحو الاستقرار وبناء الحضارة ، حيث لطالما شكلت هذه البقعة المباركة الواقعة على الشارع الرئيسي الرابط بين العاصمة عمان ومحافظة الزرقاء على ضفتي نهر الزرقاء مسرحاً لأعظم التحولات الجذرية في تاريخ البشرية ، ومحط أنظار علماء الآثار والباحثين من جميع أنحاء العالم نظراً لقيمتها التاريخية الفريدة واكتشافاتها المعمارية والفنية النادرة التي جعلت منها مستوطنة بشرية تنبض بأسرار العصور الحجرية وتطوراتها المتعاقبة حتى تأسيس الدولة الأردنية الحديثة .

​الأهمية التاريخية والحضارية وأبعاد الاستيطان العريق

​أجريت عدداً من الأبحاث الأثرية الميدانية في المنطقة الواقعة إلى الشرق من البحر الأبيض المتوسط ، ونتج عن هذه الأبحاث والنشاطات الكشف عن عدد من المواقع الأثرية المهمة والمؤرخة لما يعرف بالعصر الحجري الحديث خلال الفترة ما بين ( 5500 - 9500 ) قبل الميلاد ، ومن أبرز هذه المواقع :


​ويتميز موقع عين غزال في العاصمة الأردنية عمان بكونه الأكبر مساحة ، إذ تبلغ مساحته حوالي 150 دونماً ، ولا يضاهيه اتساعاً أي موقع آخر في المنطقة المحيطة المؤرخة للعصر الحجري الحديث . إضافة إلى ذلك ، يمتاز باستمرارية الاستقرار فيه لمدة تقارب ثلاثة آلاف عام ، وغناه بالمخلفات الأثرية وتنوعها ، فضلاً عن دلائل التقدم الفكري والعقائدي الذي عرفه سكانه منذ عهود بعيدة .

​سر التسمية : لماذا سُميت عين غزال بهذا الاسم ؟

​لا يوجد غموض كبير حول أصل التسمية الحديثة للموقع ، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببيئة المنطقة الطبيعية والجغرافية :

1 ) الرأي الجغرافي والبيئي المحلي : استمد موقع " عين غزال " اسمه نسبة إلى " العين المائية " التاريخية العذبة التي كانت تسقي السكان في تلك البقعة وتعتبر شريان الحياة لهم ، مقترنة باسم " الغزال " نظراً لكثرة الغزلان والحيوانات البرية التي كانت ترتاد تلك الينابيع وتتخذ من الوديان المجاورة موطناً لها في العصور القديمة .

2 ) الطبيعة الطوبوغرافية للوادي : يرجح الباحثون أن التسمية تعكس البيئة الخصبة والغنية بالتنوع الحيوي التي جذبت الجماعات البشرية للاستقرار حول مصادر المياه الدائمة على ضفتي نهر الزرقاء ( شرقيه وغربيه ) .

3 ) الأسماء الأثرية والعلمية : في الدوائر الأثرية العالمية ، يُعرف الموقع بمستوطنة " عين غزال " الأثرية نظراً لأهميته العالمية التي جعلته علامة فارقة في خريطة الآثار الإنسانية .

​أهم المكتشفات الأثرية في موقع عين غزال

​كفلت الحفائر الأثرية المنظمة ( التي بدأت بصدمة الاكتشاف صدفة عام 1974 م أثناء شق طريق عمان-الزرقاء ، وتلتها الحفريات الكبرى عام 1982 م ) الكشف عن كنوز معمارية وأثرية فريدة :


​ما الذي يُميز مكتشفات عين غزال عن غيرها من اللقى الأثرية ؟

​تنفرد لقى عين غزال بخصائص استثنائية جعلتها محط أنظار متاحف العالم وعلم الأنثروبولوجيا :

1 ) القدم والتفرد الفني : تُعتبر تماثيل عين غزال أقدم تماثيل بشرية مجسّمة في تاريخ البشرية ، مما يمثل شاهداً عظيماً على الابتكارات والإبداع المبكر للشعب الأردني .

2 ) التعبير العقدي والنفسي : تميزت التماثيل بتجسيد الملامح الوجهية والعيون البريقية الواسعة بطريقة توحي بالتعبير الروحي ومحاولة تجسيد الأرواح أو الآلهة المحبوبة ، مما يمثل أول تعبير فني مجرد عن الهوية البشرية .

3 ) الشمولية الأثرية : لم تكن المكتشفات مجرد قطع فنية نادرة ، بل لوحة متكاملة توثق الانتقال الاجتماعي والاقتصادي الكامل للإنسان من مجتمع صائد إلى مجتمع منتج ومستقر .

​القبائل والعشائر العربية في منطقة عين غزال ومحيطها

​تُحيط بموقع عين غزال ومناطق وسط الأردن وعمان امتدادات تاريخية لعشائر وقبائل عربية أردنية أصيلة استوطنت المنطقة وساهمت في بناء مجتمعها الحديث ومن أبرزها في محيط العاصمة وضواحيها :


​لقد شهدت هذه الأرض الطيبة محطات قاسية وفاصلة في تاريخها الحديث والمعاصر ؛ فمع توسع العاصمة عمان وشق الطرق السريعة ( مثل شارع عمان-الزرقاء الرئيسي ) في أواخر القرن العشرين ، تعرضت أجزاء من الموقع لاكتشافات عرضية هامة ( حيث تأثرت بعض التماثيل بالاهتزازات والأوزان الثقيلة للشاحنات أثناء شق الطريق مما أدى إلى تهشم بعضها ) ، بدأت معها الحفائر الأثرية المنظمة عام 1974 م بإشراف علماء الآثار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من طبقات التاريخ العميقة . ظلت المستوطنة تكشف تدريجياً عن أسرارها طيلة عقود عانت خلالها التحديات الحضرية والبيئية ، إلى أن تضافرت الجهود العلمية والمؤسسية لحمايتها وتوثيق مقتنياتها الفريدة ، لتتبقى عين غزال للأبد رمزاً لعراقة التاريخ البشري وصلابة الإرادة الأردنية في حفظ تراث الإنسانية جمعاء .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع
  2. ​1 ) الدراسات والمسوحات الأثرية الميدانية لعلم الآثار في بلاد الشام ومواقع العصر الحجري الحديث ( أ.د زيدان كفافي والأبحاث الأثرية المعتمدة حول موقع عين غزال وتاريخ استيطانه ) .
  3. 2 ) التقارير التوثيقية والإعلامية المتخصصة حول تاريخ الاكتشاف والتنقيب في موقع عين غزال ( شبكة الجزيرة الإعلامية والدراسات التاريخية لجامعة اليرموك ) .
  4. 3 ) المراجع العلمية والمحكمة الصادرة عن معاهد ومراكز الأبحاث الأثرية الدولية ( منشورات المعهد الفرنسي للشرق الأدنى - Ifpo حول مستوطنة عين غزال وخصائصها العمرانية والمائية ) .
  5. 4 ) التوثيق الميداني والأبحاث التاريخية في مدونة الباحث والأستاذ قيصر صالح الغرايبه حول جغرافية وتاريخ المواقع الأثرية في الأردن .