يستعرض هذا المقال تطور نظام الدراسة المسائية في الأردن من مبادرات تعليمية خاصة في عام 1971م إلى منظومة وطنية منظمة تهدف إلى توفير فرص تعليمية مرنة للجميع .

من المبادرات الفردية إلى الأنظمة الوطنية : رحلة " الدراسة المسائية " في الأردن

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُعدّ التعليم في الأردن ركيزة أساسية من ركائز النهضة الوطنية ، حيث سعى الأردنيون منذ عقود إلى بناء منظومة تعليمية مرنة تتجاوز حدود الوقت والمكان . ومع بروز الحاجة الاجتماعية إلى توفير فرص تعليمية للفئات التي فاتها قطار التعليم النظامي ، ظهر نظام " الدراسة المسائية " كحلٍ إبداعي ومستدام . إن العودة إلى الوثائق التاريخية ، مثل إعلانات المدارس في مطلع السبعينيات ، تضعنا أمام مشهد حيّ لتطور هذا النظام من مجرد مبادرات تعليمية خاصة إلى مؤسسة وطنية متكاملة ترفد المجتمع بالكوادر المتعلمة .

​تحليل وثيقة " إعلان مدرسة الفيحاء " :

​يمثل الإعلان التاريخي لمدرسة " الفيحاء الثانوية " في الزرقاء لعام 1971م نموذجاً فريداً للفكر التربوي الذي ساد في تلك الحقبة ، حيث يحمل اسم " الفيحاء " دلالات رمزية عميقة ترتبط بالقيم العربية الأصيلة المرتبطة بالاتساع والوفرة في العطاء والنماء . لقد حمل الإعلان دلالات مهمة ، منها :

1 ) المرونة الإدارية : كشف الإعلان عن استقبال المدرسة لأولياء الأمور والطلاب في فترتين ( صباحية ومسائية ) ، مما يعكس وعياً مبكراً بحاجة المجتمع لتجاوز روتين الدوام التقليدي .

2 ) التنوع التعليمي : جمعت المدرسة بين " رياض الأطفال " في الفترة الصباحية و " صفوف الثانوية والإعدادية " في الفترة المسائية ، وهو ما يشير إلى تكامل الخدمات التعليمية في المؤسسات الخاصة آنذاك .

3 ) الاستجابة للطلب : يعد وجود " برنامج ليلي " دليلاً مادياً على وجود شريحة مجتمعية كانت تعمل في النهار وتطمح للتحصيل العلمي في المساء ، وهو ما سعت الدولة لاحقاً لتبنيه ومأسسته .

​الاستثمار في " رأس المال البشري " :

​لم يقتصر اهتمام المجتمع الأردني في تلك المرحلة على مجالات الاستثمار التقليدية كالصناعة أو التجارة أو الزراعة فحسب ، بل وجد المستثمرون والتربويون أن الاستثمار الأكثر جدوى وأثراً كان في ميدان التعليم . كان إنشاء المدارس الخاصة آنذاك بمثابة رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء " رأس المال البشري " ، حيث أدرك المجتمع أن النهضة الحقيقية للأردن تبدأ من مقاعد الدراسة وتنمية عقول الأجيال .

​الانتشار الجغرافي للتعليم المسائي :

​لم يكن نظام الدراسة المسائية محصوراً في العاصمة عمان ، بل امتد ليشمل كافة محافظات المملكة الأردنية الهاشمية ، بما فيها مدينة الزرقاء كما هو موضح في الإعلان . هذا الانتشار الجغرافي يؤكد أن الحاجة إلى التعليم كانت مطلباً وطنياً عاماً ، دفعت المؤسسات التربوية في مختلف المحافظات إلى تبني هذا النظام لضمان وصول الخدمة التعليمية إلى جميع أبناء الوطن ، مما عزز من عدالة الفرص التعليمية في كافة أرجاء الأردن .

​التطور التشريعي : من " الخاص " إلى " الرسمي " :

​لم تكن الدراسة المسائية في بداياتها محصورة في الأطر الحكومية ، بل بدأت عبر مبادرات من قطاعات خاصة استشعرت حاجة الأفراد لاستكمال تعليمهم . ومع مرور الوقت ، وتحديداً مع صدور قانون التربية والتعليم رقم ( 16 ) لسنة 1964م ، تبلورت الرؤية الوطنية لتنظيم هذا القطاع ، وصولاً إلى إقرار " نظام مراكز الدراسات المسائية في المدارس الحكومية " عام 1978م ، الذي منح هذا النوع من التعليم غطاءً قانونياً ورسمياً .

​لماذا الدراسة المسائية ؟ ( دوافع إقرار النظام ) :

​لقد جاء هذا النظام كاستجابة لعدة اعتبارات وطنية واجتماعية :

1 ) توفير " الفرصة الثانية " للأشخاص الذين تجاوزوا سن التعليم النظامي أو لم يتمكنوا من إكماله .

2 ) تلبية احتياجات الراغبين في مواصلة تعليمهم والذين لم يتمكنوا من تحقيق ذلك من خلال الدراسة النظامية .

3 ) توفير المرونة التعليمية لمن حالت ظروفهم دون الالتزام بالدوام الصباحي .

​ملامح النظام الدراسي اليوم :

​بينما كان التعليم المسائي قديماً يتسم بطابع المبادرات الفردية ، تحول اليوم إلى منظومة مضبوطة بتعليمات صارمة تضمن جودة التعليم ، حيث يتميز النظام بـ :

1 ) توقيت الدوام : يبدأ الدوام عادةً بعد انتهاء الدوام المدرسي الصباحي ( في تمام الساعة 12:30 أو 1:00 ظهراً ) ويستمر حتى ساعات المساء .

2 ) شروط الانضباط : يُسمح للطالب بالدوام في الدراسة المسائية لمدة سنة واحدة فقط .

3 ) سياسة الرسوب : في حال الرسوب ، لا يحق للطالب إعادته سنة ثانية في النظام المسائي .

4 ) التكلفة : يساهم الدارس في هذه المراكز برسوم رمزية تفرضها الوزارة لتغطية جزء من تكاليف البرنامج .

​ختاماً ، نجد أن المقارنة بين إعلان مدرسة " الفيحاء " عام 1971م وبين الواقع التعليمي الحالي تؤكد أن الأردن استطاع مأسسة التعليم المسائي وتحويله من برامج ليليّة اجتهادية إلى منظومة تعليمية وطنية رصينة . إن هذا التحول يعكس حرص الدولة الأردنية على الاستثمار في الإنسان ، وإيمانها بأن العلم حقٌ متاح للجميع ، مهما كانت الظروف ، وهو ما يظل يشكل جوهر السياسة التعليمية الأردنية حتى يومنا هذا .

​قائمة المصادر والمراجع :

​1 ) التشريعات الأردنية : " نظام مراكز الدراسات المسائية في المدارس الحكومية " ، صادر بمقتضى قانون التربية والتعليم رقم ( 16 ) لسنة 1964م .

2 ) وزارة التربية والتعليم الأردنية : الموقع الرسمي ، قسم برنامج الدراسات المسائية .

3 ) الأرشيف الرقمي : إعلانات المدارس الخاصة في الزرقاء ، عام 1971م .

4 ) الوكالات الإخبارية : تقارير إخبارية حول أوقات الدوام الرسمي في المدارس الأردنية ( وكالة رؤيا الإخبارية ، التلفزيون الأردني ) .

5 ) قواعد البيانات التعليمية : بيانات وزارة التربية والتعليم بشأن سنوات الدوام في المدارس الصباحية والمسائية .

6 ) منصات التواصل الاجتماعي : تصريحات رسمية منشورة حول دوام المدارس المسائية .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) التشريعات الأردنية : " نظام مراكز الدراسات المسائية في المدارس الحكومية " ، صادر بمقتضى قانون التربية والتعليم رقم ( 16 ) لسنة 1964م .
  3. 2 ) وزارة التربية والتعليم الأردنية : الموقع الرسمي ، قسم برنامج الدراسات المسائية .
  4. 3 ) الأرشيف الرقمي : إعلانات المدارس الخاصة في الزرقاء ، عام 1971م .
  5. 4 ) الوكالات الإخبارية : تقارير إخبارية حول أوقات الدوام الرسمي في المدارس الأردنية ( وكالة رؤيا الإخبارية ، التلفزيون الأردني ) .
  6. 5 ) قواعد البيانات التعليمية : بيانات وزارة التربية والتعليم بشأن سنوات الدوام في المدارس الصباحية والمسائية .
  7. 6 ) منصات التواصل الاجتماعي : تصريحات رسمية منشورة حول دوام المدارس المسائية .