يستعرض هذا المقال ، بأسلوب تحليلي وتاريخي ، قصة « منقار البطة » في أقصى الشمال الشرقي لسوريا ، مسلطاً الضوء على جذوره الجغرافية والسياسية في الجزيرة الفراتية .

منقار البطة في الخريطة السورية : جغرافية اللسان المعلق على تخوم الجزيرة الفراتية

بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​حين تُطالع الخريطة السياسية والجغرافية لسوريا ، قد يطالعك مصطلح طريف ودقيق في آن واحد يُعرف بـ ( منقار البطة - Duck's Beak ) أو ( Bec du Canard ) ، وهو التعبير الذي تتردد إشاراته بوضوح في الوثائق الفرنسية التاريخية التي تناولت منطقة الجزيرة الفراتية — وهي إقليم جغرافي وتاريخي عريق يقع بين نهري دجلة والفرات ويشمل شمال شرقي سوريا وشمال العراق وجنوب شرقي تركيا — . فما حكاية هذا الاسم ؟ وأين يقع في الجغرافيا السورية ؟ وما هي خلفيته التاريخية والعمرانية والديموغرافية ؟

​أولاً : الموقع الجغرافي والشكل الهندسي والمحددات

​يُشير مصطلح ( منقار البطة ) جغرافياً إلى ذلك البروز أو اللسان الجغرافي الضيق ( الشريط الشبه مخروطي الذي يضيق تدريجياً من أحد طرفيه حتى يصل إلى نقطة الصفر ) الواقع في أقصى الشمال الشرقي من الأراضي السورية ضمن منطقة الجزيرة الفراتية ( في محافظة الحسكة حالياً ) .

​وقد أُطلق هذا الوصف في الأدبيات والوثائق التاريخية نظراً للشكل الهندسي الذي يبدو عليه هذا الشريط على الخريطة ، حيث يشبه منقار طائر البطة وهو يمتد شرقاً ليخترق أو يقترب من مناطق تقاطع الحدود المعقدة حيث يلتقي المثلث الحدودى السوري التركي العراقي ويقترب من منطقة فيشخابور على نهر دجلة ، حاضناً بلدان ومحطات حيوية مثل المالكية ( ديريك ) وعين ديوار .

​ويمكن تمييز ثلاثة محددات جغرافية رئيسية لهذه المنطقة :

1 ) الحدود الشمالية ( من نصيبين إلى جزيرة ابن عمر ) ، وتمتد جنوب مرتفعات طور عابدين وجبل إيليم ( إيليم داغ ) وصولاً إلى التلال الفاصلة بين نصيبين وجزيرة ابن عمر .

2 ) القطاع الأوسط ، ويضم مرتفعات تشكل مراصد طبيعية كجبل ( عز الدين داغ ) الذي يطل على مخفض دجلة والسهول المحيطة .

3 ) القطاع الجنوبي الشرقي ، حيث تمتد مرتفعات ( قراتشوك داغ ) و ( لايلك داغ ) كحاجز طبيعي يبلغ طوله نحو أربعين كيلومتراً من فيشخابور إلى المصطفاوية التي شكلت قديماً نقطة عبور حيوية وحظيت باهتمام وتنازع دولي .

​ثانياً : الإرث التاريخي والسياسي للحدود

​لم يكن هذا التموضع الجغرافي الفريد وليد فواصل طبيعية صارمة كنهر عظيم أو سلسلة جبال شاهقة ، بل جاء ثمرة تخطيط سياسي واتفاقيات حدودية أُبرمت عقب الحرب العالمية الأولى وتحديداً في فترة الانتداب الفرنسي على سوريا ( كنزاع وترسيم استمر منذ عام 1921 م وحتى حزيران من عام 1930 م عبر اتفاقيات سايكس بيكو ومعاهدات فرنسا وبريطانيا وتركيا كإتفاقية أنقرة ) لضمان حصول الفرنسيين على موطئ قدم أو امتداد جغرافي قرب نهر دجلة .

​فعلى إثر انهيار الدولة العثمانية ورسم الحدود بين سوريا والعراق وتركيا خلال عشرينيات القرن الماضي ، تقرر أن يبقى هذا الامتداد ضمن الأراضي السورية ليرسم ملامح خريطة جديدة كلياً . ولولا هذا ( المنقار ) ، لما كانت سوريا تلامس نهر دجلة أصلاً ، ولأصبحت الحدود التركية والعراقية متصلة مباشرة ، وهو ما كان سيغير جزءاً من الجغرافيا السياسية للمنطقة برمتها .

​ثالثاً : التطور الإداري والعمراني والديموغرافي

​شهدت منطقة ( منقار البطة ) مساراً تنموياً وإدارياً ملحوظاً عبر العقود :

1 ) التطور الإداري والعمراني ، بدأت خطوات التنظيم الحديث بإنشاء شعبة توزيع للبريد في عين ديوار عام 1931 م وتأسيس لجنتها البلدية ، تبعا لتطور مركز قصبة عين ديوار على أكمة مطلة على نهر دجلة لتكون مقراً للمستشار الفرنسي والقائمقام ( غانم أفندي غنيمة / قائمقام دجلة ) ، قبل أن ينتقل مركز القضاء لاحقاً إلى ( ديريك ) سنة 1939 م ، والتي تم تعريب اسمها رسمياً عام 1957 م بموجب المرسوم رقم 346 لتصبح ( المالكية ) . ورغم أن ديريك بدت حتى سبعينيات القرن الماضي بلدة متواضعة لا تتجاوز مساحتها نصف كيلومتر مربع ، إلا أنها توسعت ونمت نمواً كبيراً لتغدو مركزاً حيوياً كبيراً يتبع له نواحي عديدة .

2 ) النسيج الديموغرافي ، غلب على النسيج البشري في المنطقة تاريخياً حضور بارز للعشائر الكردية ( مثل عشيرة الشيتيين التي انقسمت لاحقاً بين سورية وتركيا ، عشيرة الآليان بزعامة عبدي آغا ) إلى جانب مخالطتهم لعشائر عربية كـ ( طيء ) ، لتشكل هذه المنطقة لوحة فسيفسائية فريدة تعكس أجمل صور التنوع السوري باحتضانها لمكونات متجانسة من أهالي الجزيرة الفراتية جنباً إلى جنب منذ الأزل .

​رابعاً : الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية

​تتميز هذه المنطقة المعروفة بـ ( منقار البطة ) بخصوبة زراعية فريدة وموارد غنية نظراً لوقوعها في حوض نهر دجلة وقربها من المرتفعات المجاورة ، مانحة سوريا منفذاً حيوياً على النهر بطول بضعة كيلومترات فقط . ورغم طبيعتها الجغرافية التي اتسمت بالوعورة والنائية في الفترات السابقة ، إلا أنها مثلت عبر العقود نقطة ارتكاز اقتصادية بالغة الأهمية ؛ إذ تضم جزءاً هاماً وحيوياً من حقول النفط والغاز السورية ( مثل حقول الرميلان الشهيرة ) ، فضلاً عن كون أراضيها تشكل سلة غذاء استراتيجية عبر سهولها الخصبة المنتجة للقمح والمحاصيل الوطنية الكبرى .

​يظل هذا الامتداد حتى يومنا هذا أحد أكثر الأشكال الحدودية غرابة وإثارة للاهتمام في الشرق الأوسط ، ويعكس كيف يمكن لقرارات سياسية وتسويات أُبرمت قبل أكثر من قرن أن ترسم ملامح الخرائط وتصنع الجغرافيا السياسية والديموغرافية للمنطقة. وبقيت حقائق المكان والزمان شاهدة على عمق الترابط بين صناعة الحدود وتاريخ الجزيرة الفراتية العريق .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) الوثائق والتقارير الفرنسية المتعلقة بترسيم الحدود في منطقة الجزيرة الفراتية خلال فترة الانتداب ( 1921 م - 1930 م ) .
  3. ​2 ) معاهدات واتفاقيات ترسيم الحدود الدولية ( بما في ذلك اتفاقية أنقرة واتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى بين فرنسا وبريطانيا وتركيا ) .
  4. ​3 ) الأرشيف الرسمي المتعلق بالمرسوم التشريعي رقم 346 الصادر في عام 1957 م بشأن تعريب أسماء المدن والبلدات .
  5. ​4 ) الأدبيات والأبحاث الأكاديمية التي تناولت جغرافية الحدود السياسية في الشرق الأوسط ومفهوم « منقار البطة » ( Duck's Beak / Bec du Canard ) .
  6. ​5 ) الدراسات الميدانية والتاريخية الخاصة بتطور منطقة الجزيرة الفراتية وحوض نهر دجلة والمرتفعات المجاورة ( طور عابدين ، قراتشوك داغ ، جبل إيليم ، وعز الدين داغ ) .
  7. ​6 ) الوثائق الإدارية المتعلقة بتأسيس الدوائر الرسمية وشعب البريد والبلديات في عين ديوار والمالكية ( ديريك ) منذ عام 1931 م .
  8. ​7 ) المراجع التاريخية والتوثيقية حول النسيج الاجتماعي والعشائر في الجزيرة الفراتية السورية ( عشائر الشيتيين ، والآليان ، وعشيرة طيء ، والمكونات السريانية والآشورية والكردية والعربية ) .
  9. ​8 ) التقارير الاقتصادية والزراعية المتعلقة بسلة الغذاء واستراتيجيات إنتاج القمح في سهول الحسكة والمالكية .
  10. ​9 ) الأدبيات الميدانية والجغرافية الموثقة حول حقول النفط والغاز الاستراتيجية في منطقة الرميلان ومحيطها .