مسلسل " جزيرة الكنز " هو تحفة أنيمي يابانية صدرت عام 1978 م مأخوذة عن رواية روبرت لويس ستيفنسون ، وحققت نجاحاً عربياً منقطع النظير بفضل دبلجتها اللبنانية الخالدة وأدائها الصوتي المميز .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
حين يستعيد المرء ذكريات الطفولة الجميلة ، تطفو على السطح أعمال كرتونية خالدة حفرت في الوجدان أروع معاني الشجاعة ، والإثارة ، والوفاء بالعهود . وعلى أشرعة السفن المبحرة نحو المجهول ، وجزائر القراصنة الغامضة في تحفة الرسوم المتحركة الخالدة ، تقبع قصة كرتونية فريدة أسرت قلوب ملايين المشاهدين في العالم العربي وخارجه . إنها حكاية جزيرة الكنز ( المعروف يابانياً باسم " تاكاراجيما " / Treasure Island ) ؛ تلك التحفة الفنية التي صاغت بحرارة مغامرة الفتى الشجاع جيم هوكينز برفقة البحار الغامض ذي الساق الخشبية لونغ جون سيلفر ، متجاوزاً أهوال البحار وخيانة القراصنة لتتفتح بصيرته على آفاق الحكمة ومعرفة الصديق من العدو ، مستشعرين عظمة المعنى القرآني في تسيير السفن واستكشاف آفاق البحار : { وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
جذور الحكاية : الاقتباس الأدبي ورواية روبرت لويس ستيفنسون
لا تبدأ قصة جزيرة الكنز وليدة الصدفة البحتة ، بل تعود جذورها الأدبية الخالدة إلى رواية المغامرات الكلاسيكية الشهيرة " جزيرة الكنز " ( Treasure Island ) للكاتب الإسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون ، لتنقل صراع البحث عن الثروة والخيانة البشرية في عرض البحار إلى آفاق درامية مرئية أوسع وأكثر إثارة . في البداية ، واجه الفتى البريء جيم هوكينز – الذي لم يتجاوز عمره ثلاثة عشر عاماً وكان له قِطّ أليف اسمه " بنبو " ، ويدير مع أمه شؤون نزل " الأميرال بنبو " منذ أن توفي أبوه في تحطم سفينته – أحداثاً متسارعة بدأت بظهور البحار العجوز السكير الغامض الذي يسمي نفسه " القبطان " . تؤدي سلسلة من الأحداث المروعة إلى وفاة القبطان ، تاركاً لجيم خريطة تقود إلى كنز القبطان فلينت الأسطوري . بمساعدة الدكتور ليفزي والسيد تريلوني ، يجهز سفينة شراعية وطاقم بحري للذهاب للبحث عن الكنز . وفي مدينة بريستول القريبة ، يضمون إليهم الطباخ ذا الساق الواحدة جون سيلفر ، والقبطان سمولت وغيرهم . غير أن المفاجأة الكبرى تمثلت في انقلاب الطاقم بقيادة الطباخ الماكر لونغ جون سيلفر الذي أخفى نوافذه العدائية وخططه للتمرد تحت قناع الطيبة المزيفة . في ذلك الحين ، ظهر بطلنا فتىً مقداماً يواجه المخاطر بشجاعة نادرة ، دأب على كشف المؤامرات والذود عن رفاقه إلى أن قادته أقطار البحار ليخوض مغامرات مذهلة طافت به عبر الأدغال الخطرة ، والحصن المهجور ، والمواجهات الحاسمة مع القراصنة الخبثاء ، مدركاً أن الأمور ليست كما تبدو عليه وأن هناك أحداثاً ومفاجآت جساماً يمكن الاستفادة منها في صراع البقاء .
لقد عُرفت تلك المساحات النائية والمليئة بالأسرار في عرض المحيط ، وتحديداً الجزيرة الاستوائية الملعونة التي دفن فيها الكابتن فلينت ثروته الطائلة ، بـ " فضاء الكنز الغامض " ؛ وهي الحاضنة الطبيعية التي دارت فيها المعارك الطاحنة والصراعات النفسية العميقة بين الولاء والخيانة . وهكذا استهل البطل رحلته المديدة بين طيات الخريطة والأمواج المتلاطمة ، محولاً مخاطر الموت إلى وعي عميق بالمسؤولية والنضج المبكر عبر التجارب التي يمر بها .
مدة العرض ، عدد الحلقات ، وسنوات العمل والإنتاج :
انطلق هذا الصرح الدرامي الفريد في عام 1978 على الشاشات العالمية من إنتاج شركة توقي موفي شينشا ( Tokyo Movie Shinsha ) اليابانية ، وإخراج المخرج الإبداعي أوسامو ديزاكي . وقد بلغ إجمالي حلقات المسلسل 26 حلقة متكاملة ، مدة كل حلقة 25 دقيقة ، شكلت في مجموعها موسوعة مرئية فريدة لتعزيز قيم الشجاعة ، والصداقة ، والاعتماد على النفس ، واجتياز الصعاب بأسلوب مشوق ومبتكر .
أبرز الشخصيات والفقرات والملامح الفريدة في المسلسل :
تميز مسلسل جزيرة الكنز بتركيبة درامية وفنية متفرّدة جمعت صراعات إنسانية عميقة وطابعاً تشويقياً فريداً ، تخللتها محاور ومواقف تركت بصمات لا تُنسى في الذاكرة :
1 ) شخصيات درامية خالدة ( أداء إنساني وفني راقٍ ) : ضم العمل كوكبة من الشخصيات المؤثرة التي أضفوا حيوية عميقة على مجريات الأحداث ، وفي مقدمتهم البطل الشجاع جيم هوكينز ، والشخصية المعقدة والجاذبة " لونغ جون سيلفر " الذي يجمع بين قسوة القرصنة والمحبة الأبوية الصادقة لجيم ، والدكتور الحكيم ليفزي ، والكابتن الشجاع سمولت ، والصديق الطريف بن غان ، إلى جانب مرافقة جيم لقط أليف اسمه " بنبو " ، والذين جسدوا صراعات البقاء بحرفية عالية .
2 ) أبرز المحاور والفقرات : اشتمل المسلسل على خطوط درامية شيقة مثل الهروب من تمرد القراصنة ، والبحث عن صندوق الكنز المدفون ، والصراع الأخلاقي الدائر في نفس سيلفر تجاه جيم ، إلى جانب قيم التضامن الإنساني والعمل الجماعي وحماية الأصدقاء في أشد المواقف حرجاً .
3 ) حكمة العرض والتشويق البصري : تميزت منهجية الإخراج بابتكارات بصرية مذهلة ( مثل تجميد اللقطات وإبراز تعبيرات الحماس والتوتر ) وخبرة عميقة في تبسيط مفاهيم العدالة والوفاء ، متيحة للمشاهدين تلقي دروس بليغة في الشجاعة والانتصار للمبادئ النبيلة .
الانتشار الواسع والنجاح الباهر والدبلجة العربية الخالدة :
لم يقتصر نجاح جزيرة الكنز على النطاق الياباني أو العالمي فحسب ، بل تجاوز الحدود الإقليمية ليحقق انتشاراً واسعاً ومذهلاً في مختلف أرجاء الوطن العربي عقب دبلجته العربية التاريخية الرائعة التي تمت في أوائل الثمانينات عبر « مؤسسة التلفزيون اللبناني » بإخراج المبدع وئام الصعيدي ، ومشاركة نخبة من ألمع نجوم الدبلجة والفنانين العرب وفي مقدمتهم الفنان القدير الراحل وحيد جلال في أداء صوت الشخصية الشهيرة " جون سيلفر " . وقد أصبحت شارة المسلسل وألحانه وأحداثه جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية العربية لجيل الثمانينات والتسعينيات ، رغم أن إحدى النسخ قامت بإعادة دبلجة الحلقة 8 من طرف استوديو الزهرة لطمس الحبكة الأصلية حول طيف عائد من عالم الأموات . ونتيجة لهذا التميز الميداني والفني ، حصد العمل مكانة رفيعة في وجدان المشاهدين ، تقديراً لدوره الريادي في تقديم نموذج كرتوني درامي فريد يجمع بين إثارة المغامرة وعمق الدلالات الأخلاقية .
أيقونة الشارة الفنية وكلماتها الخالدة :
تعتبر شارة البداية لمسلسل الكرتون الشهير " جزيرة الكنز " واحدة من أبرز الأيقونات الفنية الخالدة التي ترَسخت بكل عمق في الوجدان العربي ، والتي أبدع في صياغة كلماتها المعبرة الكاتب والشاعر اللبناني مروان نجار ، ولحنها الموسيقار الياباني البارز كينتارو هانيدا عام 1983 م ، وشدا بها بصوته الأسطوري الفريد ومقتدر أدائه الأوبرالي الرفيع الفنان اللبناني الراحل سامي كلارك ( واسمه الحقيقي سامي حبيقة ) الذي اشتهر أيضاً بتقديم شارات كرتونية تاريخية أخرى مثل " غريندايزر " . وإليكم نص الكلمات الكاملة للشارة الخالدة :
خمسة عشر رجلاً ماتوا من أجل صندوق !
يوهو هو ! وعبوة من الروم !
ها نحن ذا ، على دروب كنزنا
نسير معاً ، وآمالنا تسير قبلنا
لا نرهب المحيط ، لا نخشى الردى
فالعزم في قلوبنا يضيء كالمدى
هيا إلى جزيرة الكنز ، هيا
نمضي ولا نخشى خطوباً أو أذى
بحارنا فسيح ، وطريقنا طويل
لكننا سنبقى على العهد القليل
خمسة عشر رجلاً ماتوا من أجل صندوق !
يوهو هو ! وعبوة من الروم !
الأثر العميق على المجتمع العربي والعالمي :
تغلغل مسلسل جزيرة الكنز بعمق داخل الوجدان المجتمعي العربي والعالمي ، لدرجة أن الأجيال التي نشأت على متابعة حلقاته ما زالت تستحضر تفاصيلها ومشاهدها وشخصياتها بدقة متناهية . وقد تمثل أثره المجتمعي والوجداني فيما يلي :
1 ) ترسيخ قيم الشجاعة والاعتماد على النفس : نجح المسلسل في غرس روح البطولة ومواجهة التحديات الكبرى حتى للأصغر سناً كما جسدها جيم هوكينز في تطوره من فتى بريء إلى شاب ناضج .
2 ) الارتقاء بالذائقة الفنية والدرامية : قدم نموذجاً تربوياً وفنياً يحتذى به في حب الاستكشاف وتطوير التفكير النقدي في تمييز النوايا الإنسانية المعقدة .
3 ) بناء الوعي الإنساني الواسع : ترك بصمات خالدة في تعزيز معاني الوفاء بالعهود ، وخطورة الطمع ، وإبراز الجانب النفسي الإنساني المعقد في شخصيات مثل جون سيلفر .
كلمة أخيرة :
عالم من الإثارة والمغامرة الخالدة !
إن مسلسل جزيرة الكنز يتجاوز مفهوم البرامج الكرتونية العابرة أو قصص المغامرات التقليدية ، ليستقر كعمل فني وإنساني يستحق أسمى عبارات الثناء ، وشاهد حي على قدرة الإبداع الراقي على شدّ الانتباه وتهذيب النفوس وإحياء روح الحماس مستندةً إلى الصدق والوفاء والمثابرة . ومن يمعن النظر في استرجاع هذه التجربة لا يسعه سوى الوقوف إجلالاً وإكباراً أمام منجز خالد صان ذكريات الطفولة وقيم المروءة بقلوب تفيض بالحنين وذاكرة أبدية لا تشيخ .
ألم تدرك بعد مدى سحر تلك الرحلة الخالدة التي تجسد قصة البحث عن الكنز الحقيقي المتمثل في الشجاعة والوفاء في أرجاء البحار الواسعة ؟
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) رواية جزيرة الكنز الأدبية : رواية " جزيرة الكنز " ( Treasure Island ) للكاتب الإسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون ( العمل الأدبي المقتبس عنه المسلسل ) .
- 2 ) البيانات الإنتاجية والتقنية للمسلسل : السجلات الرسمية لشركة توقي موفي شينشا ( Tokyo Movie Shinsha ) اليابانية حول مسلسل الأنيمي ( تاكاراجيما / Treasure Island ) الصادر عام 1978 م بواقع 26 حلقة وإخراج أوسامو ديزاكي .
- 3 ) أرشيف الدبلجة اللبنانية التاريخية : توثيق أعمال " مؤسسة التلفزيون اللبناني " في دبلجة المسلسل خلال أوائل الثمانينات من القرن العشرين بإخراج وئام الصعيدي ، ومشاركة الفنانين الراحلين وحيد جلال وسامي كلارك ، وتوثيق إحداثيات الحلقة الثامنة المعدلة عبر استوديو الزهرة .
- 4 ) الشارة الفنية والأغنية الخالدة : أرشفة الكلمات والتلحين والأداء الصوتي لشارة البداية للمسلسل ، من كلمات الشاعر مروان نجار ، وتلحين كينتارو هانيدا ، وأداء الفنان سامي كلارك عام 1983 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.