يُجسد المقال أسمى معاني الأبوة الحانية في الإسلام والتاريخ العربي من خلال موقف معاوية بن أبي سفيان مع ابنته ، مؤكداً أن حب البنات والرفق بهن هو كمال في الرجولة وصدق في الفطرة .
في حب الأب لبناته : تفاحة القلب وريحانة العين
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
في مشهد تاريخي بليغ يختزل أسمى معاني الأبوة الحانية ، دخل الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه على أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، فوجد عنده ابنته الصغيرة . سأله عمرو متسألاً : " من هذه يا معاوية ؟ " ، فأجاب معاوية بعبارة تقطر رقة وعاطفة صادقة : " تفاحة القلب وريحانة العين " .
هذه اللحظة الخالدة لم تكن مجرد حوار عابر بين رجلين من دهاة العرب وسياسييهم البارزين ، بل كانت نافذة ناصعة تكشف عن الجانب الإنساني العميق والقلوب النابضة بالرحمة تحت هيبة الحكم والسلطان . ففي أعماق القائد الصارم والسياسي المحنك ، يختبئ أب حانٍ يرى في ابنته بهجة الروح وزينة الحياة الدنيا .
الفطرة الإنسانية في مهب الجاهلية والإسلام :
لقد جاء الإسلام ليهذب القلوب ويقيم الاعوجاج الفطري الذي عانته الجاهلية الأولى ، حيث كان بعض الناس يستبشرون بالبنين ويحملون الهم إن رزقوا بالبنات ، لكن الهدي النبوي الشريف أعاد الاعتبار لمكانة الأنثى ، فرسخ في وجدان المسلمين أن الأبوة للبنات هي باب عظيم من أبواب الرحمة والجنة .
وموقف معاوية بن أبي سفيان مع ابنته يعكس تماماً هذا التحرر من رواسب الجاهلية ، ليُظهر بكل وضوح أن حب الابنة والافتخار بها ودلالها ليس ضعفاً ، بل هو كمال في الرجولة وصدق في الفطرة ، فالرجل العظيم هو الذي لا يجد حرجاً في أن يعبر عن مشاعره العميقة تجاه ابنته ، واصفاً إياها بأجمل التشابيه وأعذبها : " تفاحة القلب وريحانة العين " .
فلسفة الأبوة : حين ترتجف القلوب رقة :
إن تعبير معاوية رضي الله عنه ليس مجرد بلاغة لغوية ، بل هو وصف دقيق لفيزيولوجيا الحب الأسري ، فالفتاة في بيت أبيها هي النسمة الهادئة التي تلطف جفاف الحياة وقسوة المسؤوليات . الأب الذي يخوض غمار السياسة والحروب ويدير شؤون الدولة ، يجد في ابتسامة ابنته واحة أمان ترتاح فيها نفسه المتعبة .
البنات هنّ السكن النفسي والبهجة التي تدخل البيوت بلا استئذان ، وهن اللواتي يمنحن الآباء صبراً إضافياً وقدرة عجيبة على العطاء . وحين يقول الأب لابنته يا " تفاحة القلب " ، فهو يعبر عن مركزية وجودها في وجدانه ، وحين يصفها بـ " ريحانة العين " ، فهو يعبر عن رؤيته المستمرة للجمال والنقاء كلما وقع نظره عليها .
دروس وعبر لمن يدرك معنى الأبوة الحقة :
1 ) الرفق بالأنثى : إن التعامل مع البنات بحنو ومحبة هو استنان بهدي الأنبياء والصحابة الكرام ، وهو انعكاس لتربية إسلامية رفيعة ترعى المشاعر الإنسانية .
2 ) الاعتراف بالمشاعر : لا يقلل إظهار الحب للأبناء من هيبة الأب ، بل يعزز من ثقتهم بأنفسهم ويخلق بيئة أسرية يسودها الدفء والأمان العاطفي .
3 ) حفظ الذاكرة التاريخية : إن مواقف الصحابة والتابعين في تعاملهم مع أسرهم تقدم لنا نماذج عملية حية تفوق المجلدات النظرية في التربية والتعامل الإنساني .
ستبقى كلمة معاوية بن أبي سفيان درة مسطورة في تاريخ الأدب والأخلاق الإنسانية عام 1000 م ، تذكر كل أب بأن بناته كنّ ولا يزلن " تفاحة القلب وريحانة العين " ، وزينة الحياة التي لا تعادلها كنوز الأرض قاطبة .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم .
- 2 ) البلاذري ، أحمد بن يحيى ( 1996 م ) . أنساب الأشراف . بيروت : دار الفكر .
- 3 ) ابن عساكر ، علي بن الحسن ( 1995 م ) . تاریخ مدينة دمشق . بيروت : دار الفكر .
- 4 ) الأصفهاني ، أبو الفرج ( 2002 م ) . الأغاني . بيروت : دار الكتب العلمية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.