تستحضر الذاكرة الشعبية صوراً من زمن مضى، حيث كان الليل يلف المدن بوشاحه الأسود ، لولا رجال مخلصون حملوا على عاتقهم مهمة تبديد الظلام . إنها قصة ” الدومري ” ، تلك الشخصية التراثية التي لم تكن مجرد عامل إضاءة ، بل كانت رمزاً للأمان وشريان الحياة في أزقة الحارات القديمة قبل أن يغزو المصباح الكهربائي عالمنا . في هذا المقال ، نسلط الضوء على هذه المهنة التي غابت عن واقعنا وبقيت محفورة في وجداننا
مصابيح الزمن الجميل: حكاية " الدومري " الذي أضاء ليل المدن
تستحضر الذاكرة الشعبية صوراً من زمن مضى، حيث كان الليل يلف المدن بوشاحه الأسود ، لولا رجال مخلصون حملوا على عاتقهم مهمة تبديد الظلام . إنها قصة " الدومري " ، تلك الشخصية التراثية التي لم تكن مجرد عامل إضاءة ، بل كانت رمزاً للأمان وشريان الحياة في أزقة الحارات القديمة قبل أن يغزو المصباح الكهربائي عالمنا . في هذا المقال ، نسلط الضوء على هذه المهنة التي غابت عن واقعنا وبقيت محفورة في وجداننا
أولاً : الجذور التاريخية ونشأة التنوير في العالم الإسلامي :
لم تكن فكرة إضاءة الشوارع وليدة العصور المتأخرة ، بل تمتد جذورها إلى بواكر الحضارة الإسلامية . فمنذ العصر الأموي والعباسي ، بدأت الحواضر الكبرى مثل دمشق وبغداد تشهد بدايات التنظيم لإنارة الطرقات ، خاصة حول المساجد الكبرى والأسواق . ومع اتساع رقعة الدولة ، تطورت هذه المهنة لتصبح وظيفة رسمية تحت إشراف " المحتسب (
هو مراقب الأسواق والنظام العام في المجتمع الإسلامي ، يتولى حماية المستهلك من الغش ، وضبط الأسعار، ومراقبة الآداب العامة ، وهو ما يعادل سلطة البلدية والتموين اليوم ) " أو البلديات لاحقاً . لم تقتصر هذه المهنة على مدينة بعينها ، بل كانت علامة فارقة في حواضر العالم الإسلامي من القاهرة المعزية إلى بغداد الرشيد ، وصولاً إلى مدن الأندلس التي كانت تضاء شوارعها في وقت كانت تعيش فيه أوروبا ظلاماً دامساً .
ثانياً : الجذور اللغوية والنشأة التاريخية :
تعد كلمة " الدومري " من الألفاظ التي امتزجت فيها الثقافة التركية بالعربية ، فهي في الأصل العثماني تعني " الفوانيسي " ، أي الشخص الموكل إليه إيقاد المصابيح . ويشير الباحثون والمؤرخون إلى أن اللفظة قد تكون ذات جذور فصيحة من كلمة " التأمري " التي تعني الإنسان ، مما يعكس التصاق هذه المهنة بحركة الناس وحياتهم اليومية . لقد ارتبط تاريخ " الدومري " في شكله المنظم بالعهد العثماني ، حيث كانت البلديات تنظم هذه الوظيفة لضمان إنارة الطرقات للمارة ولرجال الأمن والجندرمة .
ثالثاً : طقوس المهنة وأدوات الإنارة :
لم تكن مهمة " الدومري " سهلة ، بل كانت تتطلب جلداً وصبراً . ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، كان السراج الفخاري هو الوسيلة الوحيدة ، ثم تطورت إلى قناديل معدنية وفوانيس تعمل بالبترول " الكاز " .
1 ) كان " الدومري " يتجول بين الأزقة حاملاً سلمه الخشبي ، ووعاءً يحتوي على مادة " الكاز " ، وخرقة لتنظيف الزجاج .
2 ) يبدأ عمله مع خيوط الغروب الأولى ، فيصعد سلمه ليملأ الخزانات بالوقود ويشعل الفتيل .
3 ) يعود مرة أخرى عند بزوغ الفجر لإطفائها توفيراً للموارد ، وهي رحلة كانت تعرف بـ " التطفاية " .
4 ) كانت الفوانيس عبارة عن صناديق زجاجية تحمي الشعلة من الرياح ، وتوزع ضوءاً خافتاً يبعث السكينة في القلوب .
رابعاً : الدور الاجتماعي والأمني :
تجاوز دور " الدومري " مسألة الإنارة التقنية ، فقد كان يعتبر " حارس الحارة " غير الرسمي . وبحكم تواجده الدائم في الطرقات في أوقات متأخرة ، كان يعرف الغرباء ويراقب التحركات ، مما يوفر نوعاً من الحماية للأهالي . كما كان رفيقاً لرواد المساجد في صلوات الليل ، وصوتاً مألوفاً يكسر صمت الحارات ، خاصة في ليالي الشتاء الزمهريرية التي لم يكن يجرؤ فيها أحد على الخروج سواه . ومن هنا ولدت عبارة " ما في ولا دومري " ، لتصبح مثلاً يضرب في خلو الأماكن تماماً من البشر .
خامساً : أسباب الاندثار وعصر التحولات الكبرى :
تعددا الأسباب التي أدت إلى طي صفحة هذه المهنة التراثية ، ويمكن إجمالها في التحولات الجذرية التي شهدها العالم مع مطلع القرن العشرين :
1 ) التطور التكنولوجي الهائل : كان اختراع المصباح الكهربائي هو الضربة القاضية لمهنة الدومري ، حيث حلت الشبكات الكهربائية محل الفوانيس اليدوية .
2 ) اكتشاف النفط وتكريره : ساهم توافر الطاقة وتطور وسائل استغلالها في ابتكار منظومات إنارة آلية لا تحتاج إلى جهد بشري يومي .
3 ) ظهور المصابيح الحديثة واللوكسات : بدأت المدن تتبنى تقنيات إنارة قوية ( مثل اللوكس ) التي غمرت الشوارع بنور لم يكن معهوداً ، مما جعل " الدومري " جزءاً من الماضي الجميل .
يبقى " الدومري " شاهداً على حقبة من التكاتف الاجتماعي والخدمة الصادقة . إن استحضار ذكراه اليوم ليس مجرد بكاء على الأطلال ، بل هو تقدير لرجال أخلصوا في عملهم وقدموا النور للناس في أصعب الظروف . سيظل " الدومري " في ذاكرتنا ذلك الرجل الذي يحمل النور فوق كتفه ، ليمسح عتمة الدروب ويمنحنا الأمان بمروره الهادئ
معرض مصابيح الزمن الجميل
قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) مذكرات خالد العظم ، منشورات بيروت ، 1973 م .
- 2 ) مذكرات فخري البارودي ، دمشق .
- 3 ) كتاب ( حمص - دراسة وثائقية ) ، محمود السباعي ونعيم الزهراوي .
- 4 ) صحيفة الخليج ، مقال ( الدومري مهنة تراثية اغتالها مصباح أديسون ) ، 2009 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.