تؤكد المقالة أن تشجيع الأطفال على القراءة يبدأ من قدوة الكبار الفعلية في حب المطالعة لا من التوجيهات اللفظية .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تضج البيوت المعاصرة اليوم بشكاوى متكررة من سيطرة الأجهزة الذكية والأقراص الضوئية على أوقات الأطفال واهتماماتهم ، حيث غدت الشاشات البرّاقة منافساً شرساً لكل العادات النافعة ، وعلى رأسها المطالعة واقتناء الكتاب . وحين يُسأل التربويون عن سبل استعادة شغف الناشئة بالقراءة ، تبرز الإجابة الأعمق والأكثر بلاغة في مشهد حيّ يختصر ألف محاضرة وتوجيه : « الأطفال لا يستمعون إلينا بل يقلدوننا » .
سطوة الشاشات وأزمة الانعزال الرقمي :
لم يعد خفياً ما تعيشه الأجيال الجديدة في ظل طوفان التكنولوجيا الرقمية والمنصات التفاعلية التي تمتص أوقاتهم وطاقاتهم العقلية . فالطفل اليوم ينشأ في بيئة تتوفر فيها المغريات البصرية المصممة بعناية لجذب انتباهه وإبقائه أسير الشاشة الصامتة . هذا الانعزال الرقمي لا يقتصر أثره على إهدار الوقت ، بل يتجاوزه إلى إضعاف ملكة التركيز العميق ، وتراجع مهارات التخيال ، والابتعاد التدريجي عن مصادر المعرفة الرصينة ، مما يضع الأسرة والمجتمع أمام تحدٍ تربوي جسيم يهدد بنيان الوعي والثقافة .
بليغ القول وصدق الفعل التربوي :
في مقابل هذا الضجيج التقني ، تأتي الحكمة البليغة لتؤكد أن التنشئة السليمة لا تُبنى على التوجيهات اللفظية المباشرة والاوامر المتكررة التي غالباً ما تصطدم بعناد الأطفال أو تجاهلهم . فالطفل بطبيعته كائن مقلّد ومراقب دقيق لتفاصيل سلوك الكبار من حوله ، وخصوصاً الوالدين . حين يرى الأب أو الأم يحملان الكتاب بشغف ويغرقان بين صفحاته في أوقات فراغهما ، يتحول الفعل القرائي في لا وعي الطفل إلى سلوك طبيعي وراقٍ يستحق التقليد والمحاكاة ، تماماً كما تقلد الطفلة أمها في حب العطاء والاهتمام بالمحيط .
المشهد الحيّ : حين ينطق المثال الواقعي :
تتجسد هذه الفلسفة التربوية بأصدق صورها في المشاهد اليومية العفوية ؛ كأم تقرأ كتابها بتركيز في وسائل النقل العامة أو في زاوية هادئة من البيت ، وبجوارها طفلها الصغير يمسك بكتابه الخاص مقلداً حركاتها وجلستها دون إكراه أو توجيه . هنا تنتقل عدوى الشغف بالمحبة والقدوة لا بالفرض والقسر . فالكتاب الذي يُقرأ بمحبة أمام الطفل يصبح رمزاً للكبار ومصدر جذب خفيّ ، بينما تصبح الشاشة المقابلة لوالدين منشغلين طوال الوقت بهواتفهم دعوة صامتة ومؤثرة للارتباط بها .
نحو بيئة أسرية حاضنة للقراءة :
إن إعادة الاعتبار للكتاب في حياتنا وحياة أبنائنا تبدأ من الذات قبل الآخرين . فحين نؤمن بأن بناء عقل الطفل وتشكيل وعيه يبدأ بتأسيس بيئة منزلية تنبض بحب المعرفة ، تصبح المكتبة المنزلية ركناً حياً لا غنى عنه . إن الأطفال بحاجة ماسة لمن يريهم جمال القراءة مجسداً في سلوكياتنا اليومية ، ليقيننا الراسخ بأن الأجيال تُبنى بالقدوة الحسنة والممارسة العملية ، لتظل الكلمات الحية والكتب النافعة ملاذاً آمناً يعيد للإنسان دفء الفكر وصفاء الروح في زمن متسارع الخطى .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.