يستعرض هذا المقال مسيرة صناعة الحلويات والسكاكر في مدينة إربد وبلدة حوارة منذ أوائل القرن العشرين وحتى العصر الحديث، موثقاً أبرز المحطات التاريخية، ورواد هذه الصنعة، وعلاماتها الفارقة في الذاكرة الشعبية.
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعتبر مدينة إربد ، عروس الشمال الأردني ، حاضنةً رئيسيةً للتراث الشعبي والحرفي ، وتحتل صناعة الحلويات والسكاكر فيها مكانة اجتماعية والثقافية بارزة تجسد طابع المدنية المتطور وعراقة الريف والمدينة معاً . لم تكن هذه الصناعة مجرد مهنة تجارية بحتة ، بل كانت جزءاً أصيلاً من طقوس الفرح والمناسبات الاجتماعية ، ومرآةً لتطور الحياة الاقتصادية والعمرانية في المدينة منذ أوائل القرن العشرين وحتى العصر الحديث .
أولاً : الجذور التاريخية والنشأة الأولى وباعة الأزقة ( أوائل القرن العشرين وحتى منتصفه ) :
في فترات العهد العثماني المتأخر وفترة الإمارة الأولى ، اقتصرت صناعة الحلويات في إربد على نطاق ضيق جداً ، حيث كانت الأسر تعتمد على الحلويات المنزلية البسيطة والمنتجات المرتبطة بالمواسم الزراعية كالدبس والتين المجفف في البلدة القديمة .
وفي تلك الأزمنة البسيطة ، لم تكن الحلوى حبيسة الدكاكين وحدها ، بل كان الباعة المتجولون عنصراً مألوفاً ونابضاً بالحياة في أزقة وشوارع إربد القديمة . فقد اعتمد الأهالي والأطفال على هؤلاء الباعة الذين كانوا يجوبون الحارات حاملين صواني العرض أو سلال اليد الخشبية ، ليقدموا للناس أصنافاً شعبية أصيلة لا تُنسى من حلويات التراث والذاكرة الشمالية ، مثل :
وكانت هذه الأصناف تضفي بهجة يومية على القلوب ، وتشكّل ملامح الذاكرة الأولى للطفولة والشارع الإربدي قبل أن تظهر الدكاكين والمحلات الثابتة .
ومع اتساع رقعة المدينة وتحولها إلى مركز تجاري رئيسي في شمال الأردن ، بدأت تظهر دكاكين متخصصة وصغيرة تعتمد على أدوات يدوية بسيطة ومواقد الحطب والفحم ، مستفيدة من وفود بعض الحرفيين العائليين .
ثانياً : الأسماء العريقة والعلامات الفارقة في الذاكرة الإربدية ( حقبة الرواد ) :
تُثري التفاصيل والشهادات التاريخية الموثقة مسيرة قطاع الحلويات في إربد ، لتبرز أسماء عائلية ومحلات شكلت بحد ذاتها محطات ذاكرة لأبناء المدينة وزوارها ، وتناقلت أجيالها أسرار الصنعة والنكهة الأصيلة :
ثالثاً : رواد وحرفيو الحلويات ودكاكين العرض في بلدة حوارة :
لم تقتصر صناعة الحلويات التقليدية على مركز مدينة إربد وحدها ، بل برزت في بلداتها وقراها الكبيرة أسماء لامعة خلفت بصمة واضحة في الذاكرة الشعبية المحلية . ففي بلدة حوارة ، كان جزء كبير من الحلويات بمختلف أنواعها يُعرض ويُباع عبر دكاكين حوارة المتفرقة في أحياء وساحات البلدة المختلفة ، حيث كانت هذه الدكاكين تُلبّي احتياجات الأهالي والأطفال بشكل يومي عبر جلب بضاعتها إما من محلات تجارة الجملة الكبرى في مدينة إربد ، أو مباشرة من محلات الحلويات الشهيرة فيها . وإلى جانب هذه الدكاكين الحيوية ، برز عدد من صناع الحلويات البارزين الذين اقترنت أسماؤهم بجودة الصنعة والمواسم :
رابعاً : مواسم بيع الحلويات : بين أصناف الشتاء والصيف والطلب الدائم :
لم تكن تجارة الحلويات في إربد وبلداتها وتيرة واحدة طوال العام ، بل حكمتها إيقاعات الفصول والمواسم المناخية والاجتماعية ، لتنقسم حركة الإقبال إلى مسارات دقيقة :
خامساً : التحول الجذري في طبيعة الأصناف وطريقة تقديم الخدمة :
إذا ما قارنا الماضي بالحاضر ، سنجد فرقاً هائلاً في شكل محلات الحلويات وما تقدمه للناس :
سادساً : المخابز الحديثة شريكاً منافساً في صناعة الحلويات :
لم يعد إنتاج الحلويات حكراً على محلات الحلويات المتخصصة وحدها ، إذ شهدت مدينة إربد وسائر المدن الأردنية في الآونة الأخيرة تطوراً ملحوظاً دخلت فيه ( المخابز الحديثة ) بقوة على خط المنافسة . فقد عمدت هذه المخابز إلى تطوير خطوط إنتاج متكاملة خاصة بالحلويات الشرقية والغربية ، والمعجنات ، وقوالب الكيك الاحترافية ، لتصبح وجهاً موازياً ومنافساً حقيقياً لمحلات الحلويات التقليدية ، مستفيدة من انتشارها الواسع في كافة الأحياء وقدرتها على تلبية احتياجات المستهلك اليومية في مكان واحد يجمع الخبز والحلويات تحت سقف واحد .
سابعاً : مواسم الفرح والبهجة : متى يشتد الطلب على الحلويات في إربد
تعتبر محلات الحلويات والمخابز شرياناً أساسياً ينبض بالحياة في كافة المناسبات السعيدة والأيام المباركة في المجتمع الأردني . ويرتفع حجم الطلب بشكل غير مسبوق في محطات محددة :
ثامناً : البصمة الاجتماعية والاقتصادية :
1 ) الارتباط بالمناسبات والطقوس : تعتبر محلات الحلويات والمخابز في إربد جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي ، فتقديم الحلويات في الأعراس ، ونجاح التوجيهي ، واستقبال الحجاج ، وشهر رمضان المبارك ، تقاليد راسخة تعزز أواصر الترابط .
2 ) التشغيل والتشابك الاقتصادي : تساهم هذه الصناعة في توفير فرص عمل واسعة ، وتعتمد في سلاسل توريدها على المزارع المحلية لمنتجات الحليب والقشطة .
3 ) الحفاظ على الهوية : رغم التطور العصري ، حافظ صانعو الحلويات والمخابز في إربد على الهوية الشرقية الأصيلة والوصفات المتوارثة التي تضمن الحفاظ على النكهة التي تميز شمال الأردن .
هكذا تتشابك خيوط الصنعة العريقة مع نبض الحياة اليومية في مدينة إربد وبلداتها ، لتؤكد أن قطاع الحلويات والسكاكر لم يكن يوماً مجرد قطاع تجاري استهلاكي عابر ، بل هو جزء حيوي من الذاكرة الجمعية والتراث الشعبي المتوارث في شمال الأردن . لقد انتقلت هذه الحرفة بخطوات واثقة من بسطات الباعة المتجولين والدكاكين الشعبية في الأزقة القديمة ومواقد الحطب البدائية ، إلى واجهات المحلات الحديثة والمخابز الكبرى المجهزة بأحدث التقنيات . ورغم هذا التحول العصري الهائل وتعدد الأصناف بين شرقية وغربية وموسمية ، إلا أن طقوس الفرح والمناسبات الاجتماعية بقيت الحارس الأمين لهوية هذه الصناعة ، تروي للأجيال المتعاقبة قصص الكرم والاصالة التي تعبق بها عروس الشمال .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) الروايات الشفوية والذاكرة الشعبية المحلية في مدينة إربد وبلدة حوارة ( شهادات رواد الحرف وصناع الحلويات القدامى وأصحاب الدكاكين التقليدية ) .
2 ) الوثائق التاريخية والدراسات التثقيفية المتعلقة بتطور الأسواق والحياة الاقتصادية في شمال الأردن خلال القرن العشرين .
3 ) الأرشيف الميداني لتوثيق الحرف والصناعات التقليدية والتقاليد الاجتماعية في بلاد الشام .
4 ) المقابلات الشخصية مع عائلات رواد صناعة الحلويات التاريخية في إربد وحوارة ( العفوري ، الزعبي ، زقوت ، السلطي ، الخليلي ، وآل الغرايبه ) .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الروايات الشفوية والذاكرة الشعبية المحلية في مدينة إربد وبلدة حوارة ( شهادات رواد الحرف وصناع الحلويات القدامى وأصحاب الدكاكين التقليدية ) .
- 2 ) الوثائق التاريخية والدراسات التثقيفية المتعلقة بتطور الأسواق والحياة الاقتصادية في شمال الأردن خلال القرن العشرين .
- 3 ) الأرشيف الميداني لتوثيق الحرف والصناعات التقليدية والتقاليد الاجتماعية في بلاد الشام .
- 4 ) المقابلات الشخصية مع عائلات رواد صناعة الحلويات التاريخية في إربد وحوارة ( العفوري ، الزعبي ، زقوت ، السلطي ، الخليلي ، وآل الغرايبه ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.