تُوثق صفحات التاريخ زوال دول كبرى وكيانات سياسية عريقة بفعل الصراعات والتغيرات الجيوسياسية ، لتؤكد أن بقاء الدول مرتبط بالإصلاح والقدرة على مواكبة الزمن .
عروش سقطت ودول تلاشت : حين تطوي ريح الزمن صفحات التاريخ
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تغدو صفحات التاريخ أكثر جاذبية حين نتأمل تلك الدول والكيانات السياسية الكبرى التي ملأت الأرض صخباً وقوة لقرون عديدة ، ثم تراجعت سياسياً وتلاشت من خريطة العالم بفعل صراع البقاء وتحولات الجغرافيا السياسية ، وذلك في الفترة الزمنية المقدرة ما بين مئتي وخمسين إلى ثلاثمئة عام خلت ، إضافة إلى التحولات الكبرى التي رسمت ملامح العالم الحديث في القرنين التاسع عشر والعشرين . لقد شكلت تلك الدول محاور رئيسية في صياغة مصير شعوبها قبل أن تطويها رياح التغيير ، وشهدت الخريطة السياسية للعالم على مرّ التاريخ ، وتحديداً خلال القرون الثلاثة الأخيرة ، تغيرات جذرية تؤكد أن الحدود والكيانات ليست أبدية ، بل هي إطارات متغيرة تطويها رياح الزمن عبر خمس مسارات رئيسية لاختفاء الدول استناداً إلى أحدث التقارير الجغرافية والتاريخية الموثوقة ( مثل مقالات موقع "الفن" وتقارير مجلة "جيوغرافيكال" العريقة ) : التفكك والانقسام ، الاندماج والاتحاد ، الضم والابتلاع ، الهزيمة العسكرية ، أو إعادة التسمية وتغيير الهوية .
1 ) الإمبراطورية المغولية الهندية ( مغغل الهند ) :
موقعها : شبه القارة الهندية وأجزاء واسعة من آسيا الوسطى تشمل دولاً حديثة مثل الهند ، وباكستان ، وبنغلاديش ، وأجزاء من أفغانستان .
سبب اختفائها وزوالها : الصراعات الداخلية والتمردات وتفكك المركزية والتدخل المتصاعد لشركة الهند الشرقية البريطانية الذي أدى إلى تحول أباطرتها إلى حكام صوريين قبل أن تُسقطها بريطانيا نهائياً في منتصف القرن التاسع عشر بعد حقبة امتدت قرابة ثلاثة قرون .
معلومات إضافية ومفصلة :
تأسست هذه الإمبراطورية العريقة في أوائل القرن السادس عشر على يد القائد بابور ، واشتهرت بقوة جيوشها وثرواتها الأسطورية التي جعلت مدناً مثل آغرا ودلهي مراكز حضارية كبرى . تميز عهدها بتطوير أنظمة إدارية ومالية متقدمة وفنون معمارية فريدة تخلدت في معالم عالمية مثل تاج محل . غير أن التوسع المفرط ، وإنهاك خزينة الدولة في الحروب المستمرة ، وخلافات البيت العضوية بعد وفاة الإمبراطور أورنك زيب عام 1707 م ، أدت إلى انقسام الأمراء والولاة ، مما فتح الباب أمام التدخل الأجنبي الاستعماري وتفكك أوصال الدولة بالتدريج .
2 ) الكومنولث البولندي الليتواني :
موقعها : أوروبا الشرقية والوسطى وتضم أجزاء واسعة من بولندا ، وليتوانيا ، وبيلاروسيا ، وأوكرانيا ، وأجزاء من لاتفيا ، وإستونيا .
سبب اختفائها وزوالها : الضعف السياسي الداخلي ومبدأ الاعتراض المطلق في البرلمان إلى جانب الأطماع التوسعية للجيران الأقوياء مثل روسيا القيصرية ، ومملكة بروسيا ، وملكية هابسبورغ ، مما أسفر عن ثلاث عمليات تقسيم متتالية محت الدولة تماماً من خريطة أوروبا بحلول عام 1795 م .
معلومات إضافية ومفصلة :
شكل هذا الكومنولث نموذجاً اتحادياً فريداً ومبكراً في تاريخ أوروبا ، حيث اتحدت مملكة بولندا ودوقية لتوانيا الكبرى في كيان سياسي واحد تمتع بدستور متقدم ونظام برلماني واسع الصلاحيات . على الرغم من قوتها الثقافية والسياسية في قرني السادس عشر والسابع عشر ، إلا أن النظام السياسي المعقد الذي أتاح لأي عضو في البرلمان استخدام حق الاعتراض المطلق لتعطيل أي قرار أصاب الإدارة بالشلل التام . استغلت الإمبراطوريات المجاورة هذا التصدع الداخلي لتقسيم أراضي الكومنولث على مراحل ثلاث حتى زال تماماً من الخريطة لفترة طويلة .
3 ) الدولة الصفوية :
موقعها : إيران الحالية وأجزاء من القوقاز تشمل أذربيجان ، وأرمينيا ، وجورجيا ، وأجزاء من العراق ، وتركيا ، وآسيا الوسطى .
سبب اختفائها وزوالها : أصابها الضعف الإداري والفساد العسكري في أوائل القرن الثامن عشر مما جعلها لقمة سائغة لهجمات القبائل الأفغانية بقيادة محمود الهوتكي وسقوط عاصمتها أصفهان عام 1722 م لتنتهي سلالتها تماماً في فوضى عارمة .
معلومات إضافية ومفصلة :
قامت الدولة الصفوية في أوائل القرن السادس عشر وأسست لهوية سياسية ومذهبية جديدة في بلاد فارس والمناطق المحيطة بها ، وشهدت عصوراً ذهبية في التجارة والفنون والعمارة سيما في عهد الشاه عباس الكبير الذي نقل العاصمة إلى أصفهان . لكن بمرور الزمن ، تفشى التدهور الاقتصادي وضعف كفاءة الجيش وتحكم الطبقات العسكرية في شؤون الحكم ، مما أدى إلى فقدان السيطرة على الأطراف ، وحدوث تمردات داخلية قاسية انتهت باجتياح العاصمة وسقوط الأسرة الحاكمة في أزمة مأساوية غيرت مسار تاريخ المنطقة .
4 ) إمبراطورية الماراثا :
موقعها : شبه القارة الهندية وتحديداً المناطق الغربية والوسطى وتضم أقاليم مثل ماهاراشترا وأجزاء واسعة من وسط وجنوب الهند .
سبب اختفائها وزوالها : الصراعات الداخلية المستمرة بين الزعماء الإقطاعيين والكونفيدرالية مما عجل بانهيارها السريع أمام التمدد العسكري والسياسي المنظم لشركة الهند الشرقية البريطانية في حروب الماراثا المتعددة والتي انتهت عام 1818 م .
معلومات إضافية ومفصلة :
برزت إمبراطورية الماراثا كقوة عسكرية هندوسية من خلال حرب العصابات المنظمة بقيادة القائد شيفاجي ضد الحكم المغولي ، واستطاعت خلال القرن الثامن عشر ملء الفراغ السياسي الكبير الذي خلفه تراجع المغول ، لتسيطر على مساحات شاسعة من شبه القارة الهندية وتفرض نفوذاً واسعاً . ورغم براعتها العسكرية وقدرتها الفائقة على القتال ، إلا أن النظام الكونفيدرالي الذي وزع السلطة بين قادة عسكريين متنافسين خلق صراعات داخلية على الزعامة والنفوذ ، مما جعلها غير قادرة على الوقوف موحدة في وجه القوة الاستعمارية البريطانية المنظمة .
5 ) الدولة العثمانية :
موقعها : امتدت عبر ثلاث قارات آسيا ، وأفريقيا ، وأوروبا وشملت بلاد الشام ، والعراق ، ومصر ، وشبه الجزيرة العربية ، وأجزاء واسعة من شرق ووسط أوروبا .
سبب اختفائها وزوالها : الضعف الاقتصادي والإداري المزمن والمعارك الفاصلة والتدخلات الأجنبية والمشاركة الخاسرة في الحرب العالمية الأولى وتوقيع معاهدة سيفر ثم اتفاقيات التقسيم التي أدت إلى إلغاء الخلافة وإعلان الجمهورية التركية عام 1923 م .
معلومات إضافية ومفصلة :
شكلت الإمبراطورية العثمانية عموداً فقرياً للتاريخ الإسلامي والعالمي لقرون طويلة ، وفتحت عاصمتها القسطنطينية عام 1453 م لتصبح قوة عالمية كبرى تفككت بعد الحرب العالمية الأولى وظهرت على أنقاضها جمهورية تركيا الحديثة بالإضافة إلى عشرات الدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا .
6 ) الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى ضحية الحرب العالمية الأولى ( النمساوية المجرية وبروسيا ) :
موقعها : وسط وشرق القارة الأوروبية .
سبب اختفائها وزوالها : الدمار الهائل الناتج عن معارك الحرب العالمية الأولى والانهيارات الثورية ومعاهدات السلام القاسية وتقسيم الأراضي .
معلومات إضافية ومفصلة :
شهدت هذه الحقبة زوال كيانات كبرى مثل الإمبراطورية النمساوية المجرية التي تفككت إلى عدة دول ، ومملكة بروسيا التي شكلت العمود الفقري لألمانيا وتوقفت رسمياً عن الوجود بعد الحرب العالمية الثانية عام 1947 م .
7 ) اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية ( الاتحاد السوفيتي ) :
موقعها : أوراسيا وأوروبا الشرقية وشملت خمس عشرة جمهورية اتحادية امتدت من بحر البلطيق إلى المحيط الهادئ .
سبب اختفائها وزوالها : التدهور الاقتصادي الهيكلي المزمن والإنفاق العسكري الهائل والجمود البيروقراطي والانفصال القومي الذي أدى إلى تفكك الدولة رسمياً في ديسمبر 1991 م .
معلومات إضافية ومفصلة :
مثل الاتحاد السوفيتي أكبر قوة عظمى قادت المعسكر الشيوعي خلال الحرب الباردة ، قبل أن ينهار ويتفكك إلى 15 دولة مستقلة أبرزها روسيا ، وأوكرانيا ، وكازاخستان .
8 ) يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا :
موقعها : جنوب شرق أوروبا ( البلقان ) ووسط أوروبا .
سبب اختفائها وزوالها : الصراعات العرقية والحروب الأهلية الدموية في التسعينيات بالنسبة ليوغوسلافيا التي تلاشت تماماً عام 2003 ، والانفصال السلمي ( الطلاق المخملي ) بالنسبة لتشيكوسلوفاكيا عام 1993 إلى جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا .
معلومات إضافية ومفصلة :
تأسست هذه الكيانات الفيدرالية عقب الحرب العالمية الأولى لتضم قوميات وثقافات متعددة ، وانتهت بمسارات متباينة بين النزاعات المسلحة والتسويات السياسية السلمية .
9 ) كولومبيا الكبرى :
موقعها : قارة أمريكا الجنوبية وشملت أراضي دول كولومبيا ، وفنزويلا ، وإكوادور ، وبنما المعاصرة .
سبب اختفائها وزوالها : الخلافات السياسية العميقة وتنازع السلطة بين المركز والأقاليم مما أدى إلى تفكك الجمهورية الشاسعة ( 1819 - 1831 ) التي أسسها القائد سيمون بوليفار .
معلومات إضافية ومفصلة :
مثلت هذه الجمهورية حلم توحيد أمريكا الجنوبية ، غير أن التباينات الإقليمية أسفرت عن انفصال أجزائها لتولد منها دول مستقلة حديثة .
10 ) كيانات تاريخية زالت بفعل الاندماج ، التغيير ، أو الضم ( التبت ، سيكيم ، وموريسنيت ) :
موقعها : آسيا ، وأوروبا ، وأفريقيا .
سبب اختفائها وزوالها : الضم القسري أو السياسي ( مثل التبت وسيكيم اللتين ضمهما الصين والهند تباعاً ) ، الاندماج الإقليمي ( مثل زنجبار وتنجانيقا لتشكيل تنزانيا ) ، أو انتهاء الوضع المحايد ( مثل موريسنيت المحايدة بين بلجيكا وألمانيا ) ، إلى جانب تغير الأسماء التاريخية العريقة مثل " سيام " التي اصبحت تايلاند ، و " فارس " التي تحولت إلى إيران ، و " سيلان " التي صارت سريلانكا .
معلومات إضافية ومفصلة :
توثق الموسوعات والمنصات الرقمية المعاصرة ( بما في ذلك تقارير منصات الفن والمراجع الجغرافية ) هذه القوائم الزاخرة بالدول والأقاليم التي كانت تمسح خطوطها وتتبدل هوياتما بفعل تحولات التاريخ المتسارعة .
تعكس قصة هذه الدول المندثرة حقيقة سنن التاريخ في التداول والتبدل ، فما من كيان سياسي مهما عظمت قوته وثرواته بمنأى عن السقوط إذا غاب الإصلاح المؤسسي وتآكلت الجبهة الداخلية بفعل الصراعات وضعفت القدرة على مواكبة التحولات العسكرية والسياسية المحيطة بنا جميعاً .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) تاريخ الشعوب الإسلامية ، كارل بروكلمان .
- 2 ) تاريخ الهند الحديث والمعاصر ، الدكتور عبد الله الغنيم .
- 3 ) صعود وسقوط الإمبراطوريات العالمية ، بول كينيدي .
- 4 ) تاريخ أوروبا في العصر الحديث ، آربرت صوفي .
- 5 ) الدولة العثمانية تاريخ والحضارة ، أكمل الدين إهسان أوغلي .
- 6 ) تاريخ الحرب العالمية الأولى والثانية ، برودل هيربرت .
- 7 ) نهاية الإمبراطوريات وانقسام العالم المعاصر ، سيرجي لافروف .
- 8 ) تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة ، فلاديمير تكاشيوف .
- 9 ) أرشيف ومقالات موقع " الفن " التاريخية ( قائمة 15 دولة كانت موجودة في السابق لكنها اختفت )(https://elfann.com/news/show/1396536/%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA-%D9%85%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82-%D9%84%D9%83%D9%86%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%81%D8%AA)] .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.