يستعرض هذا المقال ظاهرة الدروس الخصوصية في المجتمع الأردني مبينا أسبابها وتداعياتها التربوية والاقتصادية والاجتماعية مع إبراز الضوابط الشرعية والقانونية المنظمة لها وتقديم رؤية متوازنة للحد منها .
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تتأرجح المنظومة التعليمية المعاصرة بين نصوص المناهج الرسمية في قاعات الدراسة ومؤشرات السوق التربوي الموازي ، لتبرز ظاهرة الدروس الخصوصية بوصفها واقعاً ملموساً يفرض نفسه بقوة على إيقاع الحياة اليومية للأسر والطلبة على حد سواء في المجتمع الأردني . وبين دواعٍ تربوية ملحة تمليها الفجوات المعرفية واكتظاظ الصفوف المدرسية ، ومظاهر اجتماعية قد تصل حد التفاخر والتباهي بين الأقران ، يتحول التعليم الخصوصي إلى ساحة تقاطع فيها الحسابات الاقتصادية والنفسية والقانونية . هذه الظاهرة المعقدة بتداعياتها المتشعبة على الطالب والأسرة والمجتمع تستدعي قراءة متأنية ومتوازنة تفكك أسبابها وتستجلي آثارها وتبسط ضوابطها الشرعية والنظامية .
تتزايد ظاهرة التدريس الخصوصي بشكل كثيف هذه الأيام لدرجة أن التدريس الخصوصي أصبح أمرا واقعيا وخاصة لطلبة المرحلتين الثانوية والأساسية الدنيا ، لدرجة أن بعض الطلبة وأولياء أمورهم أصبحوا يعولون على الدروس الخصوصية ويهملون العملية التعليمية النظامية في الغرف الصفية في المدارس النظامية .
وبالمناسبة ، فأنا لست ضد المراكز الثقافية او التدريس الخصوصي وخاصة للطلاب الذين يحتاجون مزيدا من العناية والتركيز الذي قد يفقدونه في الصفوف المدرسية النظامية نتيجة اكتظاظ الصفوف أو تدني مستوى الذكاء لدى بعض الطلبة ممن يجدون صعوبة بفهم اسلوب شرح مدرسيهم ويرغبون بتجريب أساليب مدرسين آخرين ، وأحياناً ، نجد طلبة غاية في الذكاء والتميز ولكنهم يرغبون بالمزيد من التنوع والتعزيز .
أسباب الإقبال على الدروس الخصوصية
إن اللجوء إلى الدروس الخصوصية لا يقتصر على طلاب المدارس العادية فحسب ، بل يمتد أحياناً ليشمل طلبة المدارس الخاصة المتميزة والمدارس الحكومية الرائدة ، وتتعدد أسباب هذا الإقبال لتشمل جوانب تربوية ونفسية واجتماعية بارزة :
آثار الدروس الخصوصية على الطالب والأسرة والمجتمع
تترك هذه الظاهرة انعكاسات متباينة تمس أطراف العملية التعليمية كافة :
من الناحية القانونية ، يحظر المشرع على المعلم الذي يعمل في وزارة التربية والتعليم إعطاء الدروس الخصوصية تحت طائلة المساءلة . ومع ذلك ، ولنكن واقعيين ، فالشمس لاتغطى بغربال ، فبعض أبناؤنا في المرحلتين الاساسية الدنيا والثانوية يحتاجون مزيدا من العناية والتركيز ، وهذا لا يتأتى الا من خلال الدروس الخصوصية الفردية أو من خلال المراكز الثقافية .
الرؤية الشرعية لعلماء الدين الإسلامي في الدروس الخصوصية
من الناحية الشرعية ، يقرر علماء الفقه الإسلامي ومجالس ودور الإفتاء أن الأصل في التعليم والانتفاع بالعلوم النافعة هو الجواز والإباحة ، بل وقد يُعد من فروض الكفاية التي أُمّت لأجلها جهود المعلمين . غير أن التكييف الفقهي للدروس الخصوصية وأجورها يخضع لضوابط ومعايير دقيقة تحكمها مقاصد الشريعة في حفظ الحقوق ومنع الضرر والاستغلال ، وتفصيل ذلك يظهر في النقاط التالية :
والالأصل من وجهة نظري ، ألا يقبل المعلم أو المعلمة تدريس طلبته في المدرسة النظامية في المراكز الثقافية ، وألا يمارس عليهم ضغوطا من أجل اجبارهم على الالتحاق بدروسه الخصوصية .
ولا بد من الاشارة هنا الى ضرورة عدم استغلال الطلبة وأولياء أمورهم بفرض أجورا باهضة للدروس الخصوصية ، حيث نسمع أن قيمة التدريس الفردي للساعة الواحدة قد وصل في بعض المناطق الى اكثر من 10-20 ديناراً أردنيّاً ( وقد تصل أحياناً إلى 25-30 ديناراً ) ، بل ومن باب الصدقة وكسب الأجر والثواب للمدرس أو المدرسة ، انصح المدرسين بعدم تقاضي الأجور من بعض الطلبة الذين يثبت فقرهم الشديد وعدم مقدرتهم على الدفع .
وفي الختام ، تبقى ظاهرة الدروس الخصوصية تحدياً مؤسسياً واجتماعياً يتطلب معالجة واعية ترتقي بكفاءة المدارس النظامية وتعزز الثقة بمخرجاتها ، لتبقى المؤسسة التعليمية الرسمية الحاضنة الأساسية لتكافؤ الفرص وبناء عقول الأجيال بعيداً عن أعباء الأسواق الموازية واستغلالاتها .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) المعجم الوسيط .
- 2 ) فتاوى دائرة الإفتاء العام الأردنية بشأن أحكام الدروس الخصوصية وضوابطها الشرعية .
- 3 ) دراسات تربوية في اثر الدروس الخصوصية على التحصيل الدراسي والوضع الاقتصادي للأسرة ( بما في ذلك تقارير صحيفة الدستور الأردنية ) .
- 4 ) قوانين وأنظمة وزارة التربية والتعليم المتعلقة بحظر الدروس الخصوصية للعاملين في السلك التعليمي .
- 5 ) أرشيف صحيفة الغد ( مقال : الدروس الخصوصية - أماني الشوبكي ) .
- 6 ) أرشيف وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) حول تقارير ومطالبات مختصين لكبح جماح ظاهرة الدروس الخصوصية .
- 7 ) تقارير ومقالات زاد الأردن الإخبارية ، وكل الأردن ، وصحيفة السوسنة الأردنية ، وموقع الأردن 24 ( مقال : الدروس الخصوصية… من المسؤول ؟ - طارق خوري ) ، ومدونة مدارس أكسفورد حول ظاهرة الدروس الخصوصية وتأثيرها على الطالب والأسرة في المجتمع الأردني .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.