يستعرض هذا المقال ، دور ضرب المسكوكات في الأردن عبر العصور الإسلامية المختلفة وأسباب اختيارها وأهميتها الاقتصادية والسياسية .

ضرب المسكوكات في الأردن عبر العصور الإسلامية : سيادة النقد وأسرار اختيار المكان

بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُشكل المسكوكات الإسلامية وثيقة تاريخية واقتصادية ناطقة تعكس عمق السيادة واستقرار الدول المتعاقبة على أرض الأردن المباركة . فمنذ فجر الفتح الإسلامي وحتى أواخر العهد العثماني ، لم تكن دور الضرب مجرد مراكز لسك العملة فحسب ، بل كانت أدوات سيادية كبرى تعبر عن قوة الدولة واستقلال قرارها المالي والعقائدي . وعلى امتداد جغرافية الأردن التاريخية ، لعبت دور الضرب ومراكز الإصدار النقدي ، ولا سيما في جند الأردن وجند فلسطين ، دوراً مركزياً وحيوياً في تنظيم المعاملات وتوثيق التحولات الكبرى .

​أولاً : لماذا تم اختيار الأردن لتكون مكاناً لدور ضرب المسكوكات ؟

​لم يكن اختيار المدن الأردنية ( مثل عمان وجرش وطبقة فحل ) كمراكز لضرب المسكوكات وسك النقود وليد الصدفة ، بل جاء بناءً على منظومة من العوامل الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية المتكاملة :

​1 ) الموقع الجيوسياسي وتوسط طرق التجارة وقوافل الحج : شكلت أرض الأردن حلقة وصل جغرافية حيوية تربط بين الشام والحجاز والعراق ومصر ، الأمر الذي استدعى وجود مراكز نقدية قريبة لتلبية احتياجات الأسواق النشطة وتمويل قوافل التجارة والحج الشامي وتسهيل المعاملات اليومية .

​2 ) الإدارة العسكرية والإدارية ( نظام الأجناد ) : في صدر الدولة الإسلامية والعصر الأموي ، قُسّمت بلاد الشام إلى أجناد إدارية وعسكرية ، وكان الأردن يمثل قاعدة رئيسية ضمن جند الأردن وجند فلسطين ، مما تطلب منح هذه المراكز صلاحيات إصدار العملات النحاسية والفضية ( الفلوس ) لضبط الشؤون المالية ودفع أجور الجيوش والعاملين في ديوان الدولة .

​3 ) الاستقلال المادي وسيادة القرار السياسي : عندما قاد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ثورة تعريب النقود الإسلامية للتخلص من التبعية الاقتصادية للسيادة البيزنطية والساسانية ، تم توجيه دور الضرب المحلية في حواضر الأردن وعمان وجرش لسك العملات التي تحمل طابع التوحيد والشعارات الإسلامية الخالصة وأسماء دور الضرب العربية ، تجسيداً لسيادة الدولة واستقلال قرارها .

​4 ) توفر الموارد والخبرات والنشاط البشري : إلى جانب الموقع والإدارة ، استفادت هذه المراكز من توفر الخامات المعدنية الأساسية المتداولة في ذلك الحين ، لا سيما النحاس والمعادن القابلة للتشكيل في صناعة الفلوس والمسكوكات المحلية ، إضافة إلى وجود الكفاءات والكوادر الإدارية والصناع الذين برعوا في تطوير قوالب السك ونقش الخطوط العربية والإسلامية بدقة متناغية .

​ثانياً : التسلسل التاريخي للمسكوكات ودور الضرب في الأردن

​تطور مسار ضرب المسكوكات في الأردن عبر العصور الإسلامية المتعاقبة وفق تسلسل زمني دقيق يعكس نبض الأحداث وتحولات الدولة :

​1 ) العهد الراشدي والفترة الأموية ( بزوغ النقود العربية ) : مع دخول المسلمين الأوائل إلى أرض الأردن ، اعتمد المجتمع في بدايات العهد الراشدي على النقود الساسانية والبيزنطية المتداولة مع وضع بعض الختوم أو التعريب الجزئي . ومع قيام الدولة الأموية واتخاذ بلاد الشام مركزاً للخلافة ، برزت أهمية دور الضرب المحلية بشكل غير مسبوق ، حيث تطورت النقود المتطورة عن الأنماط البيزنطية لتُضاف إليها كلمات عربية مثل ( طيِّب ، وافر ، جيد ) ، وتجلت دور الضرب مثل الأردن وعمان على الفلوس والمسكوكات المصنوعة محلياً من النحاس والفضة ، معلنة استقلال النظام النقدي الإسلامي . وتعزيزاً لهذه الذاكرة النقدية ضمن جغرافية جند الأردن التاريخية التي كانت عاصمتها طبرية وتتبع لها مناطق واسعة من الحواضر المجاورة كمدينة بيسان ، شهدت تلك المرحلة إصدار مسكوكات نادرة توثق ملامح الحقبة الأموية وتبرز تداخل النفوذ الإداري والمالي ، مثل النقود الأموية التي ظهرت فيها صور الخلفاء ودلالات السيادة المبكرة .

​2 ) العصر العباسي والفترات اللاحقة ( الأيوبية والمملوكية ) : مع انتقال الخلافة إلى بغداد في العصر العباسي ، واصلت مدن الأردن الحفاظ على أهميتها التجارية والاقتصادية على طرق التجارة الرئيسية وطريق الحج الشامي . وفي العصور الإسلامية اللاحقة كالعهد الأيوبي والمملوكي ، اعتمدت الأسواق المحلية في حواضر الأردن وقلوعه الحصينة على الدنانير الذهبية والدراهم الفضية والفلوس النحاسية المملوكية التي تحمل ألقاب السلاطين وروسومهم المميزة مثل ( السيف والأسد ونقوش الكتابات الثلثية ) ، مما يبرز اندماج الاقتصاد الأردني في منظومة التجارة الإقليمية الواسعة .

​3 ) العهد العثماني ( النظام النقدي وشبكة الإمداد ) : مع خضوع الأردن للسيادة العثمانية مطلع القرن السادس عشر الميلادي ، دخلت المنطقة مرحلة جديدة ارتبطت فيها الإدارة المالية بالولايات الكبرى مثل ولاية دمشق :


​إن تتبع مسار ضرب المسكوكات وتطورها في الأردن عبر العصور الإسلامية المختلفة يبرز بجلاء القيمة الحضارية الكبرى لهذه الأرض . فمن فلوس العصور الأموية الأولى التي حملت دور الضرب مثل الأردن وعمان على الفلوس والمسكوكات المصنوعة محلياً بوضوح ، مروراً بمسكوكات العصور المتعاقبة ، وصولاً إلى النقود العثمانية المتداولة ، ظلت المسكوكات مرآة صادقة لحركة التاريخ الاقتصادية والسيادة الوطنية .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) السجلات والأرشيف التاريخي للنظم النقدية ودور الضرب في العصور الإسلامية .
  3. 2 ) الدراسات الأثرية والتاريخية المحكمة حول المسكوكات العربية الإسلامية في جند الأردن وجند فلسطين .
  4. 3 ) الأبحاث والدراسات الميدانية المتعلقة بتطور العملات والأسواق التجارية في بلاد الشام خلال العصور الأموية والعباسية والعثمانية .
  5. 4 ) الأبحاث والرسائل الجامعية المتخصصة في دراسة الوثائق والنقود الإسلامية في عمادة البحث العلمي بالجامعة الأردنية .
  6. 5 ) الدراسات الأثرية المحكمة في المجلات العلمية العربية حول الآثار والمسكوكات التاريخية .
  7. 6 ) مقالات وأبحاث الباحث والأستاذ قيصر صالح الغرايبه في توثيق تاريخ المكان والذاكرة الاقتصادية والحضارية في شمال الأردن .